فلقة حقباني

by altaqadomia on 15/04/2018

 

هناك مثل مشهور عند البادية هو ” فلْقْة حقباني”.
الفلقة هنا ليست آلة التعذيب التي كانت تُستخدم في المدارس لمعاقبة الأشقياء والمقصّرين من التلاميذ خلال منتصف ونهايات القرن الماضي. وليست أيضا الفلقة التي مازالت تُستخدم، حتى اليوم، في مراكز الأمن والمباحث العامة العربية.
ولا أدري من أوّل من استخدمها عندنا: المعلّمون أم أفراد المباحث؟
الفلقة المقصودة في المثل هي الجرح الدامي الذي يصيب الرأس نتيجة ضربة حجر أو عصا. والحقباني هو الشخص الذي ينتسب إلى بطن الحقبان من قبيلة الدواسر.
سبب المثل أن رجلا حقبانيا تشاجر مع رجل آخر، فأصابه الحقباني بـ فلقتين داميتين في رأسه. وفي تلك الفترة الغابرة كانت غرامة الفلقة الواحدة ناقة من الإبل يغرمها المتسبب بالفلقة. لهذا كان الحقباني سيغرم ناقتين إذا اشتكى الرجل المفلوق إلى القضاء. والناقة، آنذاك، عزيزة الطلب وباهظة الثمن، بل إنها قد تكون السبب الوحيد في نجاة عائلة كاملة من الفقر وأحيانا من الموت.
وعندما علم الحقباني بعزم المفلوق على اللجوء للقضاء، قرر التحرك الفوري لتخفيف الخسائر المتوقعة، فترصّد للمفلوق ثم تصدّى له قبل وصوله إلى المحكمة وألحق برأسه فلقة جديدة، سدّدها بدقة وإحكام في المنتصف بين الفلقتين السابقتين كي تصبح الفلقات فلقة واحدة ممتدة لا اثنتين، فيغرم ناقة واحدة بدلا من اثنتين. وهذا ما حدث بالفعل، فقد قرر القاضي بأنها فلقة واحدة غرامتها ناقة واحدة فقط.
فأصبحت مثلا سائرا حتى اليوم!

مضت عدة عقود زمنية لم نشهد في الكويت إنشاء مشروع تنموي حقيقي. هذا التراخي والعجز أدّيا إلى تردّي أحوال الدولة فتقهقرت مكانتها حتى تخلّت عن ريادتها المشهودة لتقبع في قاع سلّم التطور خليجيا. ولكن قبل بضع سنوات ظهرت بعض المشاريع الضخمة التي تُعد على أصابع اليد الواحدة، كجسور الشويخ، الجامعة الجديدة، دار الأوبرا، ومستشفى جابر. وعلى الرغم مما شاب ترسية وتنفيذ هذه المشاريع من شبهات إدارية ومالية أثارت حنق الشعب، إلّا أنها، في المقابل، ضخت كمية، لا بأس بها، من دماء الشباب والحياة في شرايين وأوردة الدولة العجوز التي كانت تعيش حالة إغماء عميقة تشبه الموت السريري.
كنا نشاهد تلك المشاريع في بقع جغرافية متناثرة، ولكن مؤخرا أُصيبت الكويت بحمّى إنشاء المشاريع الجديدة، فأصبحنا نرى مجموعة من المشاريع العملاقة في معظم مجالات التنمية؛ الصحية، الاستثمارية، البنى التحتية، الاقتصادية وفي كل أنحاء الكويت. حتى أصبحنا نرى بين كل مشروع قائم ومشروع جارٍ؛ مشروع ثالث جديد في ما يشبه” فلقة الحقباني”.

اهتمام الدولة بإنشاء المشاريع التنموية الضخمة أمر مفرح لكن المشروع الضخم كالفلقة الغائرة، يحتاج إلى أيدي نظيفة جدا، تطهّره من أي فساد خفي أو ظاهر. كما يحتاج من المعالج إلى مهارة وتمكّن وثقة في النفس. ولست متفائلا في هذا الجانب للأسف .

 

بقلم عبدالهادي الجميل 

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: