ليس للمبادئ قطع غيار

by tayar-taqadomi on 29/12/2013

imagesكان والدي رحمه الله يقول لي: «الدنيا يبيلها شوارب مو عضلات»، وفهمت لاحقاً أنه كان يقصد الموقف الرجولي الذي لا يتجزأ والشعور بالمسؤولية، فأنت تعيش وتُعرف وتموت على موقفك الرجولي.
ويقال إنه ليس للرجولة قطع غيار، فإن عطبت فإنها تعطب بالكامل لذا لا يوجد قطع غيار للرجولة، وكذلك المبادئ ليس لها قطع غيار، فالانزلاق يعني السقوط إلى الهاوية مرة وإلى الأبد ولا يكون السقوط بالتدريج.
فإما أن تعيش وتموت متمسكاً بمبادئك قابضاً على جمر الحق، مثلما فعل الفنان العراقي المناضل فؤاد سالم، الذي رحل قبل أيام، والذي لم يرضخ ولم يستسلم للتهديد أو الترغيب من نظام الديكتاتور صدام، وأما أن تكون قبضتك على مبادئك رخوة وشكلية ونفعية.
أنا لم أستغرب كما فعل غيري من القصيدة الضعيفة بمعانيها وفنها ومفرداتها التي كتبها الشاعر الكبير سعدي يوسف، كان هدفها السخرية من المعتقدات، فإن يكون الإنسان ملحداً أو منتمياً لدين أو مذهب أياً كان فهذا شأنه، ولكن أن يضع الفنان الذي كان يعتبر نفسه مناضلاً ضد الطغاة ومناصراً للإنسان المسحوق نفسه ضد المعتقدات الأخرى أو الموروثات أو الثقافات المختلفة، فهذا ليس سلوك ولا تفكير مناضل من أجل العدالة الاجتماعية والسلام والإخاء بين البشر بغض النظر عن انتماءاتهم.
عندما كنت شاباً احترمت وأعجبت بسعدي يوسف الشاعر العراقي، وقرأت أشعاره الجميلة ذات المعاني اللافتة وبأسلوب مختلف، التي تناصر الإنسان المضطهد وتقف مع الكادحين والفقراء والمهمشين من الشعب العراقي، ومازلت أحفظ بضعة أبيات مدهشة من شعره.
لم تسقطه هذه القصيدة البدائية في نظمها ومعانيها وهدفها، بل بدأ السقوط مبكراً عندما نشر كتابه «إيروتيكا» مجاراة لموضة الإباحية التي تعكس قلة الموهبة في ذلك الوقت، بل كانت إشارات السقوط قبل ذلك الوقت، ولذلك لم أستغرب وقوفه ضد ثورة الشعب السوري، ومع النظام الديكتاتوري ولم تهتز قريحته الشعرية لمذابح الأطفال.
أنا لا ألوم الشاعر الكبير أدونيس على موقفه ضد الثورات العربية وخصوصاً السورية، فهو لم يحمل فكراً تقدمياً مناصراً للإنسان يوماً، كان كل همه الإدهاش والشكلانية في الفن البعيدة كل البعد عن هموم البشر، كان ولايزال همه الأول جائزة نوبل، أن يصل للعالمية دون أن يكون لشعره هذه المقومات.
لا قيمة للأديب أو الفنان إن لم يكن عضواً ينطلق من الواقع ومن هموم مجتمعه، لا قيمة لهما إن كانا لا يستمعان إلا لنفسيهما، ولا يعنيهما الآخر، من أين يأتي الدفق الشعري إذاً؟ وما قيمة الأحرف غير المفهومة التي ترمي لحيرة المتلقي وعدم فهمه؟ هل يأتي من تهويمات يجب أن نعتبرها عبقرية من جمل ولغة عصية على الفهم بحجة تخلّف القارئ.
إن تعمد لفت النظر في الأدب والفن دون استناد حقيقي لوعي المبدع وموقفه الفلسفي الحياتي أياً كان، هو استهانة لا تدل إلا على عجز أو ترفع عن رائحة الفقر وجثث ضحايا المستبدين.
هل معركة المبدع هي مع المعتقد؟ أم مع الظلم والاستعباد والاستغلال؟ المبدع الحقيقي الذي يحمل فكراً إنسانياً يحترم كل المعتقدات ويحارب ضد استغلالها في السياسة، لكنه يجب أن يعطي كل الحق إلى إيمان الإنسان بدينه أو مذهبه أو عاداته وتقاليده، هل يخرج من رحاب المحبة والسلام والعدالة إلى نفق التعصب سواء ضد الإنسان البسيط أم ضد معتقداته؟
إن مقولة الأديب الكبير والشاعر العظيم والشهرة المنتزعة عن طريق التسويق الرخيص للذات والالتصاق بالأسماء الرنانة لا تصنع مبدعاً متميزاً، لا يمكن للأديب أن يكون عظيماً ما دام يعتقد أنه عظيم وأفضل من الآخرين.
أعرف ما سيقال مسبقاً عن رأيي هذا، وسأموت دون هذا الرأي ولن أحيد عنه، ولن تعنيني أسماء تعددت طبعات كتبها وتضخمت ذواتها، كانت كبيرة أم شابة غضة، لن تعنيني جوائز تتناثر هنا وهناك بسخاء ودون مسوغ، فالإبداع يحتاج إلى مبادئ وقيم أو إلى شوارب على حد تعبير والدي، وستظل ابتسامتي الساخرة في داخلي وسأظل قابضاً على ما أنا فيه، ولن أتخلى عن الإنسان حتى آخر يوم من عمري.

———————————————————–

منقول عن جريدة الراي تاريخ 28/12/2013 العدد:12598

 

Print Friendly
Share

Previous post:

Next post: