وثيقة المنطلق الفكري التي أقرها المؤتمر العام الأول للتيار التقدمي الكويتي.

by tayar-taqadomi on 09/11/2014

ddيتمثّل المنطلق الفكري للتيار التقدمي الكويتي في كونه تياراً ذا وجهة تقدمية، والتقدمية صفة تطلق على أولئك الناس الذين يرون أنّ المجتمع البشري تحكمه قوانين ضرورية تحتّم عليه التغيّر والتطور والتقدم وصولاً إلى مجتمع الكفاية الإنتاجية والعدل الاجتماعي وتقليص التفاوت الطبقي وتلاشيه لاحقاً… وفي الوقت ذاته فإنّ هذه القوانين إنما تتحقق بنضال الجماهير وإرادتها وحركتها، ولهذا فإنّ الإنسان التقدمي ليس مَنْ يؤمن فقط بالتقدم، وإنما الإنسان التقدمي هو الذي يشارك بالنضال وبالفكر من أجل تحقيق هذا التقدم… أي أنّ التقدمي هو الذي يتخذ موقفاً تقدمياً إزاء ضرورات ومتطلبات تطور المجتمع، وفي الوقت نفسه هو الذي يرفض الاستغلال الطبقي للرأسمالية ويدافع عن حقوق الطبقة العاملة والفئات الشعبية.

إنّ التقدم ظاهرة اجتماعية تعبّر عن انتقال المجتمع البشري إلى مستوى أرقى من حيث الثقافة والمقدرة الإنتاجية والتعامل مع الطبيعة. والتقدم قانون أصيل في تاريخ الإنسان، لأنّ التاريخ الإنساني تقدم متصل في مواجهة معوقات وعقبات لا حصر لها، سواء أكانت معوقات طبيعية أو اجتماعية أم عملية أم نظرية.

وإنّ جوهر التقدم هو سيطرة الإنسان على الضرورات الطبيعية والاجتماعية، وإزاحة العقبات التي تعترض تطور قوى الإنتاج في المجتمع، وتعطّل الطاقات الإبداعية في الإنسان، وفي مقدمتها التخلف والاستغلال الطبقي والتهميش.

والتقدم ليس مجرد تحرر من الضرورات المادية وحدها، وإنما هو كذلك توفير الثقافة والحرية وضمانهما. إنّ معيار التقدم الاجتماعي هو درجة تطور القوى الإنتاجية والنظام الاقتصادي ومؤسسات البناء الفوقي، إلى جانب انتشار العلم وتطور الثقافة والفرد ودرجة اتساع الحرية الاجتماعية، وتطور أسلوب الإنتاج هو عامل أساسي وحاسم هنا وصولاً إلى مجتمع الكفاية والعدل وتقليص ثم تلاشي التفاوت الطبقي.

وأما عن وصف الاتجاه التقدمي بأنّه يساري، فإنّه يعود إلى تعبيري اليسار واليمين اللذين هما تعبيران سياسيان يتصلان بمقاعد جلوس النواب في البرلمان الفرنسي أثناء الثورة الفرنسية عام 1789، حيث جلس النواب المعارضون للنظام الملكي إلى يسار رئيس البرلمان والمؤيدون للنظام الملكي جلسوا إلى يمينه… ومع أنّ تعبيري يسار ويمين تعبيران مطاطان يتغيران مع تغيّر الأوضاع، إلا أنّه يمكن القول إنّ اليسار هو المعارضة التي تسعى من أجل تغيير الوضع القائم، بينما يمثّل اليمين القوى الساعية إلى المحافظة على الوضع القائم أو إلى الارتداد عنه إلى الوراء.

وهناك مَنْ يلتبس عليه الأمر فيفترض أنّ التقدمية والليبرالية اتجاه واحد… وهذا ما يتطلب توضيحاً يزيل هذا الالتباس والخلط، إذ صحيح أنّ الليبرالية والتقدمية، تتفقان في ما بينهما حول الموقف تجاه الحريات الشخصية، ولكنهما تختلفان حول الرؤية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لتقدم المجتمعات، هذا بالإضافة إلى التفاوت في الموقف تجاه الطبقة العاملة والفئات الشعبية وملكية وسائل الانتاج، حيث لا تولي الليبرالية اهتماماً بمطالب العمال، وأصحاب الدخول المتدنية والمهمشين، بينما تدافع التقدمية عن الطبقة العاملة، والفئات الشعبية والمهمشة من المجتمع.

لقد بدأت فكرة الليبرالية في عصور النهضة في أوروبا، لمواجهة سلطة الكنيسة والملكية، واتخذت شكل الكتابات النخبوية، إلى أن توجت بالثورة الفرنسية، التي رفعت شعار “حرية إخاء مساواة”، ولكنها بعد سنوات تمسكت بمبدأ الحرية، وأهملت الإخاء والمساواة، ومع نسيان مبدأ المساواة، أصبحت الحرية مبدأً مقدساً، فيما أتاح إهمال المساواة المجال لتبرير الليبراليين استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

أما الليبرالية الاجتماعية فقد برزت في أعقاب الأزمة الرأسمالية الكبيرة عام 1929، التي سميت بالكساد الكبير، عبر كينز ونظريته الاقتصادية الليبرالية الاجتماعية، فتحسن وضع الإنسان في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية حتى السبعينات من القرن العشرين… وفي الثمانينات برز “النيوليبراليون” أو الليبراليون الجدد ومنهم الرئيس الأميركي رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية مارجريت تاتشر، واستندوا إلى مدرسة شيكاغو الاقتصادية، نسبة لجامعة شيكاغو الأميركية التي تركز فيها الاقتصاديون دعاة النيوليبرالية، التي تدعو إلى رأسمالية وحشية عدوانية ، لا تعرف العدل ولا التنمية ولا البناء، وتحتقر الإنسان وتستغله إلى آخر مدى، وتمتص ثروات الدول النفطية، لتنعش الشركات والكارتيلات الضخمة، مثل المجمعات العسكرية، وتدعو إلى رفع وصاية الدول عن الاقتصاد وسياسة الرعاية الاجتماعية، وذلك ضمن شروط واملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين يفرضان على الدول تصفية القطاع العام وبيعه للقطاع الخاص.

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: