موضوعات في السياسة الدولية و قضايا السلام

by tayar-taqadomi on 27/12/2015

5f56c49b3766f0f85df8990e699846cb

مرة اخرى تعود قضية السلام الى الواجهة، باعتبارها قضية بقاء واستمرار البشرية. واهداف قوى اليسار في هذا الشأن لا تزال في الجوهر ذاته: عدم عسكرة النزاعات الدولية، ونزع السلاح، والحد من سباق التسلح، وإنشاء نظم دولية للأمن المشترك، وتعزيز دور الأمم المتحدة وتطبيق ميثاقها. ويمكن تلخيص ذلك في سيادة سلطة القانون في السياسة الدولية، بشكل القانون الدولي في مواجهة “قانون الاقوياء” في السياسة الدولية. والجديد هو التعقيد الذي تجري فيه الحرب الحالية وعسكرة عملية العولمة.

ان النظم السياسية للدولة القومية التقليدية تعيش حالة من التحول، وتصبح لا معنى لها. والمزيد من الدول تنهار، ويزداد عدد البلدان، التي تفقد حكوماتها ودولها السيطرة حتى على ضواحي العاصمة فيها، نتيجة لاستغلال الليبرالية الجديدة، والصراع بين النخب الحاكمة في هذه البلدان، ومحيطها الاقليمي، وعلى الرغم من وقوع هذه البلدان في اطراف الراسمالية المعولمة، ولكنها مرتبطة بالسوق العالمية، ومصالح المراكز الراسمالية الغربية، وكذلك الصين والهند. والإستراتجية الغربية في “تغيير السلطة” ، والتوازن القائم في المناطق الاقليمية توظف التناقضات القائمة، وتسرع من احتمالات التدمير.

التحولات المناخية والمشاكل المرتبطة بشح الموارد تشير إلى سيناريو الصراعات العالمية المكشوفة القادمة من أجل البقاء. ومن الضروري ان تبنى سياسة الدفاع والأمن الاوربية على عدم ارتهان “الموارد العالمية بالتوترات ومشاكل الفقراء”، هذا جاء في دراسة المعهد الاوربي للدراسات الامنية، الذي يمثل الوجهة الرسمية للاتحاد، والصادرة بعنوان ” ما هي طموحات الدفاع الاوربي في عام 2020 ؟”. ومع انبعاث الحرب الاقتصادية وتصعيد عملية التسلح ضد روسيا الاتحادية، يبدو ايضا ان هناك عودة الى صراع الكتل بين القوى النووية.

في هذه الاجواء ناقشت “جمعية اليسار الماركسي” في اجتماعها العام المنعقد في 2 12\ 2014، هذه الاسئلة، وقضايا اخرى، والمهام الملقاة على عاتق الجمعية، واقرت “موضوعات حول السياسة الدولية”. وللترابط الوثيق بين قضايا الحرب والسلام والسياسة الدولية، في ما يلي عرض مختصر، و بتصرف لاهم ما ورد في هذه الموضوعات:

1 – نعيش على المستوى العالمي، مرحلة انتقال من نظام احادي القطب تقوده الولايات المتحدة الامريكية الى نظام عالمي متعدد الأقطاب.

2 – لقد ادت عولمة الليبرالية الجديدة الى انقسامات كبيرة جدا، تتسع باستمرار، بين الدول وفي داخلها. وتنتج هذه الانقسامات: العنصرية، والعنف، والصراعات، وصولا الى اندلاع الحروب. وتتفجر في العالم تناقضات وصراعات ترتبط بأسئلة مختلفة: قضايا اجتماعية وطبقية، وجديد الحياة والطبيعة والمشاكل التي تعني الانسان، وقضايا الهوية بالنسبة للحضارات الصغيرة والكبيرة، ذات الوجود المهدد بفعل العولمة، وقضية دور المجموعات القائدة، التي تتصارع من اجل احتلال مكان في نظام عالمي متعدد الأقطاب.

3 – وهذه العمليات تمثل عناصر “أزمة عضوية” (أزمة كبيرة) لرأسمالية الليبرالية الجديدة المعولمة.

4- المراكز الامبريالية القديمة، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، تحاول عرقلة هذه العملية من خلال الحروب الدائمة، ونشر التوترات في جميع مناطق العالم، ومن خلال الحروب التجارية والمالية، وكذلك من خلال اقامة التكتلات العسكرية والاقتصادية. وبمعنى آخرالاحتفاظ بدورها القيادي في عالم متعدد الأقطاب.

5 – ان هذه المرحلة، ليست مرحلة التضاد بين نظامين اجتماعيين مختلفين، كما كان عليه الحال في زمن الصراع بين الرأسمالية والأشتراكية. فدول مجموعة “البريكس”، وخصوصا الصين تشكل تحديا سياسيا واقتصاديا للولايات المتحدة والمراكز الرأسمالية الاخرى، ولكنها على العكس من الاتحاد السوفيتي السابق، والدول الاشتراكية لا تمثل بديلا سياسيا وايدولوجيا، ولا تطرح نموذجا اقتصاديا مضادا للرأسمالية.

6 – ومع ذلك فهناك نهج جديد لتجاوز الليبرالية الجديدة. ففي امريكا اللاتينية استطاعت حركات شعبية قوية اقامة حكومات اعلنت القطيعة مع الليبرالية الجديدة، وحولت الدولة الى محرك لتنمية الاقتصاد، وتعزيز الديمقراطية، لتسريع عمليات التحول الاجتماعي. وعملت حركات التحرر الاجتماعي على دفع هذه العمليات الى امام. فهل ستؤدي هذه العمليات الى رأسمالية متجددة، او تفتح الطريق لمجتمع ما بعد الرأسمالية؟ هذا ما سيتم التحقق منه بعد عدة عقود، ويعتمد على مدى تعميق العمليات الثورية، وتعزيز التوجهات الاشتراكية والبدء في عمليات التغيير في بلدان أخرى.

7 – وأدى الشكل الليبرالي الجديد للتكامل الاوربي الى الافقار، والبطالة، وانتشار الاعمال المؤقتة، وتنامي الشكوك بالتجربة الاوربية، والى ازدياد الهوة الاجتماعية في اوربا. ويتصاعد تأثير القوميين والعنصريين في جميع البلدان الاوربية. وتحقيق الاحزاب اليمينية الشعبوية وصولا الى الاحزاب الفاشية المكشوفة في الانتخابات نتائج مقلقة. وفي سياق مقاومة سياسة التقشف، ولدت احزاب من الحركات الاجتماعية، وتمتلك قواعد في هذه الحركات، مثل حزب اليسار اليوناني (سيريزا)، و”حزب نحن قادرون”، واليسار المتحد في اسبانيا، ويمكن لهذه الاحزاب في المدى القريب ان تشكل حكومات يسارية في بلدانها ( كما هو الحال اليوم في اليونان) تعمل على تقويض هيكلية الليبرالية الجديدة.

ماذا يعني هذا بالنسبة لليسار الماركسي؟

1 – في فترة المواجهة بين نظامين اجتماعين متصارعين كان مفهوم سحب بلدان ومناطق جغرافية من مناطق نفوذ الرأسمالية، وتوسيع حدود “المعسكر الاشتراكي”،مفهوما صحيحا. واليوم لم يعد هذا المفهوم مفيدا. فان تحديد مواقف اليسار الماركسي بشان التطورات الدولية، يبنى على اساس تحليل الطبقات الاجتماعية، والتناقضات المحلية والعالمية، ويتخذ على اساس ذلك، المواقف ازاء القضايا الجيوسياسية، وليس العكس. ونظرا للتعقيد الذي يلف التناقضات، فان ذلك يشكل تحديا لعملية تكوين الراي من هذه التناقضات.

2 – ان النقد للاتحاد الاوربي ينبع من وجهة نظر اوربية، على اساس موقف سياسي طبقي. فهناك امر يزداد وضوحا: المشاكل الاوربية تتطلب حلولا اوربية.

3 – مع عودة ظهور الحرب كوسيلة “طبيعية” لسياسة المراكز الراسمالية والقوى العظمى، تصبح قضية السلام، قضية مركزية في النضال بالنسبة لليسار. ان السلام يعني اكثر من مجرد غياب الحرب. الاستغلال غير المحدود من قبل رؤوس الأموال فوق القومية، التي تفسد قطاعات واسعة في المجتمعات الصناعية، من خلال ممارسة العنف المنظم ضد الأغلبية المسحوقة من سكان العالم. ويشكل ذلك خلفية للحروب المندلعة اليوم، وللارهاب ايضا. ان السلام يتطلب فتح طرق لتجاوز الهياكل غير العادلة، وغير الانسانية، القائمة اليوم نتيجة للاستغلال الراسمالي للمجتمع الانساني.

وكما يشير واقع الحال، فان الدول الامبريالية غير مستعدة تلقائيا للتخلي عن العنف، ولا لإعادة النظر في توجهاتها الاقتصادية عالميا. وعلاة على ذلك فان اشكال التحرر، لم تحدد ، تاريخيا بالاساس من قبل المضطهدين. ولذلك تعرب الجمعية عن تضامنها مع ضحايا العدوان الامبريالي والعنف الرجعي وتقف مبدئيا إلى جانب الضعفاء، وايضا الى جانب عمليات التحرير المشروعة بالعنف المسلح، اذا ثبت ان لا بديل لها. ان شرعية شكل النضال، غير المفضل، تستند الى كونة الوسيلة الاخيرة، وعلى ألأغلب يستخدم للدفاع عن النفس، وللوصول الى حلول سياسية. ولكن حتى الاساليب العادلة للنضال السلمي، يجب ان تخضع لمعايير اخلاقية. فالغرض لا يبرر اية وسيلة. ومع ذلك تبين التجارب، ان الكفاح المسلح يؤدي الى أضرار لا مفر منها للمجتمع، وهي ضريبة تقبله بناء مجتمع جديد.

ولهذا فـ”السياسة السلمية” بالنسبة لليسار الماركسي، سياسة المضطهدين الواقعية، الذين لا يحوزون على سلطة الدولة. ولهم مصلحة عملية، في خوض الصراع في المواقع، التي تؤدي الى تعزيز إستراتيجيتهم، في الحصول على ثقة أكثرية المواطنين،. وهذا يعني تحقيق ذلك سياسيا، واستبعاد اية مواجهة عسكرية. ولذلك فان ممارسة الاحتجاج ليس فقط ضد هذه الحرب او تلك، بل للنضال من اجل “السلام” كعنصر لنظام عالمي تقدمي، لان هذا النظام العالمي يمكن ان يرتبط بتوفير ظروف مواتية للنضال في سبيل تجاوز الرأسمالية.

4 – يرفض اليسار الماركسي اي منطق يؤدي الى تحويل ادانة ، والاحتجاج ضد، ومقاومة سياسة المراكز الامبريالية المعادية للشعوب الى تضامن، او دعم الى الانظمة القمعية والاستبدادية، التي تبدو بدرجة اقل أو أكثر معادية لـ”الغرب”، ويرفض اليسار الماركسي ايضا كل منطق قومي لاضطهاد الأقليات، والمعارضة الديمقراطية، ويعلن تضامنه الدائم مع القوى التي تناضل من اجل السلام والديمقراطية والتحرر والتقدم الاجتماعي.

5- ويقيم اليسار الماركسي علاقاته الأممية ليس على اساس إيديولوجي، وانما على اساس حوار شامل مع جميع القوى التقدمية، لتطوير سياسة الدولة المدنية والاجتماعية، وثوابته هي: الديمقراطية والاشتراكية، ونقد اشكال الدولة المستبدة، و”لمعاداة الامبريالية من منطلقات رجعية”، وكذلك نقد البنى الأبوية، ونقد عمليات تحديث الرأسمالية، وتطوير قيم العالمية والديمقراطية والسلام والتنمية المستدامة للبيئة.

6 – وتتمتع بأهمية خاصة في عمل اليسار الماركسي العلاقة مع الحركات الاجتماعية، وقوى اليسار، والأحزاب الشيوعية في أوربا. ان التحدي الماثل لقوى اليسار، هو توظيف الامكانات الجديدة، لاقامة التحالفات، والتي تضم قوى سياسية واجتماعية، وثقافية متعددة ، على اساس الأهداف المشتركة المتمثلة بتأسيس جديد لأوربا، على أساس التضامن المجتمعي والإيكولوجي، وكذلك الديمقراطية واهداف الحركة لنسوية، والسلام. ولتحقيق هذه الاهداف يسعى اليسار الماركسي إلى تعزيز العمل المشترك مع حزب اليسار الاوربي.

7 – ان انتصارات في بعض البلدان الأوربية كاليونان، البرتغال، تعد محفزا لتطوير تحالف في عموم أوروبا ضد التقشف، وفي سبيل اوربا تضامنية، على شرط أن يتم تنظيم التضامن في جميع انحاء أوروبا، في حين يمثل نمو اليمين المتطرف في هذا البلد او ذاك تحديا يستدعي الأمر ذاته . ويسهم اليسار الماركسي في تطوير هذا التضامن.

ــــــــــــــــــــــــ

– تأسست جمعية اليسار الماركسي في 24 شباط 2014 في العاصمة الالمانية برلين، وتعرف الجمعية نفسها باعتبارها شبكة تهدف إلى تعزيز العمل المشترك بين ماركسيين ينتمون الى الحزب الشيوعي الألماني، وحزب اليسار الالماني، ومنظمات اخرى، وشخصيات مستقلة. والجمعية شراكة غير حزبية للحوار ، ولمناقشة وتحليل المشاكل الآنية ، ولطرح البدائل الممكنة، على اساس ثقافة التوافق.

 

Print Friendly
Share

Previous post:

Next post: