يوم للبكاء

by altaqadomia on 26/02/2018

دفعت فرنسا وبريطانيا ثمنا باهظا جدا لتهاونهما في مواجهة أدولف هتلر عندما بدأ حروبه التوسعية الخاطفة في جنوب أوربا وشرقها في أربعينيات القرن الماضي. فقد بدأ باكتساح النمسا وتشيكوسلوفاكيا عام 1938. وعندما تأكّد هتلر من ميل رئيس الوزراء البريطاني نيفيل تشامبرلين إلى مهادنته بدلا ًمن مواجهته؛ انتهز الفرصة واحتل بولندا عام 1939م.

وفي ربيع العام التالي أمر جيوشه الرهيبة بالاتجاه الى الشمال فاحتلت النرويج والدنمارك، قبل أن تتجه إلى غرب أوربا فتكتسح هولندا وبلجيكا ولوكمسبورغ ثم الجائزة الكبرى فرنسا وعاصمتها باريس في 14 يونيو 1940. وعندما توقّفت دبابات بانزر الألمانية على الشاطئ الفرنسي المقابل للشواطئ البريطانية وكأنها تريد خوض بحر القنال الإنجليزي باتجاه لندن، اكتشف تشامبرلين أنه قد ارتكب خطيئة كبرى عندما لم تقف بريطانيا في وجه هتلر مبكراً كما كان يطالب زعيم المعارضة ونستون تشرشل، وكان حينها نائبا  في البرلمان عن حزب المحافظين، وعضوا في مجلس الحرب. اضطر تشامبرلين للتنحي وتم تعيين تشرشل مكانه في أسوأ ظروف تمر بها بريطانيا خصوصا وأنها أضحت وحيدة بلا حلفاء وأصبحت مدنها تحت رحمة القاذفات الألمانية المتطورة وبحارها وموانئها في متناول البارجات والغواصات الألمانية، وأصبحت لندن هي جبهة الحرب!

عانت المدن البريطانية طوال الـ 10 أشهر التالية من القصف الليلي الرهيب الذي دمّر كل ما فوق الأرض لكنه فشل في تدميرصمود الشعب الإنجليزي وإيمانه بقدرة تشرشل على إنقاذهم. ولولا شجاعة الملك جورج السادس التي تجلّت عندما رفض مغادرة قصر باكينجهام في قلب لندن، معلنا أنه لن يتخلّى عن شعبه في هذه المرحلة الحاسمة، لما انتصرت بريطانيا في الحرب.

تعلّم العالم من هذه الحرب الشرسة دروسا كثيرة جدا، أصبحت كدستور عالمي غير مكتوب يتم تطبيقه في الأزمات الكبرى؛ فبريطانيا آمنت أن التهاون مع الخطر البعيد سيجعله وشيكا. أمريكا أيقنت أن الحياد والبحار لن تحميها. الاتحاد السوفييتي عرف أن السلاح الحقيقي هو الشعب. أمّا فرنسا فقد اكتشفت أن الحرية تستحق كل نقطة دم سالت وكل روح أُزهِقت وكل دمعة ذُرِفت وكل مال صُرِف.

أجد تشابهاً  كبيراً بين الغزو الألماني لفرنسا في صيف 1940م والغزو العراقي للكويت في صيف 1990م. كما أن طريقة التحرير متشابهة ايضاً. الفرق، في رأيي، يكمن في كيفية تعامل الدولتين مع مرحلة ما بعد التحرير.

فرنسا وجدت في 25 أغسطس 1944 فرصة جديدة كي تعيد التزامها وإيمانها بمبادئ الثورة الفرنسية الخالدة، فأعادت بناء الدولة على أسس العدالة والمساواة والحرية وسيادة القانون، وقامت برص صفوف الشعب وتوحيده وتوجيهه نحو البناء والتنمية. بينما تحررت الكويت من الاحتلال العراقي في 26 فبراير 1991م وبدلا من استغلال واستثمار الفرصة التاريخية النادرة لبناء الدولة الحديثة على أسس المشاركة الشعبية والعدالة وسيادة القانون، نجد أن ما حدث هو العكس بالضبط، فنحن قبل 27 عاما أفضل بمراحل من الحالة التي نعيشها الآن، فالدولة تُدار بشكل فردي. والفساد استشرى في كل مفاصلها. وتم تفريق الشعب إلى فئات وتأليب كل فئة ضد الأخرى. والشباب يعاني الإحباط من انعدام تكافؤ الفرص. كما أن الحرية التي استشهد الكويتيون في سبيلها خلال الاحتلال العراقي لم يعد لها وجود الآن في ظل الأحكام الجائرة التي صدرت وتصدر ضد المواطنين بسبب تعبيرهم عن آرائهم المعارضة لطريقة إدارة الدولة، فتم سجن البعض واضطر البعض الآخر للهروب خارج البلاد، فأصبح لدينا مهجّرون ومعارضون سياسيون في الخارج في وضع يحاكي ما يحدث في الدول البوليسية.

لم يعد يوم 26 فبراير من كل عام يوما للاحتفال بذكرى تحرير الوطن، بل أصبح يوما للبكاء على الوطن.

 

بقلم عبدالهادي الجميل

 

٢٦ فبراير ٢٠١٨

 

 

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: