مرزوق النصف: نقد السياسات الاقتصادية لتاتشر.

by tayar-taqadomi on 25/04/2013

مرزوق النصفأثارت وفاة رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر جدلا حول سياساتها الاقتصادية، ليس على المستوى الشعبي فحسب بل على مستوى المتخصصين أيضا، وتلك السياسات الاقتصادية تتعرض اليوم للتقييم في عدد من التقارير الدولية، منها «تقرير التنمية البشرية 2013» الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) في مارس 2013، والذي نال صدى في الإعلام المحلي، و»تقرير التجارة والتنمية» الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (UNCTAD) في سبتمبر 2012، والتقريران من أهم التقارير الاقتصادية الدورية التي تصدر عن الأمم المتحدة.
لكن قبل عرض انتقادات التقريرين من الأفضل شرح سياسات تاتشر أولا، وهي سياسات يتبناها اليمين المحافظ في الغرب، وتقوم على الخصخصة وإطلاق قوى السوق وإضعاف الاتحادات العمالية وتقليص الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدولة وتخفيض الضرائب على الفئات الأغنى والارتباط برأس المال الأجنبي، ضمن سياسات أخرى.
وقد قاتلت تاتشر – حرفيا – وبقوة لفرض هذه السياسات أثناء أثناء رئاستها للوزراء 1979-1990، وكانت المعركة الحاسمة ضد أحد أقوى الاتحادات العمالية في بريطانيا، الاتحاد الوطني لعمال المناجم، والذي أضرب لعام كامل من مارس 1984 إلى مارس 1985، وتمت مواجهته بقوة الشرطة حتى نجحت تاتشر في فضه دون تحقيق مطالب العمال، فثبّتت بذلك سطوة سياساتها الاقتصادية.
هذه السياسات تعرف بـ«النيوليبرالية» أو «الليبرالية الجديدة» ضمن تسميات أخرى، لكونها تجديدا للمدرسة الاقتصادية الليبرالية التي كانت دارجة في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وقد صارت بعد نحو ثلاثين عاما من إطلاقها محل انتقاد الأمم المتحدة، والمحتوى العام لهذه الانتقاد أن النيوليبرالية قد لا تؤدي للتطور الاقتصادي، بل قد تكون لها آثار سلبية، من ضمنها زيادة التفاوت الطبقي وإضعاف الاستقرار الاقتصادي عبر انفلات القطاع المالي وهيمنته على القطاعات المنتجة مثل الصناعة والزراعة وغيرهما.
فمثلا يشير «تقرير التنمية البشرية 2013» إلى أن البلدان التي نجحت مؤخرا في التنمية «كثيرا ما تخلت عن النهج المحدد مسبقا وإملاءات النهج المتبعة، ونأت بنفسها عن الوصفات العمومية المفروضة من مصدر واحد، وابتعدت عن نهج رفع الضوابط المطلق ]عن الأسواق[ الذي نادى به توافق آراء واشنطن»، في إشارة إلى السياسات النيوليبرالية التي تدعمها واشنطن حول العالم، بتعاون من مؤسسات دولية على رأسها صندوق النقد الدولي، والذي يعنيه التقرير على الأرجح عند الحديث عن «الوصفات» و«الإملاءات»، وهي التي ينصح بها أو يشترطها الصندوق عندما يتعامل مع الدول، ويشدد التقرير في موقع آخر على أنه «لابد من التزام الحكومات بالعدالة الاجتماعية، والتخلي عن السياسات التكنوقراطية التي تنطلق من مبدأ تطبيق النهج الواحد على الجميع، لأنها بعيدة عن الواقع وتفتقر إلى الفعالية،» في إشارة سلبية أخرى للنيوليبرالية لإهمالها العدالة الاجتماعية.
أما «تقرير التجارة والتنمية 2012» فأكثر تفصيلا في نقده، وينتقد مفردات مثل «الإصلاحات الهيكلية»، التي يستخدمها صندوق النقد الدولي كناية عن السياسات النيوليبرالية التي يتبناها، حيث يقول التقرير ان «كثيرا جدا ما تكون تلك الإصلاحات مجرد صيغة مهذبة لتحرير سوق العمل، بما في ذلك تخفيض الأجور، وإضعاف القدرة على التفاوض الجماعي، واتساع الفوارق بين الأجور في مختلف القطاعات والشركات»، ويستمر التقرير في توثيق التفاوت الطبقي الذي ينسبه للنيوليبرالية، حيث يزعم أن معامل جيني الذي يقيس التفاوت في الدخل بين فئات المجتمع قد ارتفع في الفترة النيوليبرالية 1980-2000 في 15 دولة متقدمة من أصل 22، أي نحو 68 في المئة من الدول المتقدمة، ويضيف التقرير أن الدول النامية كذلك شهدت زيادة عامة في التفاوت في الدخل.
في المقابل يقدم التقريران برنامجا عاما بديلا للتنمية يناقض المدرسة النيوليبرالية، ويشمل هذا البرنامج زيادة الاستثمارات العامة والكفاءة في الخدمات العامة، وعلى رأسها الصحة والتعليم، مع ضمانها لجميع فئات المجتمع، ويدعو للاهتمام بالعدالة الاجتماعية مع ما قد يتطلبه ذلك من ضمان الدولة لحسن توزيع الثروة، وفرض ضرائب تصاعدية على الدخل، وضبط التجارة الخارجية وتنقل رؤوس الأموال لمنع ارتفاع البطالة وبما يضمن استقرار الاقتصاد الكلي، إضافة لسياسات أخرى، وهي سياسات أقرب للمدرسة الكينزية ولليسار، ويجري تطبيق تنويعات عليها في أميركا اللاتينية حاليا. وعموما يوجد ملخصان للتقريرين باللغة العربية على الإنترنت للاطلاع الأوسع.
وختاما ليس الغرض من هذا المقال الهجوم على مدرسة اقتصادية معينة، إنما دعوة للاهتمام بالتطورات الدائرة في الفكر الاقتصادي في العالم، خصوصا وان الكويت تحاول السير في خط مسار تنموي، علما بأن النيوليبرالية وانتقاداتها لا تنطبق بالضرورة وبشكل مباشر على الكويت.

مرزوق النصف

باحث اقتصادي

منقول عن جريدة الجريدة تاريخ 24/04/2013

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: