كلمة الدكتور حمد الأنصاري في المهرجان الخطابي: القدس القلب النابض للأمة العربية

by Altaqadomia on 17/12/2017

بادئ ذي بدء لابد من القول إنّ قرار الولايات المتحدة الأميركية نقل سفارتها لدى الكيان الصهيوني إلى القدس المحتلة لتثبيت الاعتراف بها كعاصمة لذلك الكيان، إنما جاء ليؤكد أن الإمبريالية الأميركية هي الداعم الأساسي للكيان الصهيوني وللاحتلال، وتحديداً احتلال القدس.
ولا شكل في أن هذا القرار الوقح يمثل عدواناً على الشعب العربي الفلسطيني وقضيته العادلة، بل هو عدوان على الشعوب العربية جمعاء، في وقت يتضح فيه بالملموس تواطؤ الأنظمة العربية الحاكمة.
وفي كلمتي سأركز على محورين:
الأول تاريخي
والآخر يتصل بالقانون الدولي.

فمن الناحية التاريخية فإن عمر مدينة القدس يبلغ خمسين قرناً، حيث أقام نواتها الأولى اليبوسيون وهم من الجزيرة العربية، ممن نزحوا مع مَنْ نزح من القبائل الكنعانية حوالي سنة 2500 ق.م.
وحين احتل الكيان الصهيوني الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية خلال حرب يونيو/ حزيران عام 1967 بادر إلى الإعلان عن ضمها إليها وتصميمها على أن تكون العاصمة الموحدة لذلك الكيان الغاصب المحتل، وهو ما يرفضه المجتمع الدولي، بما في ذلك الإدارات الأميركية المتعاقبة.
وحين أقرّ الكنيست الصهيوني في العام 1980، قانوناً بإعلان القدس عاصمة له، أصدر مجلس الأمن الدولي قرارين، الأول يحمل رقم 476 والثاني يحمل رقم 478 سنة 1980 أكدَّ فيهما أن ذلك مخالف للقانون الدولي، وليس من شأنه أن يمنع استمرار سريان اتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949 على الجزء الشرقي من القدس، كما ويفترض أن تكون المدينة ضمن محافظة القدس التابعة لدولة فلسطين.
وإذا انتقلت إلى الجانب المتصل بالقانون الدولي لمدينة القدس المحتلة، فإنّ ما تعرضت وتتعرض له القدس سواء من جانب الكيان الصهيوني المحتل أو من الولايات المتحدة الأميركية الداعمة له، يمثّل انتهاكات صارخة لقواعد القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، وسأستند هنا إلى دراسة قيمة في هذا المجال للدكتور محمد الشلالدة، أوضح فيها:
الانتهاك الأول للقانون الولي، إن القرار الأميركي يُعتبر اعترافا من واشنطن بأن القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وهذا تجسيد وتكريس للقانون الصهيوني القائل بأن القدس – بشطريها الغربي والشرقي- موحدة بصفتها عاصمة أبدية لذلك الكيان.
والانتهاك الثاني للقانون الدولي إن القرار الأميركي يعتبر مخالفاً لميثاق الأمم المتحدة الذي يحرم احتلال أراضي الغير بالقوة، بل ويحرم الميثاق مجرد التهديد باستخدام القوة في العلاقات الدولية.
والانتهاك الثالث للقانون الدولي أن القرار الأميركي يعتبر مخالفا لقرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1947، والقاضي بقيام دولتين (يهودية وفلسطينية) ومنح القدس وضعاً قانونياً خاصاً تحت وصاية الأمم المتحدة.
والانتهاك الرابع للقانون الدولي أن القرار الأميركي مخالف لقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، علما بأن هناك العديد من القرارات التي تخص القدس كأرض عربية محتلة، وتنص على تحريم وإبطال الإجراءات التي تتخذها دولة إسرائيل بشأن القدس. ومن بين تلك القرارات:
– قرار رقم 2253 الصادر عام 1967 عن الجمعية العامة، والذي ينص على دعوة إسرائيل إلى إلغاء التدابير المتخذة لتغيير وضع مدينة القدس.
– قرار مجلس الأمن بتاريخ 25 سبتمبر/أيلول 1971 الذي يقول: “يؤكد المجلس -بأبسط وأوضح صورة ممكنة- أن كل الإجراءات التشريعية والدستورية التي تتخذها إسرائيل لتغيير معالم المدينة، بما في ذلك مصادرة الأراضي ونقل السكان، وإصدار التشريعات التي تؤدي إلى ضم الجزء المحتل من المدينة إلى إسرائيل؛ كل ذلك باطل ولا أثر له، ولا يمكن أن يغير وضع المدينة”.
– قرار رقم 50/22 (ألف، باء) الصادر بتاريخ 4 ديسمبر/كانون الأول 1995 عن الجمعية العامة، والمتضمن “شجب انتقال البعثات الدبلوماسية إلى القدس، وإعادة تأكيد معاهدتيْ لاهاي وجنيف على الجولان السوري”.
والانتهاك الخامس للقانون الدولي: إن الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني يعني الإبقاء على الوضع الراهن القائم على الاحتلال، وتوحيد المدينة تحت السيادة الصهيونية تنفيذا لقرار ضم المدينة الصادر عن الكنيست الصهيوني والإقرار بضم الأراضي بالقوة؛ وهو أمر يناقض مبادئ جواز اكتساب الأقاليم عن طريق الحرب.

والانتهاك السادس للقانون الدولي: إن القرار الأميركي يخالف الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ويحُول دون تمكينه من حق تقرير المصير بإقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس. وهذا الموقف يعتبر حالة من حالات انتهاك قواعد القانون الدولي، وينبغي أن تتكاتف جميع الجهود الدولية -في الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية- لوقفه.
هذا غيض من فيض من انتهاكات الصهاينة وحماتهم الأميركان للقانون الدولي في شأن القدس المحتلة، إن كان هناك قانون دولي وإن كان هناك مَنْ يمكن أن يحترم القانون الدولي!

ختاماً، طال الزمان أو قصر فسيأتي ذلك اليوم الذي سيكنس فيه الشعب العربي الفلسطيني ومقاومته الوطنية رجس الاحتلال ويقيم دولته الحرة المستقلة وعاصمتها القدس بدعم من الشعوب العربية التي ستنال حريتها، مثلما كنس الشعب في جنوب أفريقيا النظام العنصري البائد، وستكنس البشرية الصهيونية وتلقي بها في مزبلة التاريخ مثلما سبق أن كنست البشرية قبل ذلك الفاشية والنازية.

عاشت فلسطين عربية… وستبقى قدسنا عربية.

 

كلمة الدكتور حمد الأنصاري
في المهرجان الخطابي: القدس القلب النابض للأمة العربية
الذي نظمه ” ملتقى كلمة” في مقر الجمعية الثقافية الاجتماعية النسائية – الأحد 17 ديسمبر 2017

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: