ورقة “التيار التقدمي الكويتي” في الحلقة النقاشية التي أقامها تحت عنوان “لا للعبث في المادة 79 من الدستور… نعم للدولة المدنية”

by tayar-taqadomi on 08/05/2012

عندما أقرّ المجلس التأسيسي دستور الكويت في العام 1962 وصدّق عليه الأمير الراحل الشيخ عبدالله السالم الصباح، فقد كان واضحاً أنّ هذا الدستور هو دستور الحدّ الأدنى الذي يضع أسس قيام دولة كويتية حديثة ذات نظام ديمقراطي.
وكان هذا الدستور ولا يزال مكسباً شعبياً ديمقراطياً، مثلما هو في الوقت ذاته مكسب لأسرة آل الصباح، ولكن هذا الدستور تعرّض طوال السنوات الخمسين الماضية إلى محاولات متكررة من جانب السلطة لتعطيله والانقلاب عليه وإفراغه من مضامينه الديمقراطية وتنقيحه على نحو مخالف لما هو مقرر دستورياً من آليات وإجراءات وضمانات، والمؤسف أكثر ما تعرّض له الدستور من عبث نيابي استهدف المساس بالطابع المدني للدولة عبر اقتراحات تعاقبت منذ العام 1973 لتنقيح المادة الثانية من الدستور، وكذلك عبر تشريع قوانين للتمييز بين الناس على أساس الدين أو الجنس، بما يخلّ بمبدأ المساواة، وتشريع قوانين أخرى لتقييد الحرية الشخصية والتدخّل في الحياة الخاصة للأفراد والوصاية على حرية الاعتقاد التي هي من الحريات المطلقة، بالإضافة إلى التضييق على حرية التعبير، حيث تمّ تشريع هذه القوانين غير الديمقراطية بالتواطؤ مع السلطة، والمؤسف أنّه في ذلك كله فقد جرى استغلال الدين الإسلامي الحنيف والشريعة الإسلامية الغراء كشعارات سياسية، لتصوير الخلاف مع هذه التوجهات والتشريعات غير الديمقراطية على غير حقيقته وكأنّه مخالفة للدين وعداء للشريعة.
ولئن كان يُسجل تاريخياً للقوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية والمدنية تصديها للانقلابات السلطوية على الدستور وتعطيله أكثر من مرة بالإضافة إلى معارضة المشروعات التي طرحتها السلطة لتنقيح الدستور، إلا أنّ هناك تقصيراً مؤسفاً في درجة التصدي للتوجهات والاقتراحات والتشريعات غير الديمقراطية التي كانت مغلفة بغطاء نيابي.
ونحن وإن كنا نضع الأولوية للصراع مع السلطة على المستوى السياسي، فإننا لا يمكن أن نتهاون في الدفاع عن مبادئ الحرية والقيم الديمقراطية والمكاسب الدستورية عندما يتم التعدّي عليها من أي طرف كان سواء كان هذا الطرف سلطوياً أم كان طرفاً نيابياً أو حزبياً، ويجب فضح أي محاولة للعبث بالدستور وبالنظام الديمقراطي أيّاً كان الغطاء أو الحجة أو الذريعة أو التبرير الذي يتستر وراءه هذا العبث.
وكذلك فإننا عندما نتمسك بمبادئ النظام الديمقراطي وندافع عن دستور 1962 بوصفه دستور الحدّ الأدنى، فإننا نرى أنّ المادة الثانية من الدستور مثلما تمّ التوافق عليها بين الآباء المؤسسين للدولة الكويتية الحديثة في المجلس التأسيسي تلبي على نحو واقعي ومتوازن الاستناد إلى الشريعة الإسلامية الغراء في التشريع بوصفها مصدراً رئيسياً له، ونتفق مع ما جاء في المذكرة التفسيرية للدستور في هذ الشأن، ومن هنا فإننا نرفض اقتراح تنقيح هذه المادة على النحو الذي تكرر وذلك لأهداف سياسية وحزبية وانتخابية وبدافع النفاق الديني الاجتماعي.
ومن منطلق احترامنا للدين الإسلامي الحنيف والشريعة الإسلامية الغراء يجب أن نكون واضحين في رفضنا لاستغلالهما كشعارات سياسية، بما في ذلك ما جرى طرحه حول “أسلمة القوانين” لما انطوت القوانين التي جرى تشريعها تحت هذا الشعار من نواقص وتناقضات، بل ما مثلته من إساءة مرفوضة للإسلام والشريعة الإسلامية… وهذه بعض الأمثلة:
المثال الأول هو التعديل الذي تم إقراره في العام 1982 على المادة الرابعة من قانون الجنسية الكويتية، عندما جرت إضافة شرط اعتناق الدين الإسلامي لطالب الحصول على الجنسية الكويتية وذلك باشتراط “أن يكون مسلماً بالميلاد أصلاً، أو يكون قد اعتنق الدين الإسلامي وأَشّهَر إسلامه وفقاً للطرق والإجراءات المتبعة، ومضت على ذلك خمس سنوات على الأقل قبل منحه الجنسية الكويتية، وتسقط هذه الجنسية بقوة القانون، ويعتبر المرسوم الصادر بمنحه إياها كأن لم يكن بارتداده عن الإسلام أو سلوكه مسلكاً يقطع بنيّته في ذلك. ويترتب على سقوط الجنسية الكويتية عنه في هذه الحالة سقوطها عمن يكون قد كسبها معه بطريق التبعية”.
إنّ هذا الربط بين الجنسية والدين تزيّد غير ذي معنى، وهو يهدر مبدأ المساواة ويعتمد التمييز على أساس الدين بين الناس، بل بين المواطنين الكويتيين أنفسهم في بلد يمثّل المسلمون الغالبية الساحقة من مواطنيه بلا منافس ولا منازع… وهذا الشرط شرط مبتدع لم يسبق أن نصّ عليه أي قانون للجنسية في أي دولة في العالم.
والمثال الثاني لمثل هذه الأسلمة الشعاراتية للقوانين، هو التعديل الذي تمت إضافته على المادة الأولى من قانون الانتخابات المتصل بإقرار الحقوق السياسية للمرأة بحيث “يُشترط للمرأة في الترشيح والانتخاب الالتزام بالقواعد والأحكام المعتمدة في الشريعة الإسلامية”… وهو شرط لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع الانتخابي الملموس، ولم يكن له أي مبرر عملي.
وأما المثال الثالث لمثل هذه الأَسلمة المدّعاة فنجده في القانون رقم 46 لسنة 2006 في شأن الزكاة ومساهمة الشركات العامة والمقفلة في ميزانية الدولة، الذي يقرر نصاباً للزكاة ما أنزل الله به من سلطان يقلّ ويختلف عن النصاب الشرعي البالغ 2.5 في المئة، إذ تنصّ المادة الأولى من هذا القانون على أن “تُحصَّل نسبة مقدارها 1% سنويا من صافي أرباح الشركات الكويتية المساهمة والمقفلة، ولهذه الشركات عند تقديم إقراراتها بالمستحق عليها مرفقاً بها ميزانياتها السنوية بموجب هذه القانون أن تحدد القدر الذي يمثّل زكاة عن أموالها من المبلغ المحصّل…”.
هذه الأمثلة الثلاثة أدلة كافية ودلائل ملموسة على ما ينطوي عليه شعار “أسلمة القوانين” الذي يرفعه نواب الأحزاب الإسلامية من غرضية سياسية ومقاصد انتخابية أكثر منها ضرورات دينية أو حاجات عملية.
والأسوأ من ذلك هو ما يقترحه بعض النواب المتزمتين لاقتراح قوانين مناقضة لأبسط مبادئ الحرية والمساواة، مثل الاقتراح المسمى “قانون الحشمة” الذي يمثّل محاولة للتعدي الصارخ على الحرية الشخصية والتدخّل في الحياة الخاصة للأفراد والتعامل الدونيّ مع المرأة، وكذلك ما دعا إليه أحد هؤلاء النواب المتزمتين في شأن توجههم في حال إقرار هذا القانون إلى إصدار قانون آخر يلزم النساء بارتداء الحجاب.
وأما على مستوى الدستور ومحاولات العبث المباشر به، فبعد أن فشلت المحاولات المتكررة لتنقيح المادة الثانية منه جرى أخيراً تقديم طلب موقّع عليه من 31 نائباً لتنقيح المادة التاسعة والسبعين التي تنصّ على أنّه “لا يصدر قانون إلا إذا أقرّه مجلس الأمة وصدّق عليه الأمير” بحيث تضاف إليها عبارة تشترط أن يكون هذا القانون متوافقاً مع أحكام الشريعة وغير متعارض معها.
إنّ هذا الطلب لتنقيح المادة 79 من الدستور يتجاهل ما نصّ عليه الدستور في المادة 175 من شروط موضوعية للتنقيح وهي أنّ “الأحكام الخاصة بالنظام الأميري للكويت وبمبادئ الحرية والمساواة المنصوص عليها في هذا الدستور لا يجوز اقتراح تنقيحها، ما لم يكن التنقيح خاصا بلقب الإمارة أو بالمزيد من ضمانات الحرية والمساواة”… وهناك مخاوف جدّيّة من استغلال هذا التنقيح للمساس بمبادئ الحرية والمساواة استناداً إلى المواقف المعلنة للعديد من النواب الإسلاميين والقوى المتزمتة التي تدعو إلى التدخّل المباشر في الحرية الشخصية والحياة الخاصة للأفراد وتحاول فرض الوصاية على حرية الاعتقاد وتعارض مبدأ المساواة بين الجنسين وتكريس التمييز على أساس المعتقد الديني… وغير هذا فإنّ التثبّت من توافق القوانين مع أحكام الشريعة الإسلامية في حال تنقيح المادة 79 من الدستور يفرض أن يتم تحديد جهة ما لتقرر هذا التوافق من عدمه، وبذلك سيتم تنصيب سلطة دينية غير منتخبة فوق مجلس الأمة لتقرر ما إذا كان هذا المشروع بقانون المقدم من الحكومة أو هذا الاقتراح بقانون المقدّم من أحد أعضاء مجلس الامة متوافقاً مع أحكام الشريعة أو يتعارض معها سواء كان هذا قبل أن يقرّ مجلس الأمة القانون ويصدّق عليه الأمير أو بعد الإقرار والتصديق على القانون… وبالتأكيد فإنّ تنصيب مثل هذه السلطة الدينية غير المنتخبة سيقوّض الطابع المدني للدولة ويهدم الأسس الديمقراطية لنظام الحكم، التي تنطلق من أنّ الأمة هي مصدر السلطات جميعاً.
إنّ طلب تنقيح المادة 79 من الدستور يتعارض مع القيود المطلقة التي فرضتها المادة 175 على اقتراح تنقيح الأحكام ذات الصلة بمبادئ الحرية والمساواة، ذلك أنّ هذا الطلب لا يستهدف تحقيق المزيد من ضمانات الحرية والمساواة، بل أنّه سيغيّر بالطابع المدني للدولة الكويتية عبر قيام سلطة دينية تشريعية، وهذا على أقل تقدير عبث بالدستور ومتاجرة سياسية وانتخابية بالشريعة الإسلامية يشترك فيهما دعاة التزمت ونواب النفاق الديني الاجتماعي… وبالطبع فإنّ هذا العبث قدّم أفضل خدمة مجانية إلى السلطة عندما وفّر لها المبرر ومنحها الغطاء لعرقلة أي إصلاحات دستورية وسياسية ديمقراطية مستحقة في التحوّل نحو النظام البرلماني، وذلك لما ينطوي عليه طلب تنقيح المادة 79 من خلط متعمّد للأوراق وإثارة مقصودة للمخاوف وتبرير مكشوف للسلطة في عدم الموافقة على ما يفترض أن يتحقق من إصلاحات دستورية وسياسية ديمقراطية.
ونحن في الوقت الذي نحمّل فيه السلطة مسؤولية العبث المتواصل بالدستور منذ العام 1962، فإننا نحمّل العابثين الجدد بالدستور المسؤولية عن عبثهم، ونناشد الشعب الكويتي والقوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية والمدنية وأعضاء مجلس الأمة الحريصين على النظام الدستوري إلى اتخاذ مواقف واضحة في رفض العبث بالمادة 79 من الدستور والتمسك بأسس النظام الديمقراطي وبالطابع المدني للدولة ورفض أي مساس بها.
ولهذا، فقد دعونا إلى تنظيم هذه الحلقة النقاشية المقامة تحت شعار “لا للعبث بالمادة 79 من الدستور… نعم للدولة المدنية”، آملين أن يدور في هذه الحلقة النقاشية بحث موضوعي وأن يجري تداول علمي ليتم بعد ذلك التوصل إلى موقف عملي موحد يرصّ صفوف القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية والمدنية للدفاع عن مبادئ النظام الديمقراطي وللتصدي إلى محاولات تقويضه من أي جهة كانت… هذا بالإضافة إلى ضرورة التحرك من أجل تعبئة الرأي العام ورفع مستوى الوعي الشعبي وذلك بعيداً عن العقلية النخبوية المعزولة.

الأثنين ٧ مايو ٢٠١٢

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: