مرزوق النصف:الإكوادور..بديل اقتصادي حي عن النيوليبرالية

by tayar-taqadomi on 28/04/2013

4973896233_7fa7f0745b_b

أجريت في 17 فبراير 2013 الانتخابات الرئاسية في الإكوادور، وفاز فيها الرئيس اليساري رافييل كورييا للمرة الثالثة على التوالي وبفارق كبير بلغ نحو 30 نقطة مئوية عن أقرب منافس له، مما يعني تجديدا للرئيس لمدة أربع سنوات تضاف لحكمه المستمر منذ 2007. وكورييا أول رئيس إكوادوري تتم إعادة انتخابه لأكثر من فترة رئاسية منذ 1968، وبقاؤه في الرئاسة يعني استمرارا لمشروع بناء اشتراكية القرن الواحد والعشرين في أميركا اللاتينية، والذي تشترك فيه الإكوادور إلى جانب فنزويلا بقيادة هوغو تشافيز وبوليفيا بقيادو إيفو موراليس، بدعم طبعا من كوبا.

أحد الجوانب المثيرة في نتيجة الانتخابات الإكوادورية أن الدولة تشهد تجربة اقتصادية تمثل بديلا عن النيوليبرالية، أو نموذج التنمية القائم على تسليم زمام الاقتصاد للقطاع الخاص وتقليل الإنفاق العام وتخفيف الضوابط عن قوى السوق وفتح الاقتصاد أمام الاستثمار والمنافسة الأجنبيين، ولعل أول ما يلفت النظر في تجربة الإكوادور رئيسها، والذي يحمل شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة إيلينوي الأميركية، والاقتصاد كمجال أكاديمي يعتبر من الحصون الفكرية للنيوليبرالية، إلا أن الاقتصادي كورييا حافظ على استقلاليته الفكرية، بل جهر باشتراكيته وشرع بالاسترشاد بها ما إن تولى الرئاسة منذ نحو ست سنوات.

ويمكن تقييم أداء الإكوادور الاقتصادي في عهد الرئيس كورييا بالاستناد إلى دراسة مهمة صدرت مؤخرا بعنوان “التوافق الجديد في الإكوادور Ecuador’s New Deal”، صادرة عن “مركز البحوث الاقتصادية والسياسية” في واشنطن دي سي، وهو مركز أبحاث تقدمي يقوم عليه الاقتصاديان الأميركيان د. دين بيكر ود. مارك وايسبروت، وترصد الدراسة مؤشرات عديدة لأداء الاقتصاد الإكوادوري، واستنتاجها العام أن السياسات المناقضة للنيوليبرالية تنجح في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والرفاه الاجتماعي ويمكن ان تنقذ الدولة بأقل الخسائر من أزمة الرأسمالية العالمية المستمرة منذ 2008.

وفي التفاصيل حققت الإكوادور معدل بطالة بنحو 4.1% في الربع الثالث من 2012، وهو أدنى معدل في تاريخ إحصاءاتها، وانخفض معدل الفقر ما بين 2006 و2012 بنحو 27% ليبلغ 27.3%، وارتفع الإنفاق العام على التعليم بنحو الضعف، وهذا كله في خضم أزمة اقتصادية عالمية لا تزال تنتج بطالة بنحو 7.9% في الولايات المتحدة و 26.1% في اسبانيا، الأعلى في تاريخ إحصاءات اسبانيا، بينما ضربت معدلات الفقر أرقاما قياسية، ومن ضمنها في الولايات المتحدة التي تضم نحو 46 مليون فقير اعتبارا من 2010، أي نحو 15% من سكانها، وهي أعلى نسبة منذ بدأت الحكومة الأميركية في تجميع إحصاءات عن الفقر حوالي عام 1963.

صحيح أن الإكوادور دولة نفطية إلا أن ذلك لم يضمن لها مجتمعا غنيا أو مستقرا، بل شملها وباء دول الجنوب المتمثل بالفساد وسوء الإدارة وضعف الديمقراطية والخضوع للاملاءات السياسية والاقتصادية للقوى الكبرى، مما أدى لانهيار الاقتصاد أواخر تسعينات القرن الماضي لدرجة حدت بالحكومة للتخلي عن عملتها الوطنية وتبني الدولار الأميركي كعملة رسمية للدولة، ولم يعد الاقتصاد للاستقرار والانتعاش إلا مع النهج اليساري الجديد، علما بأن في عهد كورييا لم يأت الإنفاق العام على الخدمات العامة وتخفيض الفقر والبطالة على حساب ملاءة الميزانية العامة، فالديّن العام يمثل نحو 25% فقط قياسا على الناتج المحلي الإجمالي، وتكاليف فوائده لا تتجاوز 1% قياسا على الناتج المحلي الإجمالي.

وقد قامت الإكوادور كذلك بتبني عدد من السياسات المتعلقة بالقطاع المصرفي والمالي والمتعارضة مع “نصائح” صندوق النقد الدولي وأمثاله النيوليبرالية، حيث فرضت تحول البنك المركزي من مؤسسة محرمة على القرار الديمقراطي إلى جزء من الحكومة المنتخبة لتضمن توافق السياستين المالية والنقدية، وفعلا ساعد ذلك في خفض معدل الفائدة الحقيقي (أي بعد إزالة أثر التضخم) من نحو 8.28% عام 2007 إلى نحو 3.85% حاليا، مما ساهم في إنعاش الاستثمار والإنفاق، كما تم إنشاء وزارة جديدة للتخطيط الاقتصادي، كذلك حرصت السياسة الحكومية على تشجيع التعاونيات القائمة على قيم التضامن، مما رفع نسبة القروض الممنوحة لهذه المؤسسات الشعبية من نحو 11.1% عام 2007 قياسا على قروض البنوك الخاصة إلى نحو 19.6% عام 2012.

وبالنسبة للتعامل مع التبعات المباشرة لأزمة الرأسمالية العالمية فقد رفضت الإكوادور أيضا التسليم بالقدر النيوليبرالي، فشرعت في تحصين اقتصادها من الانهيار العالمي عن طريق إلزام البنوك بالاحتفاظ بنحو 45% من أصولها السائلة محليا ابتداء من 2009، أي أنها ضمنت بقاء سيولة كافية لتدعيم الاقتصاد المحلي وكبح طمع المستثمرين، وفرضت ضريبة على رؤوس الأموال المغادرة تصل لنحو 5%، مما مثل مصدرا لدخل الحكومة ارتفع من 1% من إيرادات الميزانية العامة عام 2008 إلى نحو 10% عام 2012، مما سمح للحكومة بصد تداعيات الأزمة العالمية عن طريق زيادة الإنفاق العام عام 2009 بنحو 5% قياسا على الناتج المحلي الإجمالي، مما ساعد الاقتصاد الإكوادوري على استعادة حجم ما قبل أزمة 2008 في غضون سنة وثلاثة أرباع السنة، بينما استغرق الإنجاز ذاته نحو أربع سنوات في الولايات المتحدة.

وليست الإكوادور الدولة الوحيدة التي نجحت في النجاة من أزمة الرأسمالية العالمية عبر التخلي عن النيوليبرالية ومضامينها التي تشمل “التقشف”، وهي كلمة تعني فعليا إجبار الفقراء على دفع ثمن أزمة لم يتسببوا بها، بل إن دولا مثل آيسلند كانت بؤرة صغيرة لكن مركزية في الأزمة، ومع ذلك نجحت في انتشال اقتصادها عن طريق دعم الاقتصاد الوطني في مواجهة الدائنين الخارجيين، وفرض قيود على تصدير رأس المال، وملاحقة المصرفيين والسياسيين المسؤولين عن الأزمة، وتخفيض سعر صرف العملة لتشجيع التصدير، وهي سياسات خارجة عن القاموس النيوليبرالي، ما حمل رئيس بعثة صندوق النقد الدولي لآيسلند على الاعتراف: “قياسا على عمق الأزمة أواخر 2008 فإن تعافي آيسلند مثير للإعجاب”، وهو ما لم يمكن قوله بشأن الدول التي تُفرض عليها “توصيات” الصندوق في أوروبا الآن.

تبقى أمام الإكوادور تحديات اقتصادية ليس من الواضح ما إذا كان نهج كورييا سيعينه في معالجتها، ومن ذلك تنويع مصادر الدخل بعيدا عن النفط، وهو السلعة المعروفة بتقلبات أسعارها بحيث تؤثر على إنفاق الدولة والنشاطات الاقتصادية الخاصة المرتبطة بها، علما بأن تنويع مصادر الدخل قد يتطلب الاستعانة بخبرات ورؤوس أمول أجنبية بكميات معتبرة في حال فشل التنويع عبر الاعتماد على الموارد الوطنية، كذلك مسألة الحفاظ على الديمقراطية السياسية خلال ولاية كورييا الثالثة والقدرة على إبراز قيادات جديدة، بأمل التغلب على عقدة اليسار التاريخية مع الديمقراطية.

للإكوادور خلال عهد كورييا إنجازات غير اقتصادية أيضا، فقد نجحت الحكومة في تحجيم سيطرة البنوك على الإعلام المحلي، علما بأن بعض منتقدي الرئيس كورييا يرون أن التدخل في ملكية الإعلام قد تجاوز حدود المشروع وبات قيدا، كما ينتقدون ضيق صدر الرئيس بمنتقديه من الإعلام المعارض وعدم استعداده للحوار معهم.

وعلى الصعيد الدولي خاض الرئيس كورييا مواجهة دبلوماسية مع الحضور العسكري في بلده بحجة الدفاع عن حقوق الإكوادور بالمعاملة بالمثل، فعام 2008 وكشرط لبقاء قاعدة أميركية في الإكوادور اشترط الرئيس كورييا قبول الولايات المتحدة إقامة قاعدة عسكرية للإكوادور في ميامي! رفض الأميركيون طبعا فلفظتهم الإكوادور.

وأضافت الإكوادور بريطانيا لقائمة التحدي إلى جانب الولايات المتحدة عبر السماح لمؤسس موقع ويكيليكس جوليان أسانج باللجوء لسفاراتها في بريطانيا بعد صدور أحكام قضائية بترحيله للسويد، والتي قد ترحله بدورها للولايات المتحدة، وتلك الأخيرة قد ترحله لمصير مشؤوم، ولا يزال أسانج لائذا بالسفارة منذ ثمانية شهور.

في لقاء للرئيس الإكوادوري مع المخرج اليساري الأميركي أوليفر ستون في الفيلم الوثائقي “جنوب الحدود South of the Border” (2009)، يسأله الأميركي عن سبب تصويره للعامة كجزء من اليسار الشرير، فيرد الرئيس متهكما على تحيزات الإعلام الأميركي: “بحسب معرفتي بالإعلام في أميركا الشمالية فإني سأكون أكثر قلقا لو أنهم امتدحوني!”

مرزوق النصف

باحث اقتصادي

منقول عن موقع المنشور تاريخ 23/04/2013

Print Friendly
Share

Previous post:

Next post: