مقالان حول العدالة الاجتماعية للخبير الاقتصادي والاستشاري بمعهد التخطيط القومى (مصر) د.إبراهيم العيسوى.

by tayar-taqadomi on 22/11/2012

 

العدالة الاجتماعية: من شعار مبهم إلى مفهوم مدقق

 

العدالة الاجتماعية مطلب تبنته جميع الأحزاب المصرية، وأدرجته فى برامجها. ولهذا الأمر دلالتان. الدلالة الأولى هى أن الأحزاب كافة، لم يكن فى وسعها تجاهل مطلب رفعته ثورة يناير 2011 من أول يوم ضمن شعار «تغيير ــ حرية ــ عدالة اجتماعية».

وهذا المطلب ليس بعيدا عن شعار آخر رفعته الثورة وهو: «عيش ــ حرية ــ كرامة إنسانية». فلا عدالة اجتماعية بدون «العيش» الذى يرمز إلى التنمية وما توفره من متطلبات إشباع الحاجات الإنسانية، ولا كرامة إنسانية فى غياب العدالة الاجتماعية. كما أن ثمة صلة وثيقة بين العدالة والحرية على ما سيأتى بيانه.

الدلالة الثانية فهى أنه عندما تتبنى مطلب العدالة الاجتماعية أحزاب متباينة فى توجهاتها الاقتصادية وانحيازاتها الاجتماعية، فلا بد وأن لكل منها مفهوما مختلفا عن العدالة الاجتماعية، وإن كان نادرا ما يقدم بشكل صريح وغالبا ما يبقى مضمرا. ولا يخفى ما يمكن أن يثيره هذا الوضع من حيرة و التباس لدى الناس، حيث تبدو أحزاب كثيرة متشابهة ويصعب المفاضلة بينها على أسس موضوعية.

والحاصل الآن أن العدالة الاجتماعية أقرب إلى الشعار المبهم منها إلى المفهوم الواضح.ولذا تشتد الحاجة إلى إلقاء الضوء على معنى العدالة الاجتماعية، وعلى العلاقة بينها وبين عدد من المطالب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الأخرى. وإسهاما منى فى الوفاء بهذه الحاجة، سوف أبدأ بتقديم مفهوم موسع ومركب للعدالة الاجتماعية، يمكن أن تشتق منه مفاهيم فرعية متنوعة ومجموعات ضيقة أو واسعة من السياسات أو الإجراءات العملية، وذلك وفق التوجهات الاقتصادية والانحيازات الاجتماعية للأحزاب والقوى السياسية المختلفة.

العدالة الاجتماعية هى تلك الحالة التى ينتفى فيها الظلم والاستغلال والقهر والحرمان من الثروة أو السلطة أو من كليهما، والتى يغيب فيها الفقر والتهميش والإقصاء الاجتماعى وتنعدم فيها الفروق غير المقبولة اجتماعيا بين الأفراد والجماعات والأقاليم داخل الدولة، والتى يتمتع فيها الجميع بحقوق اقتصادية واجتماعية وسياسية وبيئية متساوية وحريات متكافئة ولا تجور فيها الأجيال الحاضرة على حقوق الأجيال المقبلة، والتى يعم فيها الشعور بالإنصاف والتكافل والتضامن والمشاركة الاجتماعية، والتى يتاح فيها لأفراد المجتمع فرص متكافئة لتنمية قدراتهم وملكاتهم ولإطلاق طاقاتهم من مكامنها ولحسن توظيف هذه القدرات والطاقات بما يوفر لهؤلاء الأفراد فرص الحراك الاجتماعى الصاعد، وبما يساعد المجتمع على النماء والتقدم المستدام، وهى أيضا الحالة التى لا يتعرض فيها المجتمع للاستغلال الاقتصادى وغيره من آثار التبعية لمجتمع أو مجتمعات أخرى، ويتمتع بالاستقلال والسيطرة الوطنية على القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ويحسن بنا التوقف عند عدد من عناصر هذا التعريف الواسع والمركب للعدالة الاجتماعية لإيضاح معانيها ومراميها وبيان بعض العلاقات المهمة التى تربط بينها. ومن أول ما يجب التوقف عنده العدالة الاجتماعية والمساواة والعلاقة بينهما. فكثيرا ما ينظر إلى العدالة الاجتماعية كمرادف للمساواة. ولكن يجب الانتباه إلى أن العدالة الاجتماعية لا تعنى المساواة الكاملة أو المطلقة، أى أنها لا تعنى مثلا التساوى الحسابى فى أنصبة أفراد المجتمع من الدخل أو الثروة. فمن الوارد أن تكون هناك فروق فى هذه الأنصبة، حيث تتواكب هذه الفروق مع الفروق الفردية بين الناس فى أمور كثيرة كالفروق فى الجهد المبذول فى الأعمال المختلفة وفيما تتطلبه من مهارة أو تأهيل علمى أو خبرة، وكذلك الفروق المرتبطة بالعمر (حيث تقل الاحتياجات الغذائية للطفل عن البالغ) أو المرتبطة بالحالة الصحية (فالمريض قد يحتاج موارد أكثر من السليم للصرف على علاجه).

  والأمر المهم هو أن تكون اللامساواة أى الفروق بين الناس فى الدخل أو الثروة أو فى غيرهما مقبولة اجتماعيا، بمعنى أنها تتحدد وفق معايير بعيدة عن الاستغلال والظلم ومتوافق عليها اجتماعيا. وحسب نظرية رولز الشهيرة عن العدالة، فإن اللامساواة الاقتصادية والاجتماعية يجب أن تنظم على نحو يجعلها تقدم للأفراد الأقل حظا فى المجتمع أكبر نفع ممكن من جهة، ويجعلها تتيح فى الوقت نفسه إمكانية الالتحاق بالوظائف والمواقع المختلفة أمام جميع الأفراد فى إطار من المساواة المنصفة فى الفرص من جهة أخرى. وعموما فإن العدالة الاجتماعية تعنى فى الأساس المساواة فى الحقوق والواجبات، والمساواة أو التكافؤ فى الفرص.

إن المساواة فى الحقوق تشير إلى أن فكرة العدالة الاجتماعية لا تنفصل عن فكرة حقوق الإنسان. فالعدالة الاجتماعية استحقاق أساسى للإنسان نابع من جدارته كإنسان بالتمتع بمجموعة من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وذلك على ما هو مقرر فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان وفى طائفة واسعة من العهود والمواثيق والاتفاقات الدولية كالعهد الدولى للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والاتفاقات الخاصة بحقوق الطفل والنساء والأقليات. كما أن فكرة العدالة الاجتماعية لا تنفصل عن مبدأ الوفاء بالحاجات الإنسانية للبشر. ذلك أن إنسانية الإنسان لا تكتمل، وكرامته لا تتحقق، ما لم يمكن من إشباع حاجاته الإنسانية. ولا يخفى أن هذا الربط بين العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وإشباع حاجاته يفرض على الدولة واجبات اقتصادية واجتماعية مهمة، حيث لا تقدر قوى السوق وحدها على الوفاء بمتطلبات المجتمع العادل.

وإذا انتقلنا من المساواة فى الحقوق إلى المساواة فى الواجبات فيجدر الانتباه إلى أن المساواة فى الواجبات ليست مطلقة. بل إنها مربوطة بمبدأ أساسى، وهو مبدأ القدرة، وذلك انطلاقا من القاعدة الأصولية التى تقرر أن «القدرة مناط التكليف». فأداء الضرائب مثلا واجب على المواطنين، ولكنه مشروط بقدرة المواطن على دفع الضرائب.

وعندما نربط بين العدالة والمساواة فى فرص الحصول على التعليم والرعاية الصحية والعمل اللائق والحراك الاجتماعى الصاعد والمشاركة السياسية وما إلى ذلك، فمن الضرورى أن تقترن المساواة فى الفرص بثلاثة شروط. أولها غياب التمييز بين المواطنين وإزالة كل ما يؤدى إليه من عوامل، وغياب ما يترتب على التمييز من نتائج سلبية كالتهميش والإقصاء الاجتماعى والحرمان من بعض الحقوق. وثانيها توفير الفرص، حيث لا معنى للحديث مثلا عن التكافؤ فى فرص العمل إذا كانت البطالة شائعة ومواطن الشغل غائبة. وهو ما يرتب التزاما على الدولة بوضع السياسات واتخاذ الإجراءات الكفيلة بتوفير فرص العمل. وثالثها تمكين الأفراد من الاستفادة من الفرص ومن التنافس على قدم المساواة من أجل نولها. فاغتنام الفرص قد يرتبط بتوافر قدرات معينة مثل مستوى تعليمى معين أو امتلاك أرض أو رأسمال. والمنافسة على الفرص سوف تفتقر إلى التكافؤ عندما تتسع الفروق فى القدرات بين المتنافسين. وهاهنا تظهر الحاجة إلى دور الدولة فى إتاحة التعليم والتدريب وإعادة التدريب والرعاية الصحية وغيرها من عوامل بناء القدرات وتنميتها.

لاحظ أن العدالة قد لا تتحقق حتى إذا تساوت الفرص وتحققت الشروط الثلاثة السابق ذكرها. فقد ينتج الاختلاف فى قدرات الأفراد وفى حظوظ أسرهم من الفقر أوالغنى ومن تدنى المكانة الاجتماعية أو علوها، فروقا واسعة فى العوائد أو النواتج تتجاوز ما يمكن اعتبارها فروقا مقبولة اجتماعيا. ومن هنا تظهر ضرورة تدخل الدولة بسياسات إعادة التوزيع لتقريب الفروق فى الدخل والثروة بين الطبقات حتى لا تؤدى هذه الفروق للإطاحة بمبدأ تكافؤ الفرص ذاته. ذلك أن المساواة فى الفرص شرط ضرورى للعدالة الاجتماعية، ولكنه شرط غير كاف لتحقيقها، ويلزم أن يضاف إليه شرط السعى المستمر لتضييق الفوارق فى توزيع الدخول والثروات ومن ثم الفوارق فى النفوذ السياسى.

د. إبراهيم العيسوى

صحيفة الشروق المصرية 1/10/2012

____________________________________________________

من العدالة الاجتماعية إلى التنمية الشاملة والمستدامة

 

انطلاقا من المفهوم الموسع والمركب للعدالة الاجتماعية الذى تناولته فى مقال سابق أحد عناصره وهو المساواة، وبينت علاقته بحقوق الإنسان وواجباته، وصلته بمفهوم تكافؤ الفرص، سوف أتناول الآن عددا من العناصر الأخرى للعدالة الاجتماعية وهى الحرية والنظام الاقتصادى  الاجتماعى والاستقلال، ثم أسلط الضوء على الأبعاد المشتركة بين العدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة والمستدامة.

تشكل الحرية المبدأ الأول فى نظرية رولز الشهيرة عن العدالة. ويمكن رصد ثلاثة أسباب لاعتبار الحرية من المكونات الرئيسية للعدالة الاجتماعية. أولها أن الحق فى الحرية هو حق من الحقوق الأساسية للإنسان التى لا تتم العدالة الاجتماعية فى غيابه. فلا عدالة اجتماعية بالمعنى الشامل إذا حرم الناس من الحرية، وذلك حتى إذا توافر لهم الخبز وبعض المزايا الاجتماعية. ومن هذه الزاوية فإن مفهوم «المستبد العادل» هو مفهوم مضلل لأنه ينطوى على الجمع بين متناقضات. وثانيها أن ثمة علاقة تبادلية بين العدالة الاجتماعية والحرية. فمن العدل أن يكون الناس أحرارا. وعندما يتمتع الناس بالحرية ويشاركون فى وضع القرارات التى تمس حياتهم يتحقق العدل. أما عندما يحرم الناس من حرية التعبير والتنظيم والتظاهر السلمى من أجل الارتقاء بأوضاعهم وتضييق الفوارق بين الطبقات، فإن هذه الفروق تميل للاتساع. وحينئذ تتهيأ الظروف لتزاوج السلطة والثروة، وهو ما يمكن الأغنياء من تسخير الديمقراطية الليبرالية لخدمة مصالحهم، وينذر بأخطار جسيمة على الحرية والديمقراطية.

أما السبب الثالث لاعتبار الحرية من مكونات العدالة الاجتماعية فهو فهم التنمية الإنسانية على أنها حرية، كما يقول أمارتيا سن. فالتنمية الإنسانية معنية بزيادة وتحسين القدرات البشرية. وتوسيع الحريات هو فى الحقيقة توسيع للقدرات. وهذا ما تتطلب العدالة الاجتماعية تحقيقه، وذلك بحسبان امتلاك القدرات شرط للاستفادة من الفرص المتاحة وللتكافؤ فى التنافس على الفرص.

 وثمة صلة وثيقة بين العدالة الاجتماعية والنظام الاقتصادى  الاجتماعى للدولة، أساسها النمط السائد لملكية وسائل الإنتاج. ففى النظام الرأسمالى الذى يتميز بالملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، لابد وأن تنشأ فروق واسعة فى توزيع الدخل والثروة بين الطبقات المالكة التى يؤرقها الخوف من العدل والطبقات المحرومة من ملكية وسائل الإنتاج التى يحرقها الشوق إلى العدل. وهذه الفروق لا تعود إلى الفوارق بين الأفراد فى القدرات والملكات وما يستتبعها من فروق فى الأداء والإنجاز فحسب، وإنما تعزى بصفة أساسية إلى تركز الثروة فى طبقة قد لا تشكل سوى نسبة ضئيلة من السكان، وإلى توارث هذه الثروة ومعها المكانة والنفوذ من جيل إلى جيل فى هذه الطبقة. وانفراد طبقة ما بملكية وسائل الإنتاج يؤدى إلى ظاهرة الاستغلال الرأسمالى القائم على العمل المأجور، كما يؤدى إلى غيرها من صور الاستغلال التى قد ترتبط بالاحتكار أو بالمضاربات العقارية والمالية وغير ذلك من الأنشطة الطفيلية.

وعلى الإجمال فإن هناك تناقضا جوهريا بين خصائص المجتمع العادل وخصائص المجتمع الرأسمالى. ولذا تغيب فى هذا المجتمع إمكانية تحقيق العدالة الاجتماعية بالمعنى الموسع والشامل. وحتى عندما يتحقق بعض التحسن فى توزيع الدخل وينخفض الفقر وتنشأ شبكات للحماية الاجتماعية، فإن مفعول هذه الإجراءات غالبا ما يكون وقتيا، ولا تلبث أن تعود الأوضاع إلى سيرتها الأولى عندما يواجه النظام الرأسمالى أزمة. وما أكثر ما يتعرض له من أزمات، كان آخرها أزمة 2008 التى ما زال العالم يعانى توابعها، والتى يعد الاتساع الكبير فى الفوارق فى توزيع الدخل والثروة من أسبابها الرئيسية.

وخير دليل على عدم قابلية إجراءات العدالة الاجتماعية للاستدامة فى المجتمعات الرأسمالية هو انهيار دولة الرفاه التى عرفتها بعض هذه المجتمعات بعد الحرب العالمية الثانية، التى كانت تقدم كبرهان على إمكانية الجمع بين اقتصاد السوق الرأسمالى والعدالة الاجتماعية. فقد تم التراجع عن كثير من إجراءات دولة الرفاه منذ أواخر السبعينيات من القرن العشرين، حيث أخذ الرأسماليون فى التذمر مما تفرضه دولة الرفاه عليهم من أعباء ضريبية تنتقص من أرباحهم. وتصدرت الليبرالية الاقتصادية الجديدة  توافق واشنطون المشهد الاقتصادى والاجتماعى، وعادت التفاوتات فى توزيع الدخل والثروة للتضخم فى سياق العولمة الظالمة. وقد وضعت الأزمة المالية والاقتصادية الأخيرة العالم أمام الخيار الكبير بين استمرار نظام رأسمالى يجعل إثراء القلة مرهونا بإفقار الكثرة، ولا يتوقف عن التعرض للأزمات التى تلقى بالكثير من الأعباء على الطبقة العاملة وقطاع كبير من الطبقة الوسطى، وبين التحول إلى نظام اشتراكى ديمقراطى يفتح أوسع الأبواب أمام تحقيق العدالة الاجتماعية بمفهومها الواسع.

وإذا كان تحقيق العدالة الاجتماعية يقتضى التحرر من الاستغلال فى الداخل، فإنه يقتضى أيضا التحرر من الاستغلال من الخارج الذى هو أحد مظاهر التبعية. ومن ثم فإن تحقيق العدالة الاجتماعية بالمعنى الواسع يستلزم تحرير الإرادة الوطنية من قيود التبعية، وبسط السيطرة الوطنية على مختلف القرارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

لعله قد تبين مما تقدم أن العدالة الاجتماعية مفهوم واسع ومركب حقا، وأن له أبعادا متعددة يمكن اختزالها فى ثمانية أبعاد. أولها البعد الاقتصادى المتعلق بمدى اشتراك أفراد المجتمع فى العملية الإنتاجية وفى جنى ثمارها. وهو ما يقود إلى قضية المساواة فى الفرص والحقوق الاقتصادية فى مجال العمل وملكية وسائل الإنتاج والحصول على الخدمات والمعلومات دون تمييز، وكذلك قضية إعادة التوزيع. وثانيها البعد الاجتماعى الذى يتصل بمشكلات التمييز والحرمان والفقر والإقصاء الاجتماعى، وما تستوجبه معالجتها من سياسات لتمكين الطبقات المحرومة من تحسين أوضاعها على نحو مستدام. وثالثها البعد البشرى الذى ينصب على مسألة الوفاء بحقوق الإنسان وحاجاته، ومسألة تكافؤ الفرص أمام الجميع لتنمية قدراتهم وتوسيع حرياتهم. ورابعها البعد الطبقى الذى يتأتى من العلاقة الوثيقة بين النظام الاقتصادى  الاجتماعى وبين العدالة الاجتماعية، والذى يطرح قضية الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج وما يترتب عليها من لا مساواة هيكلية.

وخامس أبعاد العدالة الاجتماعية هو البعد الإقليمى المتصل بالتفاوتات فى توزيع الموارد والدخل القومى بين أقاليم الدولة، والمتعلق من ثم بدور السياسات العامة فى توسيع هذه التفاوتات أو تقليصها. أما البعد السادس فهو البعد الجيلى الذى يتصل بالعدالة بين الأجيال الحاضرة والأجيال المقبلة ليس فقط فى توزيع الموارد الطبيعية وتحمل كلفة التلوث، ولكن أيضا فى تحمل أعباء الدين العام. والبعد السابع هو البعد السياسى والمؤسسى الذى يتصل بقضايا الحريات والحقوق السياسية والتمكين السياسى من خلال مؤسسات تكفل المشاركة الشعبية فى صنع القرارات الوطنية. وأخيرا نأتى إلى البعد الثامن للعدالة الاجتماعية وهو البعد الخارجى المتعلق بنوعية العلاقات التى تنشأ بين الدولة والدول الأخرى، ومدى ما تتسم به من تكافؤ أو استغلال أو هيمنة، لاسيما فى إطار النظام الرأسمالى العالمى والعولمة الظالمة.

وعندما نأخذ بهذا التعريف المتعدد الأبعاد للعدالة الاجتماعية فى دولة مثل مصر، قضيتها الأساسية هى الفكاك من التخلف والتبعية وتحقيق تنمية شاملة ومستدامة ومستقلة، وعندما نتعامل مع الاستدامة على أنها ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية ومؤسسية إلى جانب الأبعاد البيئية، فإننا سنجد ترابطا وثيقا بين أبعاد العدالة الاجتماعية وأبعاد التنمية المستدامة. فالبدء بالعدالة ينتهى بنا إلى ضرورة مراعاة قابلية النمو والتنمية للاستدامة، والبدء باستدامة التنمية ينتهى بنا إلى ضرورة مراعاة العدالة. ولذا فليس من المجدى مقاربة العدالة الاجتماعية بعدد من الإجراءات المحدودة التى لا تغير المجرى العام للتنمية فى اتجاه تنمية شاملة، مستقلة ومستدامة.

د. إبراهيم العيسوى

صحيفة الشروق المصرية 8/10/2012

Print Friendly
Share

Previous post:

Next post: