طبيب زائر

by altaqadomia on 01/08/2018

فتح باب الغرفة المظلمة ببطء، فشاهد، عبر ومضات شاشات الأجهزة المحيطة بالسرير، خيالا منحنيا بجذعه العلوي على المريض المُمدّد. قرر عدم مقاطعته خلال قيامه بواجبه، فتسلل، بخفة وصمت، باتجاه المقعد في زاوية الغرفة. جلس صامتا، وعيناه تحاولان تبيّن ما يقوم به الطبيب لكن الظلام منعه من ذلك.

مضت عدة دقائق، فسأله أخيرا: هل هو بخير؟
-“سيكون بخير”.
ابتهج لهذا الخبر الذي خالف أخبار الأيام الخمسة السالفة:
هل تحسّنت إشاراته الحيوية؟
-“لا أدري، فأنا لا أتعامل مع هذه الأجهزة”.
أربكته الإجابة الغريبة فصمت قليلا ثم سأله: كيف عرفت إذن أنه سيكون بخير؟!
رد بثقة دون أن يرفع رأسه:
-” أعرف ذلك، فكلهم يصبحون بخير في النهاية”.
لم يكن صوته مألوفا. فبحكم تواجده شبه المستمر في غرفة قريبه، أصبح يعرف أصوات الأطباء، فظن أنه طبيب زائر استعان به الفريق الطبي لمعاينة قريبه الذي بدا وكأنه يتفلّت من محاولات الأطباء المتكررة لإنقاذ حياته. لكنه، لسبب لم يعرفه، شعر بالإطمئنان لهذا الطبيب الجديد!
قال: أشعر بأن الله قد بعثك إلينا، في اللحظة المناسبة، بعد أن يأسنا من محاولات بقية زملائك.
لاحظ أنه التفت نحوه لبرهة ثم عاد لما كان يقوم به، وقال وكأنه يغالب ضحكة:
” نعم.. نعم.. لا تهتم، هذا أمرٌ اعتيادي بالنسبة لي. لكن لا بد لي من تنبيهك إلى اللبس الذي وقعتَ به الآن، وهو على كل حال، لبسٌ مفهوم في مثل هذه الأوقات الحرجة.. دائما ما يظنني ذوو المريض طبيبا، ولطالما لم يعجبني ذلك، فأنا لا أتدخل إلا عندما يعلن الأطباء استسلامهم، ودائما ما أكون سببا في راحتهم وراحة المريض وذويه. ورغم ذلك لم أحاول التباهي كما يفعل الأطباء المغرورون. أرجو ألّا تظن بأنني أكره الأطباء، أنا فقط أحتقر غرورهم الكاذب واستغلالهم لضعف البشر ومآسيهم!
كل طبيب فور تخرجه من كلية الطب وحتى ساعة تقاعده يتحين أي فرصة أو نصف فرصة كي يقول لقد أنقذت حياته.
أنقذت حياته! يالها من عبارة! وياله من كاذب!
يستطيع الطبيب أن يعالج الأمراض، يرتق الجروح، يصلح الكسور، وكي لا أكون متحاملا أقول.. يستطيع أيضا أن يقوم بأكثر من ذلك كالعمليات الجراحية الدقيقة في الرأس والقلب، لكن كل هذا ليس ذريعة كافية كي يقول: لقد أنقذت حياته.
إنقاذ الحياة يعني دحر الموت، وما يفعله الأطباء، في أفضل الأحوال، هو مراوغة الموت بهدف تأجيل مواجهته المحتمة التي لا مفر منها، والتي عندما تحدث، سيخوضها المريض وحيدا. فالأطباء يتخلّون دائما عن مرضاهم في اللحظات الحاسمة، ولستُ ألومهم على ذلك، فهم يتخلّون أيضا عن أبنائهم وأمهاتهم”.
ثم أردف: ” ورغم ذلك، لا يتخلون عن غرورهم: لقد أنقذنا حياته! هه”.
ساد في الغرفة صمتٌ ثقيل لم يعكّره سوى صوت تنفّس المريض ونغمات أجهزة الإنعاش. كان حديثه هادئا وواثقا رغم غموضه الذي أربك قريب المريض وجعله يعجز عن الرد.
فُتِح باب الغرفة وامتدت يد الممرضة لتشعل الضوء، وعندما رأته متواجدا ابتسمت وقالت؛ أنت هنا لحسن الحظ، سيأتي الأطباء الآن.
لم تُعِر انتباها للرجل الذي استقام أخيرا وتراجع عن السرير وهو يقول بذات النبرة الهادئة: ” الان ستسمع الهراء المعتاد والبطولات الوهمية والعجرفة السخيفة”.
دخل 3 أطباء اتجهوا مباشرة إلى السرير.
قال كبيرهم: الأوضاع للأسف ليست جيدة، التراجع مستمر. ليلة البارحة تعرض لنزيف داخلي أدّى إلى انخفاض حاد في ضغط الدم فاضطررنا للتدخل الفوري ونجحنا بعد جهد كبير في إنقاذ حياته.
سمع صوت قهقهة مسترخية آتية من ورائه. التفت فوجد الرجل الغامض قد احتل مقعده في الزاوية. نظر إليه وقال بتهكم:
– ” ألم أخبرك؟ هاقد بدأ الهراء المعتاد، لقد أنقذوا حياته. اسألهم فورا: أنقذتوا حياته مماذا؟
لا تتردد، اسألهم.. اسأل هؤلاء الأدعياء”.
أكمل الطبيب حديثه متجاهلا ما قاله الرجل:
هذه الأيام صعبة جدا، وفي الحقيقة لم نعد قادرين على انتشاله من الانحدار المستمر، ونخشى الأسوأ في الساعات القليلة القادمة.
سمع الرجل يقول ساخرا: ” قبل دقيقتين فقط كان يتفاخر بأنه أنقذ حياته، والآن يريد التخلي عن قريبك لأن المواجهة أصبحت وشيكة!
الأطباء يتفننون في الاستعراض بالبطولات الوهمية عندما لا يحتاجهم المريض، ويصبحون بلا فائدة عندما يحتاجهم!
عندما يتحدث الطبيب، بتواضع وضعف، فاعلم بأنه قد فشل في مهمته.
الآن لم يعودوا أطباء، أصبحوا عاجزين مثلك ومثل قريبك المريض.
قريبك ليس بخير ولن يكون بخير لكنه لن يموت الآن ولن يموت هنا.
لذا أنصحك بعدم تحمّل سخافاتهم مرة أخرى، وإذا ما قال أحد منهم، مستقبلا، أنه أنقذ حياته.
قل له: إذن نجا ولن يموت… هل أستطيع الآن أخذه معي إلى البيت؟!”..
غادر الرجل الغرفة دون أن يلتفت إلى الوراء في حين كان الأطباء يتناقشون حول تغيير خطة العلاج للمرة الرابعة.

 

بقلم: عبدالهادي الجميل

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: