فيلسوف بريطاني شهير يؤكد المقتل المحتم للبرجوازية: ثورة الرأسمالية!

by tayar-taqadomi on 05/09/2011


BBC News Magazine, 3 September 2011
بقلم: جون غراي
ترجمة: راشد سلمان – الكويت
كأثر جانبي للأزمة المالية، المزيد والمزيد من الناس بدأوا يفكرون في أن كارل ماركس كان على حق. يعتقد الفيلسوف الألماني العظيم والاقتصادي والثوري، الذي ظهر في القرن 19، أن الرأسمالية لم تكن مستقرة من الأساس، من جذورها.
فقد بنيت على أساس نزعة في اتجاه إنتاج أكبر لطفرات الأزدهار وانهيارت الكساد، عبر الزمن، وعلى المدى الطويل كان لا بد لها أن تدمر نفسها بنفسها.
رحب ماركس بالتدمير الذاتي للرأسمالية. وأعرب عن ثقته بأن ثورة شعبية سوف تحدث وتحقق النظام الشيوعي إلى حيز الوجود، والذي من شأنه أن يكون أكثر انتاجية وأكثر إنسانية.
كان ماركس مخطئا بشأن الشيوعية. إلا أنه تنبأ وكان على حق في قبضته على ثورة الرأسمالية. ولم يفهم فقط عدم استقرار الرأسمالية ومرضها المزمن، وكان في هذا الصدد كان متبصرا وحاد الادراك أكثر بكثير من معظم الاقتصاديين في أيامه وفي أيامنا.
أعمق من ذلك، فهم ماركس كيف أن الرأسمالية تدمر قاعدتها الاجتماعية الخاصة – أسلوب حياة الطبقة الوسطى. المصطلحات الماركسية بشأن البرجوازية والبروليتاريا لها رنين وطنين فترة عفا عليها الزمن.
جادل ماركس بأن الرأسمالية كان متوقعا لها أن تغرق الطبقات المتوسطة إلى ما يشبه ظروف الضغوط والوجود الهش المتزعزع، مثيل لما كان يعانيه العمال من ضغوط شديدة في زمنه، وبذلك توقع ماركس تغييرا في الطريقة التي نعيش بها، أننا الآن فقط نكافح للتعامل معها، وكما أشار لها ماركس.
نظر إلى الرأسمالية باعتبارها النظام الاقتصادي الأكثر ثورية في التاريخ، ولم يكن لديه أي شك في أنها تختلف جذريا عن تلك الأنظمة الاقتصادية السابقة.
لقد أصرت عصور جماعات الصيادين على الاستمرار في طريقتهم في الحياة البدائية لآلاف السنين، واستمرت ثقافات مجتمعات الرقيق لفترة متقاربة أيضا، واستمر الاقطاع لقرون عديدة. في المقابل، حولت وغيرت الرأسمالية كل شيء تلمسه.
ليست فقط العلامات التجارية التي تتغير باستمرار. في الرأسمالية يتم إنشاء الشركات والصناعات ويتم تدميرها في تيار متواصل أبدي من الابتكار، وفي حين انحلت وتلاشت العلاقات الإنسانية، يتم اختراعها في أشكال ونماذج روائية جديدة.
وصفت الرأسمالية على أنها عملية التدمير الخلاق، ولا يستطيع أحد أن ينكر أنها كانت منتجة بشكل غير عادي وأعجوبي. من الناحية العملية.. أي شخص على قيد الحياة في بريطانيا اليوم لديه دخل حقيقي أعلى من أي دخل يمكن أن يحصل عليه لو أن الرأسمالية لم تكن موجودة أصلا.
المشكلة هي أن طريقة الحياة التي إستندت إليها الرأسمالية في الماضي هي من بين الأمور التي دمرت في هذه العملية.
عائد سلبي
يجادل المدافعون عن الرأسمالية في انها توفر للجميع المزايا التي كانت في زمن ماركس تتمتع بها فقط الطبقة البرجوازية، وأننا نشهد اليوم الطبقة الوسطى المستقرة التي امتلكت رأس المال ولديها مستوى معقول من الأمان والحرية في حياتها.
في رأسمالية القرن 19 لم يكن لدى معظم الناس شيئا. كانوا يعيشون من خلال بيع عملهم، وعندما تتدهور الأسواق يواجهون أوقات عصيبة. ولكن مع تطور الرأسمالية، كما يقول المدافعين عنها، فإن عددا متزايدا من الناس تملكوا القدرة على الاستفادة منها.
المهن المختارة من قبل الطامحين لم تعد من مقصورة على قلة قليلة. ولم يعد الناس يكافحون من شهر لآخر للعيش على الأجور غير الآمنة. إنهم محميون بالادخار، وبالمنزل الذي يمتلكونه وبمعاش تقاعدي لائق، وستكون لهم القدرة على التخطيط لحياتهم دونما خوف. مع نمو الديمقراطية وتوزيع الثروة، لن يغلق الباب أمام أحد للتمتع بأسلوب الحياة البرجوازية. يمكن أن يصبح الجميع من أعضاء الطبقة المتوسطة.
في الواقع، لقد حدث العكس في بريطانيا والولايات المتحدة وغيرها من البلدان الصناعية المتقدمة على مدى السنوات ال 20 أو ال 30 الماضية. الأمن الوظيفي لم يعد موجود ، لقد اندثرت الحرف والمهن القديمة إلى حد كبير، والوظائف المستدامة مدى الحياة أصبحت من ذكريات الماضي.
إذا كان لدي الناس أي ثروة فنها تقبع في ملكية منازلهم، ولكن أسعار المنازل لا ترتفع على الدوام. فعندما يكون الائتمان صعباً وغير يسير وضيق كما هو الحال حاليا، فإن أسعار المنازل يمكن أن تكون راكدة لسنوات طويلة. (يقصد الكاتب الظاهرة الكاسحة في الغرب خلال الثلاثين سنة الماضية في إعادة رهن المنازل أو البيع وإعادة الشراء والاستفادة من القروض لمكافحة التضخم المقابل في السلع والخدمات أو تمويل النزعة الاستهلاكية، كل ذلك من خلال الاستفادة من هامش ارتفاع أسعار أصول المنازل التي كانت ظاهرة شبه “مستديمة” – المترجم).
ويمكن لأقلية الاعتماد على المعاشات التقاعدية التي تمكنها من العيش بشكل مريح، ولكنها أقلية متناقصة وتتضاءل عددياً، وفي المقابل ليس لدى الكثير من الناس مدخرات مالية كبيرة للاستناد عليها معيشياً.
المزيد والمزيد من الناس أصبحوا يعيشون بتدبير أمورهم من يوم لآخر، مع قلة الأفكار لما قد يأتي في المستقبل. اعتادت جماهير الطبقة المتوسطة على التفكير في أن حياتهم تتكشف بتطور منظم. لكنه لم يعد ممكنا أن ننظر إلى الحياة باعتبارها سلسلة من المراحل، التي تكون فيها كل مرحلة تتسم بأنها عبارة عن خطوة متقدمة عن سابقتها.
في عملية التدمير الخلاق تم ركل سلم الترقي الطبقي بعيدا، ولم يعد وجود الطبقة الوسطى بالنسبة لأعداد متزايدة من الناس يشكل حتى مجرد الطموح.
كلما تقدمت الرأسمالية كلما سحبت معظم الناس إلى نسخة جديدة تتسم بهشاشة اجتماعية متزعزعة، ووجود خطر مشابه لبروليتاريا ماركس. لا تزال دخولنا مرتفعة ولا نزال نحن محميين إلى درجة معينة ضد الصدمات من خلال ما تبقى من دولة الرفاه الاجتماعي التي نشأت في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ولكن لدينا رقابة فعالة ضعيفة جدا على مدى مجريات حياتنا، ويجري تفاقم حالة عدم اليقين التي يجب أن نعيش فيها بوضع سياسات للتعامل مع الأزمة المالية. أسعار الفائدة الصفرية إلى جانب ارتفاع أسعار الخدمات والسلع تعني أننا نحصل على عائد سلبي على المال الخاص، وبمرور الوقت يتم تآكل رأس المال الخاص.
حالة العديد من الشباب هو أسوأ بكثير. من أجل اكتساب المهارات التي تحتاج إليها، عليك أن تلجأ إلى قروض الدين. وبما أنهم عند نقطة ما سيكون عليهم إعادة الدين، فعليهم أن يدخروا. ولكن إذا كانوا مثقلين منذ البداية بقروض الديون فأن الادخار هو آخر شيء يمكن أن يكونوا قادرين على القيام به. أيا كانت أعمارهم، الاحتمال المقبل الذي يواجه معظم الناس اليوم.. هو عمر وزمن مديد من انعدام الأمن.
المجازفون بالمخاطر
في نفس الوقت، وبينما قد جردت الرأسمالية الشعب من أمان الحياة البرجوازية، صنعت الرأسمالية ذلك النوع من الناس الذي عاش حياة البرجوازية البائدة التي عفا عليها الزمن. في سنوات الثمانينيات من القرن الماضي كان هناك الكثير من الحديث عن القيم الفيكتورية (عصر القرن التاسع عشر في بريطانيا)، وكان من عادة المروجين للسوق الحرة أن يجادلوا في أن حرية الاسواق سوف تعيدنا إلى فضائل رأسمالية الماضي النفعية.
بالنسبة للكثيرين، النساء والفقراء على سبيل المثال، يمكن لهذه القيم الفيكتورية المحبطة أن تكون جميلة في آثارها. ولكن الحقيقة الكبرى هي أن السوق الحرة تعمل على تقويض الفضائل التي تحافظ على الحياة البرجوازية.
عندما تذوب وتتبخر المدخرات تدريجيا، يمكن للمقتصد أن يكون في طريقه إلى الخراب والدمار. وأصبح الشخص الذي يقترض بكثافة، ولا يخشى الوقوع في الافلاس هو الذي يصمد ويستمر في الازدهار.
عندما يكون سوق العمل حيوي لا ينجح الذين يتمسكون بأخلاص بمهنتهم، إنما ينجح الناس الذين هم دائما على استعداد لمحاولة شيء جديد ويبدو واعدا أكثر.
في المجتمع الذي يتحول ويتغير باستمرار من قبل قوى السوق الحرة، تختل القيم التقليدية وكل من يحاول أن يعيش في حدود هذه القيم يخاطر بأن ينتهي به المطاف في كومة خردة (السكراب).
بالتطلع إلى مستقبل تتخلله السوق الحرة وفي كل زاوية من زوايا الحياة، كتب ماركس في البيان الشيوعي : “كل ما هو صلب يذوب في الهواء”. وبالنسبة لمن عاش في انكلترا في وقت مبكر من العصر الفيكتوري – تم نشر البيان في عام 1848 يعبر ذلك القول عن ملاحظة مذهلة وبعيدة النظر.
في ذلك الوقت لم يبدو هنالك شيئا أكثر صلابة من المجتمع الذي عاش ماركس على هامشه. وفي وقت لاحق، وبعد قرن ونصف وجدنا أنفسنا في العالم الذي توقعه ماركس، حيث حياة كل فرد منا هي تجريبية ومؤقتة ومشروطة، والخراب المفاجئ يمكن أن يحدث في أي وقت.
تراكمت لعدد قليل جدا من الناس ثروات كبيرة ولكن حتى هذا سريع الزوال، شبحي أو طيفي الجودة. في العصر الفيكتوري كان يمكن للأغنياء الفعليين الاسترخاء شريطة أن يكونوا متحفظين في كيفية استثمار أموالهم. عندما أستحوذ أبطال روايات ديكنز في النهاية على نصيبهم من الميراث، فإنهم لم يفعلوا شيئا ولم يقوموا بأي عمل، وإلى الأبد.
ليس هناك ملاذ أمن اليوم. تقلبات السوق الحلزونية، هي من هذا القبيل، لا أحد يستطيع أن يعرف ما الذي يمكن أن تكون له قيمة حتى في السنوات القليلة القادمة.
هذه الحالة من الاضطراب الدائم هو ثورة دائمة للرأسمالية، وأعتقد أنها ستلازمنا في أي مستقبل يمكن تخيله واقعيا. نحن فقط في جزء من الطريق خلال مسار الأزمة المالية، التي سوف تقلب الكثير من الأمور رأسا على عقب.
من المرجح أن تنهار العملات النقدية، والحكومات السياسية، جنبا إلى جنب مع أجزاء من النظام المالي الذي اعتقدنا انه صمم على أساس آمن. لم يتم التعامل مع المخاطر التي هددت بتجميد الاقتصاد العالمي قبل ثلاث سنوات فقط. لقد تم ببساطة تحويلها إلى الدول.
أيا كان ما يقوله الساسة لنا عن الحاجة للحد من العجز المالي، الديون التي تم تشغيلها على نطاق سابق وواسع لا يمكن سدادها. من شبه المؤكد أن تتضخم العجوزات المالية – وهي العملية التي لا بد أن تكون مؤلمة وستؤدي إلى إفقار الكثيرين.
يمكن أن تكون النتيجة فقط إلى المزيد من الاضطرابات، على نطاق أكبر. ولكنها لن تكون نهاية العالم ، أو حتى نهاية الرأسمالية. مهما حدث، نحن لا نزال في طريقنا لنتعلم كيف نعيش مع الطاقة الزئبقية التي أطلقتها السوق الحرة.
لقد أدت الرأسمالية إلى ثورة ولكن ليس تلك الثورة التي توقعها ماركس. لقد كره المفكر الألماني الناري الحياة البرجوازية وتطلع إلى الشيوعية لتدمير الطبقة البرجوازية. وتماما كما توقع ماركس، فقد تم تدمير العالم البرجوازي.
ولكنها لم تكن الشيوعية التي فعلت ذلك. انها الرأسمالية التي أسفرت عن مقتل البرجوازية.

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: