النيوليبرالية الإقتصادية /البيئة المولدة للأزمة

by tayar-taqadomi on 27/11/2013

stop-neoliberalism-2

بقلم: محمد دياب

في خريف عام 2008 اندلعت الأزمة المالية العالمية، التي شكلت حلقة جديدة، في سلسلة من أزمات أصابت النظام الرأسمالي العالمي في العقود الأخيرة. غير أن الأزمة الراهنة تختلف عن سابقاتها، سواء من حيث العمق أم من حيث الاتساع، بحيث شملت هذه المرة الاقتصاد العالمي كله. ولعلها أعنف أزمة تعصف بالرأسمالية كنظام اقتصادي عالمي منذ نحو ثمانين عاماً. ومع إقرارنا بأن ليس كل أزمة يمكن أن تكون بالضرورة قاتلة، غير أن مما لا شك فيه أن ما حصل لم يكن مجرد أزمة عابرة، سوف تزول آثارها بعد فترة وجيزة، بفضل مجموعة من الخطوات والإجراءات ذات الطابع المالي، وربما القانوني. بل يمكننا الجزم أن هذه الأزمة هي الأشد خطورة منذ أزمة “الكساد العظيم”، التي ضربت الإقتصاد العالمي في مطلع ثلاثينات القرن الماضي، وذلك إذا ما أخذنا في الحسبان الشوط الكبير الذي قطعته عولمة الاقتصاد العالمي، ومدى تشابك اقتصادات بلدان العالم وتكاملها، وكذلك التطور الهائل في وسائل الاتصالات المقترن بثورة المعلوماتية، الأمر الذي سهل ووسع مجالات انسياب رؤوس الأموال عبر العالم على نحو لم يسبق له مثيل، مما ساهم في نشوء النظام المالي العالمي الراهن وتطوره.
لقد كانت تلك الأزمة بمثابة إعلان فشل النموذج النيوليبرالي للرأسمالية، نموذج الليبرالية المفرطة التي أطلقت العنان لحرية الأسواق ومركزت الاقتصاد العالمي حول الأسواق المالية المتفلتة من أي ضوابط.

نشوء المدرسة النيوليبرالية
ونحن، إذ نتحدث عن “إعلان فشل النموذج النيوليبرالي”، لا بد وأن نتوقف ولو بشكل سريع، عند المدرسة النيوليبرالية، أي تلك المدرسة الاقتصادية التي ترفع لواء حرية السوق المطلقة، السوق المحررة من القيود. ففي البداية كانت النيوليبرالية وليدة تجارب كانت تثير الشكوك بجدوى رأسمالية “دعه يعمل، دعه يمر”، أي تلك الرأسمالية التي ترفض تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية، بما يتجاوز حدود حفظ الأمن وصيانة حقوق الملكية الخاصة.
كانت بدايات ظهور المدرسة النيوليبرالية في عام 1938، عندما اجتمع في باريس عدد من كبار المفكرين الاقتصاديين، هم فريدريك هايك (
F. Hayek) ولودفيغ ميسيس (L.Mises) وألكسندر روستوف (A. Rustow) وفلهلم روبكه (W. Ropke). كان المجتمعون يثقون ثقة تامة بأن لدى السوق القوى الضرورية لأن تشفي نفسها بنفسها، والقدرة الكافية على المواءمة بين العرض والطلب على ما فيه خير الجميع . غير أن الأزمة الخطيرة التي شهدها الاقتصاد الرأسمالي في مطلع الثلاثينات، جعلت المجتمعين يدركون ضرورة تطوير النظرية الليبرالية، نظرية “دعه يعمل، دعه يمر”؛ فالسوق عاجزة بمفردها عن تحقيق الأهداف المرجوة، وهي بحاجة إلى ضوابط وقواعد واضحة، يمكن لقوى المنافسة الخلاقة أن تعمل في إطارها.
كان الاقتصادي الألماني روستوف هو أول من استخدم مصطلح “نيوليبرالي”. وهو دعا إلى انتهاج سبيل ثالث، يقع بين سياسة حرية السوق المطلقة وسياسة التدخل الحكومي . فكتب يقول: “إن الليبرالية الجديدة، التي ندعو إليها اليوم، أنا وزملائي، تطالب بضرورة وجود دولة قوية، دولة فوق الاقتصاد وفوق المصالح الفردية، دولة تتبوأ المكان الذي يليق بها أن تتبوأه”(1).
وقد تشكلت أفكار النيوليبرالية كمنظومة فكرية في مدرسة اقتصادية مستقلة بعد عام 1945، تحت تأثير الحرب الباردة، التي تجلت على المستوى الأيديولوجي كصراع أو مجابهة بين اقتصادات السوق الغربية من جهة، واقتصاد التخطيط المركزي الموجه الذي كان سائداً في الاتحاد السوفياتي السابق وعدد من الدول الأخرى التي كانت تدور في فلكه. فبعد الحرب العالمية الثانية، عاد الاقتصادي النمساوي فريدريك هايك لجمع شمل الاقتصاديين الذين فرقت الحرب في ما بينهم. فدعا إلى اجتماع عقد في مونت بيليرين في سويسرا، لمتابعة النقاش حول السبل الرامية إلى تطوير الاقتصاد الرأسمالي ومواجهة أزماته. كانت حصيلة الاجتماعات المتتالية في ذاك المنتجع السويسري، أن نشأت في عام 1947 “جمعية مونت بيليرين”، التي صارت واحدة من أهم المنتديات الاقتصادية، والتي اعتبرها البعض بمثابة “المحفل” الخاص بالمفكرين النيوليبراليين، على شاكلة المحفل الماسوني.
غير أن المفكرين النيوليبراليين انقسموا لاحقاً إلى ثلاثة تيارات (مدارس) مختلفة، وذلك على أساس نظرتهم إلى دور الدولة في الاقتصاد، وإلى قدرة السوق وآلياتها على تحقيق الأهداف المنشودة، وهي :
المدرسة الأولى، مدرسة فرايبورغ (نسبة إلى مدينة فرايبورغ الألمانية)، وأبرز ممثليها الاقتصادي الألماني فالتر أويكن (
W.Eucken)، الذي كان استاذاً للاقتصاد في جامعة فرايبورغ. وترى هذه المدرسة بأن على الدولة أن تمنع الاحتكار، وألا تسمح بتأسيس كارتيلات تحد من المنافسة. وتدعو أيضاً إلى اتباع سياسة اجتماعية تتلاءم مع متطلبات السوق. ويرى أويكن بأن سياسة توزيع الدخول والثروات، هي أحد العناصر المهمة في السياسة الاقتصادية. كما أنه يدعو إلى عدم إهمال موضوع العدالة الاجتماعية. أما روبكه وروستوف، اللذان افترقا في مواقفهما عن “جمعية مونت بيليرين” وانسحبا من عضويتها، فدعيا إلى أن تعمل الدولة على خلق البيئة الملائمة لأقصى درجة كاملة من الممارسة. وعموماً، وضعت هذه المدرسة الأسس العامة لما سمي اقتصاد السوق المتكلف بالرعاية الاجتماعية.
المدرسة الثانية، هي المدرسة النمساوية، التي أسسها كل من هايك و ميسيس. نادت هذه المدرسة بترك كل شيء للسوق وحدها، على اعتبار أن كل تدخل حكومي ينطوي على نتائج مضرة حتماً. فالحرية بالنسبة إلى هايك هي الشرط الضروري لتحقيق الرفاهية. ويمكن اختصار جوهر هذه النظرية بأنه “ينبغي المحافظة على حقوق الملكية الخاصة، كما ينبغي ضمان حرية الدخول إلى السوق في كل الأحوال. وهذا يعني عملياً أن الليبرالية الاقتصادية هي أفضل سياسة اقتصادية”(2).
أما المدرسة الثالثة، مدرسة شيكاغو، فقد تبنت، بداية، موقفاً مشابهاً لموقف مدرسة فرايبورغ؛ فمؤسسها فرانك نايت (
F.Knight) عارض الرأسمالية بصيغتها المتطرفة. غير أن من تلاه من دعاة هذه المدرسة، وفي مقدمتهم ميلتون فريدمان وصحبه ممن صاروا يسمون “فتيان شيكاغو”، رفضوا كلياً تدخل الدولة، ودعوا إلى اقتصاد السوق المحرر من كل القيود. وعملياً، زالت الفروق بين هاتين المدرستين، وأصبح كل من هايك وفريدمان الرمزين الأبرز للعقيدة النيوليبرالية، بصيغتها الأكثر تطرفاً.

الكينزية – المدرسة النقيض
ولكن، حتى سبعينيات القرن المنصرم، لم تكن أفكار النيوليبرالية هي التي ترسم السياسات الاقتصادية المتبعة في الدول الغربية . ففي الواقع كان هنري فورد نفسه وواضعو “خطة مارشال”، واستراتيجيو البناء الاقتصادي في اليابان، والاشتراكيون الديمقراطيون في أوروبا، كل هؤلاء كانوا يسترشدون بالنهج الذي كان يقوم على فهم أهمية ودور الإنتاج الصناعي الواسع والجماهيري، في الخلق التدريجي لثروة المجتمع، وعلى أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به الدولة في العملية الاقتصادية. إن هذا الإدراك لأهمية الإنتاج المادي الواسع القائم على التطوير التقني والابتكارات، كان في أساس الصعود الفذ للغرب، والنهضة الهائلة التي حققها خلال القرنين الأخيرين.
هزت أزمة “الكساد العظيم” أسس الاقتصاد الرأسمالي العالمي، ودفعت المنظرين إلى البحث عن السبل الآيلة إلى إخراج النظام من أزمته الخطيرة. فجاءت النظرية الكينزية كمحاولة لتعديل النمط الاقتصادي الرأسمالي على أساس ضرورة تدخل الدولة بفاعلية لترشيد العملية الاقتصادية . فخلافاً لفريدمان و هايك، كان عالم الاقتصاد البريطاني جون ماينارد كينز (
John Maynard Keynes) يؤمن بأهمية الدولة القوية القادرة على توجيه الاقتصاد الوطني في الاتجاه الصحيح. وكان يقول بضرورة تدخل الدولة لوضع حد للكساد ولإنعاش النشاط الاقتصادي. وكان كينز يرى بأن الكارثة الاقتصادية الناجمة عن أزمة “الكساد العظيم” وما رافقها من بطالة فظيعة، لا يمكن أن تفسر وتعالج من خلال النظرية الكلاسيكية الليبرالية. فهذه النظرية تقول بأن الأسواق لا بد وأن تحقق التوازن على المدى الطويل، وهذا الأمر يشمل أيضاً سوق العمل. فتزعم النظريات الليبرالية بأن الاقتصاد يحقق مستوى التشغيل الكامل لليد العاملة على نحو عفوي على المدى الطويل(3)، وطالما كانت الأجور مرنة وقابلة للانخفاض بالقدر المناسب (نظرية آدم سميث عن اليد الخفية للسوق)، يناقض كينز هذه الفرضية مؤكداً أنه من الممكن تحقيق التوازن في ظل البطالة. فأصحاب الأعمال يسعون للاحتفاظ بما لديهم من سيولة نقدية، فيحجمون عن زيادة عدد العاملين لديهم في حال عدم تأكدهم من قدرتهم على تصريف ما ينتجونه من بضائع. المهم بالنسبة إليهم، حسب رأي كينز، ليس معدل الأجر الذي يتعين عليهم دفعه للعاملين، بل الطلب السلعي الذي يتوقعونه. فحسب النظرية الكينزية: إنّ الطلب السلعي هو العامل الحاسم، حيث أن الاقتصاد يصل إلى حالة التشغيل الكامل فقط في حالة ارتفاع الطلب السلعي إلى المستوى المناسب. أما إذا تردد المستثمرون في توظيف أموالهم خوفاً من تردي الأوضاع الاقتصادية، فلا بد عندئذ من تدخل الدولة عبر زيادة الإنفاق العام.
على أساس هذه الفرضيات طرح كينز وطوّر نظريته النقيض للنظرية النيوليبرالية. تقوم نظريته على مسلّمة تقول بضرورة وجود الدولة القوية. وعلى هذه الدولة أن تزيد الإنفاق العام في فترات الكساد، وأن تقلص هذا الإنفاق في فترات الازدهار. وهذا يعني أن “يد الدولة” يجب أن تتعاون مع “اليد الخفية” التي تنظم آلية عمل الأسواق، لا بل وأن تحل مكانها عند الضرورة. ولا يرى كينز مانعاً من أن تمول الدولة إنفاقها عند الحاجة، وبصورة استثنائية، بواسطة القروض.
طبقت نظرية كينز حول ضرورة تدخل الدولة في توجيه الأسواق والنشاطات الاقتصادية بنجاح في عدد من الدول الرأسمالية الكبرى. ففي الولايات المتحدة طبقها الرئيس فرانكلين روزفلت في سياق سياسته الاقتصادية الجديدة التي سعى من خلالها إلى تمكين الاقتصاد الأميركي من مواجهة تداعيات الكساد العظيم، تلك السياسة التي عرفت باسم “الاتفاق الجديد” (
New Deal). وقد شملت هذه السياسة خططاً لزيادة الإنفاق العام في البنى التحتية من شق طرقات وبناء جسور وسدود، وإنشاء شركات للتأمين ضد البطالة، وخفض معدلات الضريبة على ذوي الدخل المحدود وزيادتها على الأثرياء، وزيادة المعاشات التقاعدية للعاملين في القطاع العام ،ألخ . كما طبقت هذه الأفكار الكينزية في ألمانيا في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، في عهد الحكومة الائتلافية التي شارك فيها الحزبان الكبيران في البلاد: الحزب المسيحي الاجتماعي والحزب الاشتراكي الديمقراطي. وكان دور الدولة الوازن في النشاط الاقتصادي في اليابان وتايوان وغيرها من بلدان جنوب شرق آسيا، أحد الأسباب التي أدت إلى “المعجزة الاقتصادية” التي شهدتها تلك البلدان في الفترة ما بين ستينيات وتسعينيات القرن العشرين. فقد رفضت حكومات تلك البلدان آنذاك الأفكار والتوصيات النيوليبرالية للمستشارين الأميركيين، وتدخلت الدولة بنشاط في العملية الاقتصادية، واتبعت في مجال التجارة الخارجية سياسة مارست من خلالها حماية شاملة لقطاعاتها الصناعية المعدة للتصدير. والأمر نفسه ينطبق على بلدان ما يسمى “الموجة الثانية” من الدول الصناعية الجديدة في آسيا، وكذلك الصين وفيتنام(4). فالنظام التجاري الكوري الجنوبي، مثلاً، اتبع ما يسمى “سياسة التجارة الحرة الواقعية”، التي تجمع بين الحماية الشديدة ضد الواردات والدعم القوي للصادرات، والتي هي في الواقع سياسة حمائية فعلية. وتنتهج الصين اليوم سياسة مشابهة، تتضمن فرض ضوابط على الواردات وقيود على الأسعار وعلى حركة رأس المال. ظلت أفكار كينز بخصوص قيام الدولة بدور نشط في الحياة الاقتصادية، تشكل الأساس النظري للسياسات الاقتصادية التي اتبعتها بلدان كثيرة خلال العقدين اللذين أعقبا الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى مطلع السبعينات من القرن العشرين. ولكن في الواقع، أساءت الحكومات استخدام أفكار كينز الصحيحة بشأن أهمية تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي. ففي مراحل الركود عملت الحكومات على زيادة إنفاقها على البنى التحتية لإنعاش الإقتصاد ومده بمقومات الحياة والنمو، غير أنها تلكأت في فترات الازدهار في ادخار ما يلزم تحسباً لما يمكن أن تواجهه في حقبات الركود. ونتيجة للفهم الزائف للأفكار الكينزية، ألقت الحكومات على كاهل دولة الرعاية الاجتماعية أعباء تفوق طاقتها على التحمل، فشلّت عملية النمو الاقتصادي وارتفعت الأسعار إلى مستويات عالية جداً وتفاقم التضخم. كل ذلك أدى إلى بدء عملية ارتداد على السياسات الكينزية، وإلى إقصاء الدولة عن دورها النشط في الاقتصاد، بحجة إفراطها في الإنفاق العام وفي الخدمات العامة التي تقدمها للفئات الفقيرة والمتوسطة، وانتشرت عمليات الخصخصة على نطاق واسع، وغدت “توصيات” صندوق النقد الدولي في هذا الخصوص ما يشبه “الوصفات” الإلزامية التي تفرض على العديد من حكومات العالم. وعلى الصعيد الدولي تجلت السياسة النيوليبرالية في الدعوة إلى تحرير التجارة الدولية وإزالة الحواجز الجمركية والعوائق الإدارية الأخرى من أمام التدفقات السلعية والمالية، وأنشئت منظمة التجارية العالمية لتكون بمثابة “الناظر” الصارم المشرف على التزام الدول بمبادئ التجارة الحرة. وبدأ “العصر الذهبي” للنظرية النيوليبرالية.

النظرية النيوليبرالية في الممارسة
بدأ تطبيق أفكار فريدمان و هايك منذ منتصف السبعينات في العديد من البلدان. منذ تلك الفترة بدأ السياسيون يتبنون على نطاق واسع أفكار المدرسة النيوليبرالية، ويعملون على رفع يد الدولة عن أي تدخل في الحياة الاقتصادية . ورفع شعار: إن الدولة رب عمل سيئ، وكلما كان تدخلها في الحياة الاقتصادية أضعف، كلما نما الاقتصاد على نحو أسرع وبفاعلية أكبر . في بريطانيا أخضعت مارغريت تاتشر الاقتصاد البريطاني لسياسة “العلاج بالصدمة”، فباعت العشرات من المؤسسات التابعة للدولة وخصخصت ملايين الشقق السكنية وامتنعت عن تقديم الدعم المالي للمشاريع، وشنت حرباً شرسة على عمال المناجم وعملت على “كسر ظهر النقابات العمالية”. ومن جهة أخرى، خفضت معدلات الضريبة على الأثرياء وأصحاب المداخيل العالية وضاعفت معدل الضريبة على المبيعات، رغم أن هذا الإجراء يصيب المستهلكين من أصحاب الدخل المحدود بالدرجة الأولى . وسعياً منها للحد من ارتفاع الأسعار، فرضت على البنك المركزي البريطاني رفع معدلات الفائدة إلى 17 %. وقد دخلت هذه السياسة الاقتصادية المتشددة التاريخ باسم “التاتشرية”. ولاحقاً كان طوني بلير بمثابة الابن النجيب لهذه السياسة، رغم أن ثمارها كانت مرة في العديد من المجالات. فبعد تحقيق انخفاض موقت في معدلات التضخم في أواسط الثمانينات، عادت الأسعار إلى الارتفاع بوتائر سريعة مع زيادة كبيرة في معدلات البطالة. وتدهورت صناعات أساسية، فأغلقت مناجم عديدة ومصانع للميتالورجيا، وأصيبت صناعة السفن بنكسة خطيرة، وهدد الإفلاس مصانع للسيارت وللصناعات المعدنية.
وفي الولايات المتحدة أطلق الرئيس رونالد ريغان في الفترة نفسها تقريباً “ثورة إصلاحية” نيوليبرالية، تمثلت بحزمة إصلاحات أطلق عليها اسم “الانطلاقة الأميركية الجديدة – برنامج عودة الازدهار إلى الاقتصاد”. وقد عرفت هذا السياسة باسم “الاقتصاد الريغاني”. تبنّى ريغان في سياسته هذه نصائح جناح أكثر ممثلي النظرية النيوليبرالية تطرفاً، والتي عبر عنها الاقتصادي الأميركي آرثر لافر
Arthur Lafer، الذي كان جوهر نظريته يتلخص في أن خفض المعدلات الضريبية هو العلاج الناجع لإنعاش الاقتصاد وإصلاح حال الموازنة العامة. وكان دعاة هذا الرأي يقولون أيضاً بأن المؤسسات تنتج أكثر، كلما كان تدخل الدولة في شؤون السوق أقل. وعلى هذا الأساس، وخلافاً للنظرية الكينزية، كانوا يرون بأن من الضروري أن تعير السياسة الاقتصادية الاهتمام لجانب العرض، وليس لجانب الطلب (Supply-Side-Economy). وهكذا، كان البرنامج الريغاني يقضي بخفض العبء الضريبي وخفض العجز في الموازنة وتوقف الدولة عن الاقتراض ووضع حد لارتفاع الأسعار، وكذلك تحرير الاقتصاد من كل القيود. ودعماً لهذه السياسة، ورغبة في وقف التضخم، عمد البنك المركزي إلى رفع معدلات الفائدة.
لم تؤد هذه السياسة إلى تحقيق الأهداف المرجوة. فعلى العكس من “نظرية لافر”، لم يؤد خفض المعدلات الضريبية سوى إلى انخفاض إيرادات الدولة من الضرائب، فارتفع العجز في الموازنة العامة وبصورة مطردة، وأدت معدلات الفائدة المرتفعة إلى شل النشاط الاستثماري وإلى تراجع قدرة المواطنين على الاقتراض لتلبية حاجاتهم الاستهلاكية، فتراجع الطلب الكلي وخيم الركود على الاقتصاد. وعلى العكس من الهدف الذي تضمنه “برنامج عودة الازهار” والقاضي بتوقف الدولة عن الاقتراض، أدت سياسة الإنفاق المسرف، خصوصاً في مجال التسلح، إلى ارتفاع المديونية العامة، في ظل الامتناع عن اتخاذ أي تدابير لزيادة الإيرادات العامة. وتحولت الولايات المتحدة إلى مقترض لرؤوس الأموال من كل العالم، وذلك في إطار سياسة ما يسمى “التمويل بالعجز” .
ظلت السياسة النيوليبرالية متبعة، وإن مع بعض التعديلات، في عهود الرؤساء اللاحقين، جورج بوش الأب وبيل كلينتون وجورج بوش الابن، وكذلك في بلدان أخرى، لا سيما في المانيا التي شهدت في عهد المستشار الاتحادي هلموت كول موجة خصخصة واسعة شملت مختلف القطاعات، على نحو يتناقض بصورة صارخة مع مسار التطور الاقتصادي لألمانيا منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وواصل الاشتراكي الديمقراطي غرهارد شرودر سياسة سلفه المسيحي الاجتماعي. نقول ظلت السياسة المتطرفة هي السائدة في معظم البلدان الغربية، إلى أن داهمت الأزمة المالية العالمية الأخيرة الإقتصاد الأميركي ومعه الاقتصاد العالمي برمته.

ثمار النيوليبرالية المرة
فُرض في العديد من الاقتصادات الناشئة تطبيق نظريات المدرسة النيوليبرالية، التي أخذت في البلدان المتحولة من الاشتراكية إلى الرأسمالية وفي عدد من البلدان النامية، صيغة ما سمي “العلاج بالصدمة” بأشكالها الأكثر عنفاً. وقد جسدت سياسات ممثلي “مدرسة شيكاغو” في ثمانينيات وتسعينيات القرن المنصرم بصورة صارخة، السياسات التي لا تعرف الرحمة، السياسات التي لا تقيم أي اعتبار لدور الدولة في الاقتصاد، وتدعو إلى إطلاق العنان لحرية الأسواق، بصرف النظر عن تداعيات ذلك كله على حياة المواطنين وبنية المجتمع. وبهذا المعنى، أصبحت أفكار مدرسة شيكاغو، هي المعبر عما صار يعرف اليوم باسم “النيوليبرالية”، أي الليبرالية المفرطة، التي تختلف عن تلك التي دعا إليها آباء النيوليبرالية الأوائل، روستوف و روبكه و أويكن، (والتي التقوا فيها عملياً مع المبادئ الأساسية للنظرية الكينزية)، الذين قالوا بضرورة “وجود دولة قوية، دولة فوق الاقتصاد وفوق المصالح الفردية”. وقد شكل مجيء دعاة النهج النيوليبرالي إلى السلطة في روسيا في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، والسياسة الاقتصادية التي عملوا على تطبيقها، شكل النموذج الأكثر بشاعة لما يمكن أن تؤدي إليه هذه السياسة من تداعيات تدميرية على الاقتصاد، وعلى النظام السياسي عموماً. حمل لواء هذه السياسة الجديدة مجموعة من السياسيين والاقتصاديين عرفوا باسم “الإصلاحيين الشباب”، الذين انتهجوا سياسة اقتصادية نيوليبرالية مفرطة، سياسة “علاج بالصدمة” تهدف على حد قول أحد هؤلاء الإصلاحيين اناطولي تشوبايس، إلى “بناء الرأسمالية في روسيا، إننا نريد أن ننجز في أعوام قليلة ما قطعته بلدان أخرى في خلال قرون”(5). وإذ أدرك “بناة الرأسمالية” الجدد أن الإنسان الروسي لا يتقبل كثيراً مصطلح “الرأسمالية” فإنهم تجنبوا في البداية استخدامه صراحة، مستعملين مصطلحات من نوع “اقتصاد السوق” و”الإصلاحات الراديكالية” و”السير على طريق الحضارة العالمية”، ثم استنبطوا مصطلح “الرأسمالية الشعبية”. ولكن عملية التحولات تلك، كانت في الواقع عملية تحطيم قاسية للقديم، ولكل ما هو قائم، من دون تقديم البديل الذي من شأنه إخراج البلاد من محنتها. فسياسة “العلاج بالصدمة” افتقرت في الواقع إلى “العلاج” الشافي لأمراض الاقتصاد الروسي، ولم تخلف سوى الصدمة المدمرة للاقتصاد والمجتمع. فقد كانت الخطوة الأولى التي أقدمت عليها حكومة يغور غايدار “الإصلاحية” في حينها، تلبية لنصائح المستشارين النيوليبراليين، إطلاق العنان للأسعار ابتداء من أول كانون الثاني 1992. فأدى ذلك، بالاقتران مع عوامل أخرى، إلى تضخم مفرط وإلى إفقار القسم الأكبر من السكان بعد خسارتهم وبصورة فورية لمدخراتهم وكل ما جنوه على مدى العمر.
واقترنت هذه السياسة بعملية نهب وحشية جشعة لثروات البلاد من قبل حفنة صغيرة من المسؤولين والمستثمرين الجدد ورجال “اقتصاد الظل”، جمعت ثروات فاحشة في خلال سنوات قليلة، ما دفع شخصية معروفة في عالم المال والبورصات، كالملياردير جورج سورس الذي لا يتسم سجله الشخصي كرجل أعمال بالنقاء، إلى القول: “إن ما نشهده في روسيا هو الانتقال من تجاوزات النظام السوفياتي إلى تجاوزات الرأسمالية المتفلتة. إنها أقرب إلى رأسمالية النهب … وأكثر ما يذهلني هو جشع الأوليغارشيا الروسية الجديدة. الدولة في انهيار، والكل ينهب كل ما تصل إليه يداه”(6). اقتصرت سياسات الحكومات “الإصلاحية” المتتالية على حل مشكلة الاستقرار المالي، مع إهمال كلي للقطاعات المنتجة. واستندت هذه السياسات إلى البحث عن مصادر الإقراض الداخلية والخارجية، الأمر الذي أفضى إلى ارتفاع هائل في الدين العام ومن ثم إلى عجز مزمن في الموازنة العامة. وافترضت إمكان قيام نظام مصرفي ومالي متطور على خلفية تراجع الإنتاج. فالطفرة التي شهدتها السوق المالية الروسية عشية انهيار صيف 1998، لم يرافقها نهوض صناعي مماثل، وأدى ذلك إلى اعتماد مفرط على الاستيراد لسد العجز السلعي في الأسوق المحلية، ما أدى إلى تضاعف الفاتورة الاستيرادية. في سياسة “الإصلاحات” هذه، المبنية على النظرية النقدوية النيوليبرالية، تكمن المشكلة الحقيقية التي قادت روسيا إلى الانهيار الاقتصادي في تسعينيات القرن المنصرم. ذلك أنها ترى أن المبادرة الحرة والآلية العفوية للسوق يمكن أن تؤمن المسار الطبيعي لعملية إعادة الإنتاج. أما تدخل الدولة فيجب أن يقتصر على تنظيم التداول النقدي من خلال التحكم بأسعار الفائدة وعمليات الأوراق المالية. وكانت محصلة هذه السياسة تقهقر الصناعة والزراعة وتقوض البنى التحتية وتراجع إجمالي المحلي وتقلص الاستثمارات. وكانت النتيجة إفلاس عدد كبير من المؤسسات الصناعية، أو وصولها إلى حافة الإفلاس ومن ثم بيعها بأسعار بخسة إلى شركات أجنبية أو أثرياء روس جدد. اتسمت عملية الإصلاح النيوليبرالية في روسيا بعناصر ثلاثة: التضخم الجامح والخصخصة والجريمة الاقتصادية. بدأ التضخم في مطلع كانون الثاني 1992، عندما أطلقت الحكومة الليبرالية الأسعار وأزالت كل الضوابط والقيود المفروضة سابقاً. وعلى الفور انقسم سكان روسيا إلى قسمين: حفنة من الأثرياء من جهة، وأكثرية ساحقة من الفقراء، من جهة أخرى. وقد توقع يغور غايدار، رئيس الحكومة الروسية آنذاك، أن ترتفع الأسعار ما بين ثلاث وخمس مرات. غير أنها ارتفعت خلال خمسة أشهر، ما بين 300 و 400 مرة. وخلال ثلاثة أشهر، فقد سكان روسيا 99 % من مدخراتهم المودعة في المصارف وصناديق الادخار. وجرت بذلك عملية إفقار قسرية وسريعة، قضت على الطبقات الوسطى الروسية. وفي غضون ذلك، جرت عملية إثراء غير مشروع للموظفين الحكوميين والحزبيين السابقين، الذين استغلوا مناصبهم وصلاتهم بمراكز القوى السياسية والاقتصادية لتطوير استثمارات خاصة وجمع ثروات طائلة. وبهذه الطريقة تكونت إحدى شرائح الأوليغارشيا الروسية الجديدة.
السمة الأخرى لعملية “الإصلاح” تمثلت في عملية الخصخصة، التي وصفت بأنها أكبر عملية لصوصية في التاريخ . فقد جرى تحويل المؤسسات الكبرى التابعة للدولة في الميدان المالي وميدان التجارة الخارجية والداخلية، وكذلك في القطاعين الصناعي والخدماتي، إلى شركات مساهمة استولى الرأسماليون الجدد على معظم أسهمها بأبخس الأثمان . فقد بيع 234 مصنعاً بسعر وسطي يقل عن 4 ملايين دولار للمصنع الواحد. فتم بيع شركة “أورال ماش”، عملاق صناعة السيارات والشاحنات بـ 3,73 ملايين دولار فقط ، ومجمع تشيليابينسك للميتالورغيا بسعر مماثل تقريباً، أما مصنع كوفروف للتجهيزات الذي كان يمد الجيش وقوى الأمن الداخلي وأمن الدولة بالأسلحة الفردية فقد تم بيعه بـ 2,7 مليون دولار .. ألخ (7).
وقد وصف بوريس فيودروف، وزير المالية في حكومة غايدار عملية الخصخصة التي شهدتها روسيا بأنها “أكبر عملية نهب في القرن العشرين وربما في تاريخ البشرية…”(8). أما غايدار نفسه الذي جرت العملية كلها بإشراف حكومته، فقال إنّ “الملكية انتقلت ليس إلى من كان له الحق بها، بل إلى من كان أكثر استعداداً لتلقفها”. ولكنه برر ذلك بالقول: “إنّ مقايضة سلطة البيروقراطية بالمُلكية (…) كانت في ظل ميزان القوى المتكون في أواخر الثمانينات السبيل الوحيد لإصلاح المجتمع سلمياً، وللتطور السلمي للدولة. وإلا فإن البديل هو الحرب الأهلية (…). وفي كل الأحوال فإن مقايضة السلطة بالمُلكية كانت خطوة إلى الأمام من “الإمبريالية”، نحو السوق الحرة والمنفتحة، من نمط الإنتاج الأسيوي إلى النمط الأوروبي …” (9). أما أناطولي تشوبايس، عراب عملية الخصخصة، فقال في معرض تبريره لسلوك الرأسماليين الجدد عام 1995، عندما كانت هذه العملية في ذروتها: “إنهم يسرقون ويسرقون. يسرقون كل ما تصل إليه أيديهم، ولا يمكن وقفهم. ولكن دعونا نوفر لهم إمكانية حيازة الملكية الضرورية. وعندئذ سيصبحون مُلاكاً، ومسؤولين جيدين عن هذه الملكية”(10). وفق هذا “المنطق” صار النهب واستيلاء حفنة من الناس على القسم الأكبر من الثروة الوطنية، نموذجاً “عقلانياً” وطريقاً لا بد منه للتراكم الرأسمالي ولتكون نمط الإنتاج الجديد!
أما السمة الثالثة لعملية “الإصلاح النيوليبرالي” فتمثلت في ازدهار الجريمة وتشابكها مع النشاط الاقتصادي، ما أدى إلى ظهور المافيا الروسية الشهيرة، التي لم تعد تكتفي بممارسة الجريمة الصرف، بل وسعت نشاطها وتغلغلت مباشرة في النشاط الاقتصادي، وحصل ما يشبه التشابك والاندماج بين مصالح ونشاطات الأوليغارشيا المالية ورجال المافيا.

النموذج النيوليبرالي
البيئة المولدة للأزمة
واليوم، إذ نتحدث عن “فشل النموذج النيوليبرالي”، ودفعه الاقتصاد العالمي إلى الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الأخيرة، فإننا نقصد تحديداً فشل تلك الصيغة المتطرفة التي شهدنا نماذجها في البلدان الآنفة الذكر. ففي عصر العولمة المتزايدة، تجسدت فكرة تخلي الدولة عن دورها وإطلاقها العنان لحرية قوى السوق، في أسواق المال على وجه الخصوص. ففي هذه الأسواق تجلت على نحو صارخ التحولات المفزعة التي أدت إلى تراجع دور الدولة في الشأن الاقتصادي. فالدولة التي تركت الأسواق المالية تعمل بمطلق حريتها، لم تضع قواعد مناسبة لعمل هذه الأسواق، ولم تخلق المؤسسات الضرورية القادرة على فرض رقابة معقولة عليها. فتخلت الدولة عن الرقابة المتشددة على أعمال المصارف وعلى تدفقات رؤوس الأموال، وألغت القواعد الصارمة التي تحكم أنشطة البورصات، وتحولت أسواق المال إلى ساحة تستقطب المضاربين، وحلبة للجشع ولتحقيق الأرباح بسرعة خارقة.
لقد انتشرت المشتقات المالية، التي كانت في الأساس عبارة عن بضائع مالية تشتق قيمتها من التطور الذي يطرأ على قيمة أوراق مالية أخرى. وكانت هذه المشتقات في البداية غاية في البساطة. فهي لم تكن سوى معاملات آجلة، يتفق فيها طرفان على بيع أسهم أو برميل نفط أو أي سلعة أخرى، بعد فترة محددة بسعر متفق عليه في الوقت الراهن. ومع الوقت، ظهرت أدوات مالية أخرى أكثر تعقيداً، ابتدعها خبراء المال الناشطون في وول ستريت وغيرها من المراكز المالية العالمية. وعملت المصارف على إصدار أوراق مالية مكفولة بقروض عالية المخاطر، وبيعها في الأسواق المالية لسلع مالية مضمونة. وظهرت في الأسواق المالية مشتقات غريبة لا يكاد يفقهها سوى قلائل من الخبراء الماليين، تتخفى خلفها حزم قروض صارت تجوب العالم كله . ونشأت “فقاعة مالية” أخذت تتحول إلى ما يشبه القنبلة الموقوتة، مهددة بتفجير النظام المالي العالمي في أي لحظة. وقد أدت “الابتكارات” والمشتقات المالية المختلفة هذه، إلى زيادة تمركز الاقتصاد الأميركي، ومعه الاقتصاد العالمي ككل، حول الأسواق المالية.
لقد أظهرت الأزمة المالية والاقتصادية العالمية الراهنة، أن المدرسة النيوليبرالية عرضت للخطر أسس التطور الاقتصادي في العالم، وتحديداً الإنتاج القائم على الابتكار والمعرفة في القطاع الحقيقي، الذي يحتاج إلى الحماية، خصوصاً في مراحل نشوئه الأولى إلى أن يشتد عوده، وإلى حماية عوائده، وكذلك على الاستهلاك الجماهيري الواسع القائم على الأجور الحقيقية النامية في القطاعات ذات الكفاءة العالية بالدرجة الأولى. وعوضاً عن ذلك، انتقل الريع في عصر النيوليبرالية بالكامل تقريباً إلى القطاع المالي المضارب، واضعاً بذلك “قنبلة موقوتة” تحت أساس النظام الرأسمالي برمته.
ففي ظل النموذج النيوليبرالي، نشأ وتطور اقتصاد افتراضي يعمل بمعزل عن نشاط الاقتصاد الحقيقي. هذا الاقتصاد الافتراضي ارتكز على الربح الريعي السريع من خلال المضاربات في الأسواق المالية والمضاربات العقارية. فصارت تتحقق أرباح طائلة وتتراكم ثروات هائلة في أيدي المضاربين، من دون أن تكون لها علاقة بالإنتاج، وهي ما تسمى ظاهرة “الأرباح من دون إنتاج”. فأسهم الشركات وقيم سندات المال لم تعد ترتبط بإنتاجية المؤسسة وأرباحها، بل بحال السوق المالية والعرض والطلب على هذه الأسهم والسندات، بوصفها سلعة أساسية ومستقلة عن المؤسسة التي تصدرها، والتي يمكن أن تصعد أو تهبط قيمتها نتيجة مضاربات أو إشاعات تبث من دون أساس أحياناً.
وظهرت اختلالات عميقة وبنيوية في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، أبرزها وأكثرها خطورة الاختلال بين رأس المال المالي الهائل المتراكم، من جهة، وبين الاقتصاد الحقيقي المنتج للسلع الذي يخلق الثروة الحقيقية، من جهة أخرى. ونتيجة لذلك حصلت زيادة كبيرة في المخاطر، ناجمة عن عولمة المعاملات المالية من دون ضوابط أو قيود، واتسع إلى حد كبير الفارق بين حجم الاقتصاد المالي وحجم الاقتصاد الحقيقي، لمصلحة الأول. ويشير سمير أمين في هذا الصدد إلى أن “حجم التبادلات المالية هو ألفا تريليون دولار، فيما البنية الإنتاجية، وإجمالي الناتج الوطني على الصعيد العالمي هو فقط 44 تريليون دولار. إنه تفاوت عملاق في النسب”. ويستنتج سمير أمين، بأنه “جرى نقل المركز الأساسي للقرار الاقتصادي، من إنتاج القيمة المضافة في القطاعات الإنتاجية، إلى إعادة توزيع الأرباح التي تأتي بها المنتجات المشتقة من التوظيفات المالية”(11).
ففي ظل إيديولوجيا الليبرالية المفرطة أدى نمو الأسواق المالية بصورة مستقلة عن حاجات التمويل الفعلية، إلى أن قيادة الاقتصاد العالمي انتقلت من أيدي المستثمرين وأصحاب المشاريع العاملة في ميدان الاقتصاد الحقيقي، إلى عهدة المدراء الماليين وخبراء الأسواق الذين يتعاملون مع اقتصاد افتراضي بعيد عن أرض الواقع. وفي ظل هذه الإيديولوجيا تقلص دور الدولة وحُصر في مجال السياسة النقدية بهدف مكافحة التضخم. فتخلت الدولة عن مهمة حماية الاقتصاد والصناعات الناشئة، وأفلتت العنان للمصارف للتوسع في الإقراض غير المسؤول وتقديم قروض بدون اعتبار توافر الملاءة، وتركت الأسواق المالية تحت وطأة جنون المضاربات، بدلاً من أن تسعى إلى تنظيم الأسواق وضبط أعمال المؤسسات المالية المصرفية الكبرى (12).
أصدر الاقتصادي الألماني هورست أفهيلد (
Horst Afheldt) في كتابه “اقتصاد يغدق فقراً”، الذي صدرت ترجمته العربية عام 2007، حكماً مبرماً على النظرية النيوليبرالية (الليبرالية المحدثة )، فيقول : “إنّ النظام الليبرالي المحدث لا يتصف بجدارة تذكر. إنه اقتصاد غير مجد… إن الولايات المتحدة الأميركية في مقدمة الرابحين من لعبة الليبرالية المحدثة … إن التفاوت بين الفقر والغنى ازداد ولا يزال يزداد اتساعاً وتسارعاً في كل المجتمعات خلال الحقبة الليبرالية المحدثة … وكانت الليبرالية المحدثة قد خدرت، على مدى جيل كامل، مشاعر الكثير من شعوب العالم بوعود براقة وبشائر كاذبة تزعم أن تفاقم البؤس وتزايد عدد الفقراء ليس سوى حالة عابرة على درب الرفاهية التي سينعم بها مجموع المجتمع … لأنّ الوقائع الاقتصادية المحققة … دحضت المزاعم الليبرالية المحدثة بنحو لا يدع مجالاً للشك أبداً. فهذه العقيدة أفرزت اليأس والقنوط والعنف والإرهاب. بهذا المعنى، فإن الزعم بأن الليبرالية المحدثة خير وسيلة لتسريع ارتفاع النواتج القومية في العالم، ليس سوى خداع للنفس وأفيون للشعوب” (13).

 ____________________________________________________

منقول عن موقع الحوار المتمدن تاريخ 15/10/2013

Print Friendly
Share

Previous post:

Next post: