منظور الحركة التقدمية الكويتية نحو العمل النقابي العمالي  

by altaqadomia on 18/01/2018

في إطار الصراع الطبقي بين الطبقة العاملة والطبقة الرأسمالية، وتحديداً في المجال الاقتصادي، برزت الحاجة إلى التنظيم النقابي العمالي الذي يوحد صفوف الطبقة العاملة للدفاع عن مصالحها وتحقيق مطالبها في تحسين الأجور ومستوى المعيشة وشروط العمل، حيث توصلت الطبقة العاملة عبر وعيها الطبقي العفوي إلى أهمية تأسيس نقاباتها…إذ أنّ نضالات الطبقة العاملة كانت في بداياتها ذات محتوى اقتصادي مطلبي محض، ثم مع تنامي وعي الطبقة العاملة وانتشار الفكر الاشتراكي تطورت نضالاتها لتشمل إلى جانب ما هو اقتصادي ما هو سياسي وفكري أيضاً، ما تطلب وجود حزبها السياسي المنظم، الذي يمثّل أرقى أشكال تنظيمها، ليتولى قيادة نضالها الطبقي ضد الرأسمالية على مستوياته المختلفة الاقتصادية والسياسية والفكرية، وذلك بما يتجاوز النقابات العمالية بوصفها الشكل الأولي لتنظيم الطبقة العاملة التي يتركز دورها في النضال الاقتصادي المطلبي الآني.

ولئن كان التنظيم النقابي العمالي ضرورة موضوعية للطبقة العاملة في قيادة نضالها الاقتصادي المطلبي الآني، فإنّ حزبها السياسي هو الآخر يلبي حاجة موضوعية لقيادة نضال الطبقة العاملة على مختلف المستويات الاقتصادية والسياسية والفكرية.

 

الفرق بين النقابة العمالية وحزب الطبقة العاملة:

النقابة العمالية أو التنظيم النقابي العمالي كيان جماهيري عام ينتظم فيه العمال في هذا القطاع أو المؤسسة، في حين أنّ الحزب السياسي للطبقة العاملة يضم الطليعة الواعية المنظمة من الطبقة العاملة، ولكن عضويته لا تقتصر على العمال وحدهم، بل تضم الأحزاب السياسية للطبقة العاملة المثقفين الذين آمنوا بالفكر العلمي  للطبقة العاملة  ودورها التاريخي في إزالة النظام الرأسمالي، هذا ناهيك عن أنّه من الطبيعي أن تضم النقابة عمالاً ينتمون إلى تيارات مختلفة فيما لا يضم الحزب في صفوفه سوى العناصر المتجانسة فكرياً وسياسياً. 

 

لمحة عن نشأة الحركة العمالية في الكويت وتطورها:

برزت الحاجة إلى وجود الحركة النقابية العمالية في الكويت منذ بدايات تأسيس الطبقة العاملة في أربعينيات القرن العشرين، وذلك عندما أسس عمال النفط “جمعية العمال” ذات الطبيعة التعاونية، وبعدها خاضت الطبقة العاملة الناشئة سلسلة من الإضرابات عن العمل لتلبية مطالبهم في تحسين شروط عملهم خلال الفترة بين 1949 و1952، ولكن الطبقة العاملة لم تحصل على حقها في التنظيم النقابي إلا في العام 1962 بعد إقرار الدستور، وعملياً بعد إقرار قانون العمل في القطاع الأهلي 38 لسنة 1964 الذي نظم عملية إشهار النقابات العمالية.

أما تأسيس التنظيمات السياسية للطبقة العاملة فتم لاحقاً، إذ مع تنامي وعيها الطبقي تحت تأثير انتشار الأفكار الاشتراكية تأسس أول تنظيم سياسي للطبقة العاملة في العام 1954 تحت اسم “العصبة الديمقراطية الكويتية”، التي تعرضت للقمع الشديد في العام 1959، وجرى لاحقاً في العام 1975 تأسيس حزب اتحاد الشعب في الكويت، الذي تشكّل حركتنا التقدمية الكويتية امتداداً له.

لقد كان تأسيس الحركة النقابية العمالية في أواسط الستينيات من القرن العشرين نقلة نوعية تاريخية في الوعي الذاتي للطبقة العاملة الكويتية وحاجتها إلى وجود تنظيمات نقابية تنظم صفوفها وتدافع عن مصالحها وتطالب بحقوقها… وقد أسهمت الحركة الوطنية والديمقراطية والتقدمية في تشجيع العناصر العمالية المبادرة إلى تأسيس نقابات، كما ساهم نشطاء هذه الحركة، وخصوصاً من أعضاء حزب اتحاد الشعب في الكويت وأصدقائهم من اليساريين والتقدميين في النضال النقابي العمالي على نحو واضح حتى أواسط التسعينيات.

ولكن تحت تأثير عدد من الأخطاء الذاتية والعوامل السلبية الموضوعية نجد أنّ وضع الحركة النقابية العمالية وقوتها قد تراجع كثيراً، واضمحل معه دور العناصر الوطنية والتقدمية واليسارية في صفوفها، وهذا يعود إلى الأخطاء والعوامل التالية:

1- خطيئة تجميد العمل الحزبي ضمن حزب اتحاد الشعب وتركيزه في إطار “المنبر الديمقراطي” وفقاً لخط ديسمبر 1992 التصفوي، ما أفقدنا ليس وجودنا التنظيمي المستقل، وإنما تأثيرنا داخل الحركة النقابية العمالية أيضاً، وهذا ما أفسح المجال أمام سيطرة العناصر الرجعية والانتهازية على الحركة النقابية العمالية. 

2- التغيرات التي طرأت على تكوينات الحركة الوطنية والديمقراطية والتقدمية، التي تمثّلت في انتشار الميل النيوليبرالي على مستوى التوجّه الاقتصادي الاجتماعي.

3-التطور الرأسمالي الريعي المشوّه، وضعف الصناعة، وكون الغالبية الساحقة من العاملين الكويتيين موظفين إداريين في القطاع الحكومي المتضخم، والنهج الذي اتبعته إدارات الشركات النفطية في الحدّ من نمو العمالة الوطنية في القطاع النفطي عن طريق تحويل العديد من الأعمال الحيوية إلى شركات مقاولات خاصة لم تحرص على تشغيل العمالة الوطنية.

وانعكس هذا على المستوى النقابي العمالي حيث تحوّلت الحركة النقابية العمالية من كونها كما يفترض حركة نضالية جماهيرية في صفوف العمال إلى تنظيمات مكتبية معزولة، كما أصبحت مجالاً للتنفيع والتكسّب والامتيازات، ما أدى إلى ضعف دور الحركة النقابية العمالية وتقلّص نفوذها وتلاشت مشاركاتها في الحياة العامة.

كما انتشرت ممارسات فاسدة غير ديمقراطية، حيث تعمدت بعض القيادات في عدد من النقابات إلى عرقلة توسيع عضويتها ورفض قبول أعضاء جدد، وفرض بعضها شروطاً تعجيزية على الترشيح لمناصب مجالس الإدارات، ومدّت فترات ولاية مجالس الإدارات إلى أربع سنوات في بعض الأحيان، وذلك لضمان استمرار إحكام قبضتها على الحركة النقابية العمالية، وجرى ذلك في ظل استغلال سيئ لشعار حرية العمل النقابي العمالي ورفض التدخل الحكومي، حيث جرى التلاعب في انعقاد مؤتمرات وجمعيات عمومية شكلية على الورق من دون أن تنعقد فعلاً، وهذا ما فتح الباب أمام حدوث بعض “انقلابات” داخل الهيئات النقابية بفعل الاستقطابات القبلية والتحالفات بعيداً عن الأصول النقابية، ما حوّل بعض النقابات العمالية إلى هيئات “مغلقة” طائفياً أو قبلياً.

ومن جانب آخر فقد عرقلت السلطة إشهار النقابات الجديدة لسنوات عديدة، ثم اضطرت إلى إشهارها تحت الضغط والمطالبة المستمرة، وعندما تأسست هذه النقابات الجديدة في بعض مؤسسات القطاع الحكومي الصغيرة نسبياً، حيث برزت عراقيل أمام انضمام النقابات الجديدة إلى عضوية اتحاد نقابات القطاع الحكومي لعدم توافر النصاب العددي لتمثيلها في مؤتمراته وهيئاته، ما أسهم في دفع هذه النقابات إلى إنشاء مركز نقابي موازٍ لاتحاد نقابات عمال القطاع الحكومي وبالتالي للاتحاد العام لعمال الكويت هو “الاتحاد الوطني لعمال الكويت”. ولم تنجح جهود توحيد الحركة النقابية العمالية بفعل التزمت والحسابات الذاتية، ناهيك عما تعانيه نقابات هذا الاتحاد الموازي من مشكلات وعيوب مشابهة لما هو قائم في اتحاد نقابات القطاع الحكومي، بل ربما أسوأ.

ولكن هذا كله لم يمنع أن تكون للحركة النقابية العمالية مواقف مناهضة لنهج الخصخصة، مثلما برز في المعركة ضد قانون الخصخصة في ربيع 2010، وكذلك تنامي حركة مطلبية وعمالية واسعة صاحبها العديد من الإضرابات عن العمل في العام 2011، والأهم من ذلك هو الإضراب العمالي الكبير لعمال القطاع النفطي في أبريل 2016.

 

العمل النقابي العمالي بين نظرتين بيروقراطية ونضالية:

على ضوء التجربة التاريخية في الكويت للحركة النقابية العمالية، أو في معظم بلدان العالم، نجد أنّ هناك نظرتين متباينتين نحو العمل النقابي العمالي:

الأولى هي النظرة القاصرة، التي تركّز على الجانب الإداري البحت من العمل النقابي، مثل الاجتماعات والمكاتبات، ومع أنّ الجانب الإداري جزء من العمل النقابي بوصفه عملاً مؤسسياً، إلا أنه ليس الجزء الأهم، وبالتالي فإنّ التركيز على الجانب الإداري وحده يجعل الحركة النقابية العمالية مجرد مؤسسة بيروقراطية معزولة عن الطبقة العاملة وهمومها.

أما النظرة الأخرى، وهي التي نرى أنها هي الأصوب، فتتمثّل في الجمع بين الجانب الإداري، والتحرك اليومي في صفوف الطبقة العاملة والتعرف على همومهم واحتياجاتهم وقضاياهم، والعمل جذبهم إلى صفوف الحركة النقابية العمالية ولجانها، وهذا ما من شأنه تعزيز دور الحركة النقابية العمالية وتقوية جماهيريتها.

ومن هنا فإنه من أولى واجبات النقابيين العماليين تشخيص القضايا اليومية للعمال والتعرف على ظروف عملهم والوقوف على مشكلاتهم مثل: معدل الأجور – علاقة الإدارة بالعمال – مدى تطبيق قانون العمل – الاحتياجات- التدريب – العلاوات… إلخ، وبالتالي تحديد مطالبهم وطرحها.

وكذلك التعرف على المطالب العامة للعمال مثل: قوانين العمل وتضمينها حقوقاً أوسع – توسيع مظلة الضمان الاجتماعي – مشكلات التضخم والغلاء والإيجارات… إلخ.

 

اتجاهان خاطئان: 

ومن جانب آخر لمسنا عبر التجربة التاريخية للحركة النقابية العمالية في الكويت اتجاهان خاطئان للتعامل مع طبيعة دورها، علينا أن ننتبه إليهما ولا ننجر نحوهما:

الاتجاه الأول يدعو إلى ابتعاد الحركة النقابية العمالية عن القضايا السياسية العامة، ويعمل على عزلها عن الحركة الوطنية والديمقراطية والتقدمية تحت ذريعة “الاستقلالية”، ويحاول حصر نشاطها في الجانب الاقتصادي المطلبي الآني وحده، وهذا اتجاه يميني انتهازي تروّج له البرجوازية وتشجعه.

والاتجاه الآخر، يدفع نحو تحويل النقابات العمالية إلى منظمات سياسية على حساب دورها النقابي، بحيث يتم تحديد عضويتها في عمال من ذوي ميل سياسي معين، وهذا اتجاه انعزالي يساري ضار بالحركة النقابية العمالية.

ونحن عندما ننبّه إلى هذين الاتجاهين الخاطئين فإننا ندعو لأن تناضل النقابات في سبيل مطالب العمال، وفي الوقت ذاته أن يتم ربط هذه المطالب العمالية مع القضايا الوطنية والديمقراطية والاجتماعية العامة، مع التأكيد على أنّ استقلالية الحركة النقابية العمالية هي استقلاليتها تجاه تأثيرات السلطة والبرجوازية، وليس ابتعادها عن حزب الطبقة العاملة وانعزالها عن الحركة الوطنية والديمقراطية والتقدمية.

 

خطأ ابتعاد التقدميين عن العمل النقابي:

في حالات كثيرة تسيطر عناصر رجعية أو انتهازية من “الارستقراطية العمالية” أو عناصر طائفية أو قبلية على الحركة النقابية العمالية وتعمل على حرفها بعيداً عن خطها العمالي، وهذا ما نجده في واقع الحركة النقابية العمالية الكويتية اليوم، ولذلك تبرز دعوات للابتعاد عن مثل هذه “النقابات الرجعية” تحت ذريعة عدم جدوى العمل في صفوفها أو صعوبته.

وينبغي على حزب الطبقة العاملة أن يكون قريباً من الطبقة العاملة وأن يهتم بالعمل في صفوف النقابات العمالية القائمة، وذلك بغض النظر عن العناصر المسيطرة عليها أو ما يعتور الوضع النقابي العمالي من قصور وأخطاء وسلبيات وما نواجهه من مصاعب… فالنقابات العمالية هي التنظيمات الجماهيرية للطبقة العاملة، وهي المدرسة التي تعلم العمال القيادة والإدارة، ومن المهم أن نعمل في إطار النقابات العمالية لنكون قريبين من الطبقة العاملة ولنتعلم فيها مختلف أشكال النشاط.

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: