عبدالهادي الجميل يكتب: خيمة سفوان- عندما يعيد التاريخ نفسه كملهاة

by altaqadomia on 01/01/2021

تعاني الأنظمة السياسية والحكومات من هلع شديد من التجمعات الشعبية والحشود البشرية.
ويختلف التعامل مع التجمعات باختلاف الأنظمة السياسية..
فالأنظمة غير الديموقراطية تحرّم التجمّعات تحريما قطعيا وتعتبرها من جرائم أمن الدولة، وذلك لخوفها من أن تتحول إلى ثورة شعبية تجرف النظام الحاكم. ولهذا يتعرض منظّمو التجمعات والعاملون عليها وعابرو السبيل وأي شخص يضعه حظه العاثر في دائرة نصف قطرها 10 كم، للضرب والسحل والاعتقال.
أمّا الأنظمة الديموقراطية فتتعامل مع الأمر بطريقة دستورية وعلمية، فتسمح بالتجمّع وتكتفي بالمراقبة عن كثب وتوفّر الحماية الأمنية والرعاية الطبية للمتظاهرين. ولهذا أسست علم”إدارة الحشود”بهدف التحكّم والسيطرة على الوضع عن بعد ودون استثارة غضب المتظاهرين.

شخصيا عانيت، ومثلي الآلاف، من قسوة الأجهزة الأمنية المفرطة خلال الحراك الشعبي السلمي المعارض للفساد قبل 10 أعوام.
لم أفهم سبب القمع الأمني إلّا ليلة البارحة عندما احتشد أطفال وأبناء الأصدقاء والأقارب للاحتفال بالعام الجديد خارج الخيمة التي نأوي إليها كل ليلة.
كان عددهم 20 وأعمارهم تتفاوت بين الـ 7 والـ 13 تقريبا وكانت معهم كمية كبيرة من الألعاب النارية.
قررنا التعامل مع الأمر بطريقة ديموقراطية فسمحنا لهم بالتجمّع أمام الخيمة مشترطين عليهم إتخاذ أقصى معايير الأمن والسلامة وعدم إشعال الألعاب النارية إلّا بإشراف مباشر من بعض البالغين الذين تطوّعوا لهذه المهمة.
ما أن بلغت الساعة تمام الـ 12 حتى أطلق المحتشدون بعض الصواريخ التي شقت عنان السماء وانفجرت إلى مئات الشظايا المتوهجة. كان المشرفون هم من يأمر بالإطلاق، وهذا أدّى إلى تباطوء انطلاق الصواريخ مما أفقد العملية زخمها المنشود.
لم يعجب ذلك المحتشدون، فلاحظنا ظهور بعض علامات الاستياء والحنق في صفوفهم احتجاجا على تصرف المشرفين الرافض لمطالبات المحتشدين بمنحهم حق إطلاق الصواريخ دون إذن مسبق وهو ما اعتبره المحتفلون تعنّتا لا يتناسب مع المناسبة السعيدة.
خلال دقيقة واحدة عمت الفوضى المكان وتعددت منصات إطلاق الصواريخ مما أربك المشرفين ففلت الوضع واندلعت الفوضى وتحوّل المحتفلين، في غمضة عين، إلى ثوّار سيطروا على المكان، فهرب المشرفون إلى داخل الخيمة خوفا من سخط الثوار الذين تعالت هتافاتهم الثورية: “اشنقوا آخر مشرف بشماغ آخر بالغ”.
قررنا الخروج، من الخيمة، لاستعادة السيطرة على الموقع بأي ثمن، لكننا فوجئنا ببعض الصواريخ التي اقتحمت الخيمة مما أجبرنا على الانبطاح أرضا والتمدد تحت الكراسي مع حماية رؤوسنا بالمساند القطنية.
لم نستطع تحديد ما إذا كانت هذه الصواريخ قد أُطلِقت باتجاهنا بشكل متعمد أم أنها أُطلِقت، عفويا، كـ نيران صديقة. كان الوضع محتقنا جدا بيننا وبينهم، فحاولنا إيقاف الاحتفال وتفريق الحشد ومصادرة الصواريخ التي كانت مُعدّة للإطلاق، ففوجئنا بدفعة جديدة تنطلق باتجاهنا من مواقع غير مرئية، فاضطررنا مجددا للاستلقاء على الأرض وحماية رؤوسنا.
اقترب من باب الخيمة 3 صبية يبدو أنهم قادة الثوار ووراءهم 5 آخرين يحملون في أيديهم بعض المفرقعات والصواريخ والولّاعات، ولاحظنا انتفاخ جيوبهم الجانبية بما بدا وكأنها قنابل مولتوف.
لم نستطع تمييز شخصياتهم لأنهم جميعا كانوا يرتدون أقنعة ميكي ماوس وسِنان ونيلز وكابتن ماجد ونحّول وكونان وسبونج بوب وسكوبي دو .
أمرناهم بالانصياع للأوامر والتفرّق الفوري لكنهم أخبرونا بأننا في وضع لا يسمح لنا بإصدار الأوامر وطلبوا منا القبول بالواقع والجلوس للتفاوض دون قيد أو شرط.
أُسقِط في أيدينا وشعرنا بأننا الوفد العسكري العراقي المهزوم خلال التفاوض مع الأميركان في خيمة سفوان الشهيرة عام 1991م.
أيقنّا أننا أمام تمرّد يُدار بطريقة ذكية جدا وبانضباط شديد، فرضخنا للأمر الواقع وقبلنا بالتفاوض.
كانت مطالبهم محددة وحاسمة:
1- منع استخدام مفهوم طاعة ولي الأمر في كل شاردة وواردة.
2- إلغاء أي اعتبارات عُمرية أو عائلية أو قانونية ويشمل ذلك تجميد سلطة الأب والعم والخال والشقيق الأكبر.
3- انسحاب المشرفين فورا من الموقع.
4- عدم مطالبة الثوّار بتحمّل أي أضرار لحقت بالخيمة وأثاثها جراء إطلاق الألعاب النارية.
5- يتعهد الكبار بترك المحتشدين يكملون احتفالاتهم حتى نفاد جميع الألعاب النارية.
6- يقوم الكبار بشراء عدد 20 وجبة ماكدونالدز للمحتشدين.
7- إعلان عفو عام غير مشروط ودون اعتذار، ويشمل جميع المحتشدين.
8- في حال قيام الكبار بتنفيذ جميع المطالب الـ 7 السابقة، يتعهد الثوّار بإخلاء الموقع عند الساعة 6 صباحا تمهيدا لعودة الأوضاع إلى طبيعتها المعتادة.

قبلنا الشروط على مضض وكأننا”نتجرّع السم”واستكمل الثوار الصغار احتفالاتهم واستمتعوا بالنصر الذي حققوه.
تذكّرت حراكنا الشعبي والفشل الذريع الذي آل إليه، فقلت لمن بجانبي:
لو كان قادة حراكنا الشعبي عام 2012م بنفس هذا التنظيم والذكاء والإرادة لتحققت مطالبنا كاملة ولما أصبحت الكويت، الآن، لقمة سائغة يلتهمها غول الفساد.

بقلم: عبدالهادي الجميل

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: