ترويج الثقافة النيوليبرالية.

by tayar-taqadomi on 17/02/2014

imagesما زال ليبراليونا العرب منبهرين بالثقافة الليبرالية والنيوليبرالية الغربية، فبالنسبة لهم هي الثقافة الوحيدة التي توصلت اليها البشرية التي تقف ضد الارهاب ومع الحريات الفكرية وتواجه التمييز ضد المرأة، ومع النظام الديموقراطي وحقوق الانسان، حتى يكادوا أن يؤمنوا بأنها نهاية التاريخ، وان الصراع الأساسي بين البشر هو صراع حضارات وثقافات.

ومن نافل القول ان مقولة «الرأسمالية وفكرها الليبرالي هي نهاية التاريخ» قد سقطت بدوي هائل، وان نظرية «صراع أو صدام الحضارات» قد تم فضح بعدها الاستعلائي من خلال محاولة اثبات تفوق الغرب على الشرق والشمال على الجنوب، والتي تلقفها المثقفون الليبراليون العرب على أنها مسلمات.

فعندما أطلق صاموئيل هانتغتون نظريته حول صراع الحضارات عام 1993، كان يريد أن يقول: ان سقوط التجربة السوفياتية وانتهاء الحرب الباردة يثبت بما لا يدع مجالا للشك التفوق والهيمنة الغربية على العالم، وأن تحول النزاع سيكون ما بين الشعوب التي تنتمي الى حضارات مختلفة والتي ستكون تابعة للغرب بصفته صانعاً ومحركاً للتاريخ، وهو بتعمد ووضوح لا يضع اسرائيل ضمن الشرق المتخلف والتابع بل يصنفها ضمن الأيديولوجية الغربية المتقدمة.

وحتى في معرض حديثه عن الحضارات الثانوية الاسلامية أعطى الغطاء النظري للنيوليبرالية لاشعال الصراع بين السنة والشيعة أو بين الأديان، في محاولة لصرف النظر عن الصراع العربي الاسرائيلي وانهاك الدول العربية وتفتيتها لصالح التفوق الاسرائيلي في المعادلة الاقليمية.

كما أن المثقفين الليبراليين العرب المبهورين بالتفوق الأميركي الغربي، وجدوا في نظرية فوكوياما «نهاية التاريخ» ضالتهم النظرية، رغم أن فوكاياما نفسه تراجع عن نظريته اضافة الى أن الحياة لم تزكها خاصة بعد الأزمة الاقتصادية الرأسمالية البنيوية منذ 2008، فأصبح هؤلاء المثقفون في حالة انفصام عن الواقع، بينما حصرت الجماعات التقليدية والاسلامية الصراع «بين الحضارة الاسلامية والغربية»، وهذا لا ينطبق على الجميع بل أن هناك أطرافاً وتنظيمات اسلامية تتبنى السياسة الاقتصادية النيوليبرالية، ولعل التصويت على قانون الخصخصة في مجلس الأمة في العام 2010 ما يؤكد ذلك، الذي أثبت أن المجتمع الكويتي بطوائفه ومكوناته كافة ينقسم طبقياً وليس طولياً، رغم كل المحاولات لاثبات وترويج عكس ذلك.

لقد خلقت الرأسمالية المعولمة ثقافة الاستهلاك استناداً الى الأسواق المفتوحة، وترويج وهم المساواة من خلال فرض نمط ثقافي معولم على الشعوب، مخفية الصراع الاقتصادي والأيديولوجي أو الطبقي، بين الدول الرأسمالية المتقدمة وبين الشعوب التي تشكل سوقاً ومصدراً للثروات التي تتركز بيد حفنة من الدول والشركات والأفراد على المستويين المحلي والعالمي.

ان نظريتي صراع الحضارات ونهاية التاريخ والأيديولوجيات تهدفان للترويج للهيمنة الرأسمالية والنيوليبرالية، وطمس التناقضات الاقتصادية والطبقية حتى داخل الغرب نفسه، وهاتان النظريتان أدخلت المثقف الليبرالي في وهم الصراع الثقافي الافتراضي مع الديني وتخليه عن قضايا أساسية مثل الفقر وتوزيع الدخل والبطالة وتدني التعليم والتخطيط والتنمية وتدهور الانتاج الزراعي والصناعي والخدمات وتنويع مصادر الدخل.

واستنسخت النخب الثقافية الليبرالية العربية الأفكار الغربية حول ديموقراطية اسرائيل وحتمية تفوق النموذج الغربي، وأن مشكلة المجتمعات العربية هي ثقافية بالأساس، واستبعدوا الصراع من أجل المصالح الاقتصادية والهيمنة السياسية والثقافية.

وليد الرجيب

[email protected]

_________________________________________

منقول عن جريدة الراي تاريخ 17/02/2014 العدد:12649

Print Friendly
Share

Previous post:

Next post: