عبيد المنزل وعبيد الحقل

by Altaqadomia on 27/01/2019

عبيد المنزل وعبيد الحقل

” العبيد لا ينتصرون”.

أرسطو


” سيّد هالي… إنّ توم عبد صادق وأمين، كما أنه مسيحي مخلص”.

بهذه العبارة نجح السيد شيلبي في إقناع السيد هالي بشراء عبده توم.

تمّت الصفقة ووقّع الرجلان اتفاقية البيع. وعندما علم توم بالأمر، لم يبد أي اعتراض، بل إنّه رفض الاستماع إلى دعوات التحريض على الهرب، وأذعن لقرار سيّده، مفضّلا البقاء كعبد مملوك على محاولة العيش كإنسان حر!

من رواية” كوخ العم توم”للكاتبة الأمريكية هارييت ستو.


في النصف الثاني من القرن 19، عرفت الولايات المتحدة الأمريكية أخطر أزمة داخلية هدّدت وجودها منذ إنشائها وحتى يومنا هذا.

ففي عام 1861م تولّى إبراهام لينكولن مقاليد الحكم، وأعلن عزمه تحرير العبيد، الأمر الذي أغضب ولايات الجنوب ودفعها لإعلان انفصالها عن الولايات المتحدة الأمريكية، فاندلعت الحرب الأهلية الأمريكية(1865-1861).

لم يكن قرار الانفصال مستغربا أو مفاجئا، بل كان متوقعا ومفهوما، فقد كان اقتصاد ولايات الجنوب، آنذاك، يقوم على العبيد الذين يعملون في زراعة وتصدير القطن. وبفضلهم أصبح اقتصاد ولايات الجنوب رابع أكبر اقتصاد في العالم. لهذا لم يكن التخلي عن العبيد ممكنا أو مقبولا في ولايات الجنوب، بعكس الحال في ولايات الشمال التي لم يكن للعبيد تأثير كبير على اقتصادها الذي يقوم على التجارة والصناعة، ما جعل ولايات الشمال تؤيد تحرير العبيد بذريعة أن العبودية عار يشوّه وجه أمريكا ويخالف تعاليم الدين المسيحي، بينما ترى ولايات الجنوب العبودية كضرورة حتمية يفرضها الواقع والمنطق والتاريخ.

كانت الأغلبية الساحقة من العبيد تعمل وتعيش وتحيا في مزارع الأثرياء البيض. وكان في كل مزرعة نوعان من العبيد؛ الأول عبيد الحقل وهم الأكثرية ويقومون بكل الأعمال البدنية الشاقة في الحقول وفي حظائر الحيوانات حيث يأكلون وينامون.

أمّا النوع الثاني فهم عبيد المنزل وهم الأقلية، وتقع على عاتقهم  مسؤولية رعاية المنزل والطبخ والتنظيف وغسيل الملابس و”تسلية الضيوف” والعناية بأطفال سيد المنزل.

لا يوجد، عمليا، فرق يذكر بين النوعين، فالعبيد يتشابهون في كل شيء. ولكن يختلف عبيد المنزل عن عبيد الحقل في أنهم أفضل حالا، ظاهريا، فهم يأكلون فضلات طعام أسيادهم ويلبسون ملابسهم القديمة، ويقومون بإملاء أوامر السيد على عبيد الحقل.

ولهذا كان بعض عبيد المنزل يترفّعون عن أبناء جلدتهم وينسلخون من كل شيء يربطهم بهم، ولو استطاعوا لانسلخوا من جلودهم السوداء.

أشهر عبيد المنزل هو العبد توم أو العم توم الذي أصبح جزأً من الفلكلور الشعبي الأمريكي الأسود، ويرمز للشخص الأسود الذي يخضع لسلطة السيد الأبيض وينحاز له ضد إخوانه السود. أفضل من وَصف الفرق بين عبد الحقل وعبد المنزل هو الناشط الحقوقي الأسود مالكوم إكس في خطبته الشهيرة التي ألقاها في 10 ديسمبر 1963م في مدينة ديترويت الأمريكية، وفيها يقول:

” عندما يشعر السيد الأبيض بالمرض، فإن عبد المنزل يشعر، هو الآخر، بالمرض أيضا. بل إنه يتألم بقدر أكبر من السيد المريض. بينما يدعو عبد الحقل الله أن يموت السيد في مرضه.

وعندما تشتعل النار في منزل السيد، فإن عبد المنزل يعرّض نفسه للخطر من أجل إنقاذ المنزل، بينما يبتهل عبد الحقل كي تهب رياح قوية تزيد من التهام النيران للمنزل.

إذا قيل لعبد المنزل: هيا بنا لنهرب من هنا.

فإنه سيقول: إلى أين؟ كيف سأحيا بعيدا عن السيد؟ من سيعتني بي؟ ماذا سألبس؟

أمّا عبد الحقل فسيرد فورا ودون تفكير: هيا.. لنهرب من هنا حالا”.

ولعل أفضل من جسّد دور عبد المنزل هو الممثل الأمريكي الأسود” صمويل إل جاكسون” في فيلم Django Unchained، عندما قام بدور العبد ستيفن. كان أداؤه مذهلا إلى درجة أنه أصبح أكثر شخص أسود مكروه في تاريخ السينما.

تذكر المصادر التاريخية أن معظم محاولات الهرب نحو الحرية كان يقوم بها عبيد الحقل. وكانت معظم هذه المحاولات تفشل بسبب خيانة عبيد المنزل الذين كانوا يحاولون، أولا، ثني العبيد عن الهرب، فيذكّرونهم بفضائل العبودية وإيجابيات أسيادهم، وينصحونهم بالانشغال بممارسة الشعائر الدينية لإبعاد فكرة الهرب عن أذهانهم. وعندما يفشلون في ذلك، يقومون بإخبار أسيادهم بخطة الهروب!

كانت السياط تنتظر العبد الهارب أو الآبق وإذا كان السيد قاسيا فإنه قد يشنق العبد على غصن أقرب شجرة كي يراه بقية العبيد.

لم يكن الموت سيئا جدا مقارنة بحياة الذل والقهر والألم التي يحياها العبيد، لكنهم كانوا لا يقدمون على الانتحار خوفا من غضب الرب. فأسيادهم البيض أقنعوهم بأن الرب يحب أبناءه الذين يتحملون الأذى ويصبرون على العذاب، وكلما كان صبرهم في الحياة أقوى، كانت مكافأة الرب لهم، في الآخرة، أكبر وأعظم.

كان عبيد المنزل ينصحون عبيد الحقل بالصبر. ولم يكن ذلك بدافع المحبة أو الإخلاص، وإنما لأنهم يرون أن محاولة عبيد الحقل المتكررة للهرب، ستهز ثقة أسيادهم بهم، وقد يؤدي ذلك إلى طردهم وتحويلهم من عبيد منزل إلى عبيد حقل. لهذا كانوا ينصحون عبيد الحقل بعدم رفض الأوامر أو التمرد أو الثورة. وينصحونهم باللجوء إلى القضاء الأمريكي المشهور بـ”العدالة والنزاهة والإنسانية”، فصدّقهم بعض  السذّج من عبيد الحقل الذين لجؤوا للقضاء. كان لمعظم القضاة مصالح مشتركة مع السلطات، بالإضافة إلى أنهم من ملّاك العبيد، ولهذا كانت الأحكام  تصدر، دائما، ضد العبيد، بل وتؤسس سوابق قانونية خطيرة جدا مثل أن العبيد ليسوا بشرا ولهذا لا يحق لهم مقاضاة البشر. أو أنهم يُعتبرون ضمن ممتلكات أسيادهم فيصبح من حق الأسياد فعل ما يشاؤون بهم. وقد يرفض القاضي الدعوى لعدم الاختصاص. وقد يحدث، في حالات نادرة، أن يتعاطف القاضي مع مأساة العبد لكن هذا التعاطف لا يدفع القاضي إلى أن يصدر حكمه لصالح العبد، بل قد  يضطره، في أفضل الأحوال، للتنحي عن القضية.

في 9 أبريل 1865م انتهت الحرب الأهلية بانتصار ولايات الشمال، وإعلان تحرر العبيد. وكان هذا الإعلان بمثابة دستور جديد يساوي بين جميع المواطنين بغض النظر عن ألوانهم وأعراقهم.

عمّت الأفراح مزارع الولايات الجنوبية حيث يعيش 4 ملايين عبد، غادر معظمهم باتجاه الشمال على عجل، وكأنهم يغادرون عالم العبودية للأبد. ولكنهم اكتشفوا، فيما بعد، أن الحلم بالحرية أسهل كثيرا من ممارستها والعيش فيها.

 لم يستطع المُحرَرون  العيش مستقلين خصوصا وأن السلطات الأمريكية لم تقم بواجبها في حمايتهم وإيوائهم وتوفير فرص العمل لهم!

 فعادوا إلى مزارع العبودية التي قضوا حياتهم بها وهم يحلمون بمغادرتها. 

رفض الأثرياء والإقطاعيون (ملّاك العبيد السابقين) أن يدفعوا لهؤلاء العائدين أي أموال مقابل عملهم لديهم. وفي ذات الوقت، لم يعد بإمكانهم إجبارهم على العمل كعبيد مرة أخرى، لأن جميع قوانين العبودية قد أُلغيت فور انتهاء الحرب، ما عدا قانون واحد هو قانون العقوبات المخصص لجرائم العبيد. استغل العنصريون وملّاك المزارع هذا القانون للالتفاف على قوانين تحرير العبيد الصادرة حديثا.

تم ذلك عبر قيام سلطات ولايات الجنوب باستحداث تُهم جنائية جديدة تستهدف السود دون غيرهم. مثل: البصق على الأرض، المشي بجانب سكك القطارات، البيع بعد حلول الظلام، شرب الخمور، التكلم في الأماكن العامة بصوت عال، عدم التنحي عن الرصيف لإفساح الطريق للبيض إلخ.

كانت أقل عقوبة لأي من هذه التهم؛ قضاء عدة سنوات في السجن.

خلال مدة وجيزة، بلغت نسبة السجناء السود في سجون الولايات الجنوبية 90% من مجموع السجناء. 

بعد ذلك، صدر قانون جديد يجبر السجناء، خلال تنفيذ محكومياتهم، على العمل خارج السجن. وبطبيعة الحال كانت مزارع القطن هي الأماكن الأكثر استفادة من هذا القانون.

ومما يجب الإشارة إليه هنا هو أن السجون كانت تكتظ بالسجناء السود عند اقتراب موسم جني القطن! 

ونتيجة لذلك فقد ازدهرت زراعة القطن من جديد، وانتعش الاقتصاد العنصري مجددا.


انقرضت، اليوم، عبودية اللون من العالم تقريبا. وبقيت عبودية الروح أو العبودية المختارة كما وصفها الفيلسوف الفرنسي إتيان دو لابويسي في كتاب العبودية المختارة.

وهي العبودية التي اختارها العم توم عندما قرر عدم التمرد والثورة على معاملته كسلعة يشتريها ويبيعها من يملك المال والسلطة. 

ظن العم توم أن خضوعه وإذعانه واستسلامه ستكفل له حياة لائقة، ولم يعلم أن لا قيمة لحياة العبد.

ولهذا مات متأثرا بجراح عميقة أُصيب بها بعد أن جلده مالكه الجديد بالسياط!

عبدالهادي الجميل

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: