قرد مع القردة!‬

by altaqadomia on 20/08/2018

سقطت غرناطة آخيرا… صمدت طويلا وما كان لها أن تصمد أكثر. كانت آخر معاقل التعايش الديني والعرقي المتسامح في ‬أوربا خلال القرون الوسطى.

لم يكن الأمر مثاليا بالطبع، ولكن قد تكون تلك الحقبة هي المثال الأبرز على إمكانية تعايش أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث إذا ما توفر قدر معقول من الحرية والتسامح. لكن سقط ذلك كله بسقوط غرناطة في قبضة التعصب الكاثوليكي عام 1492م.

 


كانت الكنيسة قد استشعرت ذلك مبكرا، فأعلنت إنشاء “محاكم التفتيش” بذريعة حماية الدين المسيحي، بينما كان الهدف الحقيقي هو استثمار ذلك الانتصار العظيم من أجل اجتثاث كل ما هو غير مسيحي. وبطبيعة الحال كان العرب هم الهدف الأول ثم اليهود.
وفي سبيل ذلك قُتِل وحُرق عشرات الآلاف من البشر، وطُمِست وأُبيدت كل المعالم الثقافية والحضارية الاسلامية واستُبدلت بأخرى مسيحية.
بلغت الهمجية الأوربية أوجّها عندما أجبرت غير المسيحيين على اختيار أحد أمرين؛
التنصّر الفوري أو التهجير القسري من البلاد!
فضّل الأغلبية الحفاظ على ديانتهم، فتمت مصادرة كافة ممتلكاتهم ثم جرى تهجيرهم إلى شمال أفريقيا والشام. أما من بقي في الأندلس فقد تم تنصيرهم واستبدال أسمائهم بأسماء مسيحية وتم منعهم من التحدث بغير اللغة الإسبانية حتى داخل بيوتهم، ومن يخالف ذلك سيعاقب بقسوة مفرطة قد تصل للحرق حيا.
رضخ العرب واليهود للأمر الواقع، وعاشوا مكرهين تحت الاضطهاد الديني. وكان من بين هؤلاء أجداد الفيلسوف اليهودي البائس أريل دا كوستا..
وُلِد دا كوستا، في البرتغال، عام 1585م لأبوين مسيحيين في العلن؛ يهوديين في السر.
فنشأ يهوديا داخل المنزل ومسيحيا خارجه. وعندما أصبح شابا، قرر مغادرة البرتغال، ولكن إلى أين؟!
كانت أوربا، آنذاك، تعيش حالة سعار ديني دموي لم يسبق له مثيل. كانت كل ممالكها ودولها تنضح كراهية وقمعا ودما.
لم تكن الكراهية المسيحية تستهدف غير المسيحيين فقط، فالكنيسة الكاثوليكية كانت مشغولة، آنذاك، بعدو جديد خرج من رحم المسيحية وهدّد مكانتها، وهو البروتستانتية التي أسسها رجل الدين الألماني”مارتن لوثر” عام1517م واستمدت اسمها(Protestant) من طريقتها في التعبير عن نفسها عبر الاحتجاج (protest). فكان منهجها منذ نشأتها يقوم على الاحتجاج ضد ممارسات الكنيسة الكاثوليكية التي سامت المسيحيين القهر والجوع والفقر، مقابل وعود غيبية بدخول الجنّة.
طالب البروتستانتيون الكنيسة بنزع القدسية عن رجال الدين وكف أيديهم عن التدخل في حياة الناس. كما اتهموا الكنيسة بتزوير التاريخ المسيحي بما يخدم مصالح رجال الدين وحلفائهم من الأسر الحاكمة وطبقة النبلاء والأغنياء.


كانت هذه المطالب مستحقة وعادلة وتعبّر عن حقيقة المعاناة التي يعيشها المواطن المسيحي في أوربا آنذاك. ولهذا السبب لاقت قبولا واسعا لدى غالبية المسيحيين الذين كانوا قد سئموا من تسلّط الكنيسة ومن استيلائها، بحكم الدين، على أموالهم كضرائب أو كصكوك غفران.
وعندما لاحظت الكنيسة انتشار البروتستانتية، شعرت بأن مواردها المالية مهددة بالخطر. وهذا مالا يمكن تقبّله أو التساهل معه. فقررت استئصال شأفة المذهب البروتستانتي قبل استفحاله، ولم يكن ذلك ممكنا دون ارتكاب المذابح الجماعية بحق البروتستانتيين. وهذا ما حدث بالفعل، فحسب بعض المصادر التاريخية الأوربية، شهد القرن الـ 16 الكثير من الحروب المسيحية والمذابح البشعة التي هلك فيها 11 مليون مسيحي. ذهبوا ضحية حقد وجشع وتدبير الكنيسة الكاثوليكية. ففي مذبحة”برثولمي”الشهيرة، أمرت الكنيسة أتباعها من القتلة والمجرمين بالانقضاض على البروتستانت فور سماع أجراس كنيسة باريس المؤذِنة بانطلاق المهمة المقدّسة!
أجبرت الوحشية الكاثوليكية، البروتستانت على الهجرة فرارا من نفوذ الكنيسة، فلجؤوا إلى هولندا التي كانت آنذاك جزءا من الامبراطورية الإسبانية التابعة للكنيسة الكاثوليكية.
وعندما استقروا بها وقويت شوكتهم، نجحوا في الاستقلال عن إسبانيا.
تركت المآسي والويلات، التي عاشها البروتستانت، أثرها الشديد في نفوسهم، فقرروا أن يبنوا مجتمعا مناقضا للمجتمع الكاثوليكي، يقوم على الحرية الدينية والفكرية والانفتاح على العالم. فأصبحت هولندا ملاذا آمنا للمضطهدين في أوربا، ومن بينهم الفيلسوف أريل دا كوستا الذي كان قد بلغ الـ 32 من عمره. وما أن وصل إلى هولندا حتى أعلن وذووه تحررهم من المسيحية وعودتهم إلى اليهودية.
كان أريل على درجة عالية من الوعي والثقافة، وعندما اختلط هذا المخزون الثقافي مع هواء الحرية في صدره، تفجّرت عبقريته الفذة في مجال الفلسفة، وهو العلم الذي يكرهه ويخشاه رجال الدين من كافة الأديان بلا استثناء.
لم يمض وقت طويل حتى لاحظ أريل أن هناك تشابه كبير جدا بين رجال الدين اليهود ورجال الدين الكاثوليك!
وجد أن أحبار اليهود قد أدخلوا على اليهودية ذات التعاليم التي أدخلها الرهبان على المسيحية! وكلّها تهدف إلى تعزيز هيمنة رجال الدين على المجتمع والناس والأموال. وكانت أقسى العقوبات مخصصة لأولئك الذين ينتقدون رجال الدين أو يعارضونهم.
اعترض دا كوستا على هذه الممارسات وكتب عدة رسائل يندّد فيها بالبدع التي اخترعها الأحبار وألحقوها باليهودية دون أن يكون لها أصل في التوراة.
وهنا انقلب عليه الأحبار وأصدروا ضده بيانا قاسيا يتهمه بالهرطقة والكفر، ويأمر أفراد المجتمع اليهودي باجتنابه ومقاطعته تماما. امتثل اليهود لأوامر الحاخامات، فنبذوا دا كوستا وقاطعوه تماما.
اضطر دا كوستا لملازمة مسكنه وعدم مغادرته تجنّبا لمخالطة الناس.لكنه لم يستطع مواصلة العيش بهذه الطريقة القاسية، فقرر التراجع عن أفكاره مرغما ودون قناعة، وقال مبررا خضوعه وتراجعه “قررت أن أصبح قردا مع القردة”.
أعلن اعتذاره للأحبار وأبدى ندمه الشديد على ما بدر منه، فتم التسامح معه، لكن أريل لم يكن قادرا على التسامح مع طغيان واستبداد رجال الدين.
فانهمك أريل في الكتابة السرية عن أفعال رجال الدين التي، رآها، تنفّر المؤمنين من الدين. وبرغم حرصه وتكتّمه الشديدين إلّا أن الحاخمات علموا بطريقة ما، أن دا كوستا عاد لانتقاد التعاليم اليهودية الراسخة، فتمت محاكمته، مجددا، وصدرت ضده أحكام جديدة ولكنها أكثر قسوة وصرامة من الأولى.

 


شعر دا كوستا بالخطر على حياته ووجد بأن مجابهة الحاخامات أكثر خطرا من مواجهة رجال الكنيسة الكاثوليكية، فأبدى رغبته بالاعتذار عما بدر منه، وطالب الحاخامات بالصفح عنه. لكنهم، في هذه المرة، اشترطوا عليه أن يقف أمام مقر الكنيس اليهودي العام في أمستردام ليعلن، على الملأ، ندمه وجهله وتراجعه عن أفكاره المنحرفة، ليعود” يهوديا صالحا”.
وفي اليوم المحدد، نفّذ أريل جميع شروط الحاخامات، لكنهم أصرّوا على أن يتم جلده بالسياط، فوافق رغم إحساسه بالمهانة، وعندما انتهى الجلد، أعلن الحاخامات أنهم لن يغفروا له إلّا إذا استلقى عاري الصدر أمام باب الكنيس كي يدوسه جميع الحاضرين وعلى رأسهم الحاخامات. نفّذ أريل الأمر وكان الناس يدوسون جسده ويشتمونه ويبصقون عليه. وكان يغمض عينيه كي لا يراهم ينتهكون كرامته وجسده وهو بلا حول ولا قوة، وعندما شعر بأن العدد قد اكتمل وأن العقاب قد انتهى، فتح عيناه للمرة الأولى فرأى شقيقه يوسف يدوس جسده ويشتمه بأقذع الشتائم ويتهمه بالهرطقة ومعاداة اليهودية.
كان ذلك المنظر البشع أقوى من احتمال أريل، فكل ما عاناه من قمع محاكم التفتيش الكاثوليكية في البرتغال ومن حاخامات اليهود في هولند، كان تافها جدا مقارنةً بالمعاناة التي عصفت بروحه عندما رأى شقيقه يشتمه ويدوس جسده!
غادر أريل المكان وذهب إلى مسكنه ووضع فوهة البندقية على صدغه وأطلق النار!

بقلم: عبدالهادي الجميل

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: