مساهمة في كتابة تاريخ حزب اتحاد الشعب في الكويت   الحلقة 3: سنة 1976 سنة الانطلاق والتحديات   بقلم: أحمد الديين

by altaqadomia on 19/01/2018

الحلقة 3: سنة 1976 سنة الانطلاق والتحديات

 

بقلم: أحمد الديين

 

إصدار نشرة “الاتحاد”:

في شهر مارس/ آذار من العام 1976 احتفل الرفاق في حزب اتحاد الشعب في الكويت بالذكرى السنوية الأولى لإعلان اسم الحزب، وفي تلك المناسبة أصدرت اللجنة القيادية للحزب العدد الأول من نشرة “الاتحاد” التي صدرت أول الأمر بوصفها نشرة داخلية، وتضمّن العدد الأول عدداً من المواد موزعة كالتالي:

– مقال افتتاحي بعنوان: في الذكرى الأول لإعلان اسم الحزب: لنتعاهد مجدداً على استمرار النضال.

– محاربة الحكومة للأفكار التقدمية.

– من أجل حل الخلاف الكويتي العراقي على الحدود ودياً.

– تحية للحزب الشيوعي العراقي بمناسبة الذكرى الثانية والأربعين لتأسيسه.

– تحية أخرى إلى الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفياتي بمناسبة انعقاد المؤتمر الخامس والعشرين.

– معاً في النضال تحت راية الماركسية – اللينينية والأممية البروليتارية.

– النشيد الأممي.

ونلاحظ هنا أنّ كون نشرة “الاتحاد” في سنواتها الأولى نشرة حزبية داخلية وليست نشرة للتوزيع العام فقد كان معظم موادها ذا طابع حزبي، وهذا ما تغيّر لاحقاً عندما تحوّلت “الاتحاد” إلى جريدة الحزب ولسان حاله، وأصبحت توزع على نطاق أوسع من الدائرة الحزبية.

وعندما نتوقف أمام المقال الافتتاحي نجد أنّه رسالة صادرة عن اللجنة القيادية للحزب موجهة إلى الرفاق الأعضاء والمرشحين للعضوية تحيي فيها المناسبة، كما تشير إلى ما تحقق في السنة الأولى من انطلاقة الحزب عبر خطوات تمثلت في “توطيد أسس التنظيم، وتشكيل اللجنة القيادية – المركزي القائد للحزب، وصدور مشروعي برنامج الحزب ونظامه الداخلي”، وتضيف نشرة “الاتحاد” أنه “وبقدر ما تُفعَم صدورنا بالسرور بسبب هذه النتائج، فإننا نشدد العزم على المضي قدماً في سبيل تحسين العمل التنظيمي وتوسيع عضوية ومحيط أصدقاء الحزب وتوطيد الوحدة الفكرية للحزب بالاسترشاد بالماركسية اللينينية، وتعزيز الصلة بأشقائنا في الفكر والنضال مهتدين براية الأممية البروليتارية، والتحذير من خطر الميول والانحرافات اليمينية الانتهازية اليسارية المغامرة والقومية الشوفينية والعمل على محاربتها إن وجدت وكشف جذورها الطبقية الغريبة عن الطبقة العاملة وعن فكرها، هذا إلى جانب العمل على توثيق الصلة بجماهير الشعب وبالطبقة العاملة خصوصاً، والانتباه لمطالبها وقيادة نضالها وجذبها للتنظيمات الاجتماعية والوطنية، وتعزيز التعاون مع القوى الوطنية الأخرى”.

 

الانقلاب على الدستور وانعاكساته على حزبنا:

وإذا كان هذا هو وضع الحزب على صعيد بنائه الداخلي بعد مرور سنة على انطلاقته، فقد كانت السلطة خلال تلك الفترة تُعدّ العدة للانقلاب على الدستور، وهو الأمر الذي نبهت إليه اللجنة القيادية للحزب وحذرت منه قبل وقوعه عبر التعاميم والتوجيهات الداخلية والاجتماعات الحزبية، ولكنها لم تتمكن من تعبئة الرأي العام الشعبي ضد ذلك الانقلاب المرتقب، خصوصاً بعد أن بدأ مجلس الأمة عطلته الصيفية بهدوء… إلا أنّ السلطة التي كانت تتربص بالمكتسبات الديمقراطية انتهزت فصل الصيف وشهر رمضان وحالة الركود في الحياة العامة وبينها الحياة السياسية، فشنت صبيحة يوم 29 أغسطس/ آب 1976 هجمتها الرجعية وأصدرت في ذلك اليوم أوامر أميرية قضت بتعليق عدد من مواد الدستور، وتعطيل الحياة النيابية، كما أصدرت مجموعة من المراسيم بقوانين كان أخطرها تعديل قانون المطبوعات والنشر باستحداث المادة 35 مكرر لتمكين الحكومة من تعطيل الصحف إدارياً.

ومساء يوم السبت 28 أغسطس/ آب من العام 1976 وصلت معلومات موثوقة إلى اللجنة القيادية للحزب بأنّ السلطة ستقدم على تنفيذ انقلابها على الدستور، فبادرت إلى اتخاذ بعض الاحتياطات وتبليغ عدد من الكوادر الحزبية، وكان من بينهم الرفيق الراحل ناصر الفرج رئيس الاتحاد العام لعمال الكويت، الذي كانت قد وصلته في ذلك العام دعوة من وزير الشؤون الاجتماعية والعمل لحضور اجتماع صبيحة اليوم التالي الأحد 29 أغسطس/ آب، وكان التقدير أنّ دعوة الاجتماع بالوزير ستكون لتبليغ الهيئات الشعبية من اتحادات ونقابات عمالية وجمعيات مهنية وجمعيات النفع العام بقرارات تتصل بالانقلاب السلطوي على الدستور، وهذا ما حدث بالفعل، حيث اجتمع الوزير الشيخ سالم صباح السالم، وكان ابن الأمير حينذاك، بممثلي الهيئات الشعبية وأبلغهم بالأمر فردّ الرفيق ناصر الفرج عليه: أعلن باسم الطبقة العاملة والحركة النقابية العمالية في الكويت رفض الانقلاب على الدستور.

وبعد انتهاء ذلك الاجتماع مع الوزير، الذي تزامن مع الإعلان عن الأوامر الأميرية والمراسيم بقوانين، بادرت الرفيق ناصر الفرج رئيس الاتحاد العام لعمال الكويت بناء على تعليمات من الحزب إلى دعوة الهيئات الشعبية لاجتماع لإعلان موقف مناهض للانقلاب على الدستور، واستمرت مداولات هذه الهيئات فترة من الوقت قبل أن تتفق على إعلان موقف موحد.

فيما تمثّلت ردود الفعل الأولى المباشرة المضادة لذلك الانقلاب في مقالات افتتاحية لبعض الصحف والمجلات، التي سرعان ما جابهتها السلطة بسلاح التعطيل الإداري لمدد متفاوتة، وكان أبرزها “الوطن” اليومية، ومجلات “الطليعة”، و”الرسالة” و”الهدف”و”الرائد”، التي تصدرها جمعية المعلمين، و”الاتحاد”، التي يصدرها الاتحاد الوطني لطلبة الكويت.

وبعد أيام قلائل من الانقلاب السلطوي على الدستور، وتحديداً في الثالث من سبتمبر/ أيلول أصدرت اللجنة القيادية لحزب اتحاد الشعب توجيهاً سياسياً للرفاق والأصدقاء جاء فيه: “لا شك أنكم لم تفاجأوا بالهجمة الرجعية التي استهدفت التضييق على الحريات العام وتعطيل الدستور ومجلس الأمة، فلقد سبق للجنة القيادية أن حذرت من مخططات الاتجاه الأكثر رجعية وتشدداً داخل السلطة شبه العشائرية وبين صفوف البرجوازية الكبيرة الذي كان يسعى من أجل إلغاء المكاسب الدستورية والبرلمانية والحريات العامة المحدودة لشعبنا، بعد أن وجد أن حالة الانفراج النسبية التي كانت سائدة لا تمكنه من إحكام قبضته على تطور الوضع السياسية في هذا ما قد يهدد مصالحه على المدى البعيد.

وقد انتهز الاتجاه المتشدد الظروف التي تمر بها المنطقة العربية من هجمة إمبريالية صهيونية رجعية، وصعوبات تعاني منها حركة التحرر الوطني العربية  والتشتت في صفوفها، ليوجه مثل هذه الهجمة، كما وقد استند هذا الاتجاه للضغوطات الإمبريالية والرجعية التي مارستها السعودية من أجل تصفية المكاسب الدستورية والبرلمانية للشعب الكويتي التي كان يمكن أن تتكرر في بلدان أخرى في المنطقة، ومن أجل إلغاء صفة الاستقلالية النسبية التي كانت تتميز بها السياسة الخارجية للكويت، حيث استدعى النشاط الإمبريالي الرجعي المحموم من أجل إقامة حلف الخليج إحداث مثل هذه التغييرات في الكويت”.

ويضيف التوجيه السياسي الصادر عن اللجنة القيادية لحزب اتحاد الشعب في الكويت: “لقد بدا أمامكم واضحاً مدى ضعف ردود الفعل المعارضة للنهج غير الديمقراطي والهجمة الرجعية، كما وتبدى أمامكم مدى اتساع حملة التضليل التي قامت بها أجهزة السلطة، ونحن نود هنا أن نؤكد على ما سبق أن قلناه مراراً من أن هذا يعكس مدى ضعف القوى الوطنية في البلاد في الوقت الراهن، وكيف أن الجماعات السياسية الوطنية التي كانت تعمل بشكل شبه علني قد حصرت نشاطها ضمن أروقة البرلمان وفي حدود الدعاية الانتخابية، ولم تول أي اهتمام للنشاط بين صفوف الجماهير وتنظيمها.

ولهذا فإننا لم ولا نتوقع حدوث ردود فعل واسعة وسريعة لمواجهة الهجمة الأخيرة، ولكننا نستطيع أن نتلمس معارضة أقسام من الشعب لهذه الهجمة وتتركز بالأساس حول تقييد الحريات العامة وبالدرجة الأولى حرية الصحافة، ولكننا نجد أن هذه المعارضة أضيق بالنسبة لقرار حل مجلس الأمة، ومع ملاحظة أن معارضة كل فئة للإجراءات الأخيرة تتحدد على أساس نظرتها لمصالحها، إلا أنه يمكننا أن نستنتج أن المسألة الأساسية التي يجب التركيز عليها هي مسألة الإجراءات المقيدة للحريات، وإن الشعار الرئيسي الذي يتصدر مهام النضال الوطني الديمقراطي في هذه الفترة بالذات هو شعار (إطلاق الحريات العامة وإلغاء الإجراءات المقيدة لها) وذلك مع المطالبة بعودة الدستور والحياة النيابية.

ولهذا فإننا نشدد على أن ما تعوزه القوى الوطنية هو وجود طليعة منظمة وواعية للطبقة العاملة والشعب تتبصر بنظرية علمية صحيحة، والعمل أيضاً على رص صفوف القوى الوطنية”.

وبالفعل نلاحظ أنّ أعضاء مجلس الأمة المنحل، لم يبدوا رد فعل فورياً على قرار الحلّ والاتهامات الحكومية الموجهة ضدهم، كما أنهم لم يعلنوا رفضهم للإجراءات غير الدستورية.

كما استمرت لقاءات واجتماعات الهيئات الشعبية التي تمت بناء على دعوة الاتحاد العام لعمال الكويت أكثر من أسبوعين قبل أن تصدر سبع فقط من تلك الهيئات بياناً طالبت فيه “بعودة الشرعية والحكم الدستوري، واسترداد المكاسب الديمقراطية بأسرع وقت”، وكانت تلك الهيئات هي: الاتحاد العام لعمال الكويت، ورابطة الأدباء، وجمعية المحامين، وجمعية الصحفيين، ونادي الاستقلال، وجمعية المعلمين، والاتحاد الوطني لطلبة الكويت، وكانت قيادة الاتحاد وقتها تتكون من العناصر التقدمية. 

 

اعتقال رفاقنا النقابيين:

قام عدد من الرفاق أعضاء الحزب وأصدقاؤه، بينهم قياديو الاتحاد العام لعمال الكويتوالنقابات العمالية، بتوزيع نسخ عديدة من البيان في بعض مناطق الكويت وعلى المصلين في المساجد خلال شهر رمضان، حيث لم تنشره الصحف، التي استمرت في الصدور… فردّت الحكومة باعتقال بعضموزعي البيان وعدد من أعضاء المجلس التنفيذي للاتحاد، وهم الرفيق جلال السهلي، والنقابي علي الكندري، والرفيق ناصر ثلاب الهاجري، والرفيق ناصر الفرج، والرفيق نهار عامر المحفوظ، والنقابي حسين اليوحة، والنقابي رجا العتيبي.

وبعد عشرة أيام من الاعتقال والتحقيق في المباحث تمت إحالة القضية إلى النيابة العامة ونُقِل المتهمون إلى السجن المركزي قبل أن يتم الإفراج عنهم، فيما شمل التحقيق بعد ذلك قيادات الهيئات الشعبية الأخرى الموقّعة على البيان… وفي وقت لاحق قامت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بحلّ مجالس الإدارات المنتخبة للجمعيات الموقّعة على البيان المعارض للإجراءات غير الدستورية، وفرضت مجالس إدارات معينة عليها، فيما لم تتمكن من حلّ الاتحاد العام لعمال الكويت لأسباب تتصل بأحكام قانون العمل، التي تشترط صدور حكم قضائي بالحلّ.

وهكذا فقد كانت سنة 1976 سنة انطلاق مسيرة الحزب، وفي الوقت ذاته كانت تلك السنة سنة التحديات الصعبة التي واجهت الحزب جراء الانقلاب السلطوي الأول على الدستور، الذي استمر أكثر من أربع سنوات.

 

***

وإلى حلقة أخرى من هذه المساهمة في كتابة تاريخ حزب اتحاد الشعب في الكويت.

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: