صخر أبو فخر: هل اليسار ممكن في العالم العربيّ اليوم؟

by tayar-taqadomi on 23/05/2013

IMG-20130522-WA0001امتازت الحركات اليساريّة العربية، في ذروة حضورها الفكريّ والسياسيّ طوال خمسينيّات القرن العشرين وستينيّاته، بأنها حركاتُ مثقفين ومناضلين معًا. لكنّ صورة المثقف عمومًا، وصورةَ المثقف اليساريّ خصوصًا، راحت تتعرّض للانكسار قبيل نهاية القرن العشرين، ففقدتْ، إلى حدّ ما، بريقها وجاذبيّتها وقدرتها على الإقناع؛ ذلك لأنّ الوقائع المفاجئة والتحوّلات الكبرى التي عصفتْ بالعالم العربيّ جرت على خلافِ ما كان يقوله هذا المثقف، أو يبشّر به، أو ينتظر حدوثه. فخابت، بهذا المعنى، أفكارُه وتطلّعاتُه. ومع انحسار الناس عنه صار مثلَ خطيبٍ أعمى يلقي محاضرةً في جمهور من الصُّمّ. فالعصر الجديد، بتحوّلاته المتسارعة التي فرضتْ نفسَها على العالم، وأقصد بذلك العولمة، بات لا يحتاج كثيرًا إلى المثقف ونبوءاته وتوقّعاته؛ فقد حلّت العلومُ الدقيقة وثورةُ المعلومات والاتصالات وعلوم الفضاء وعلم الجينات وتطبيقاته في الطبّ والغذاء محلّ النظريّات النقديّة الكبرى التي حاولتْ أن تقيم عالمًا جميلاً وعادلاً وسعيدًا على الأرض بدلاً من السماء، والتي حمل لواءها مثقفون صاروا اليوم كمن يعطس في سوق النحّاسين، فلا يسمعهم أحد ليقول لهم: يرحمكم الله.إنّ ما يلائم هذا العصرَ، كما يبدو لي، هو الابتكاراتُ العلميّة والأفكارُ الخلاقة في العلوم البصريّة والإلكترونيّة وتطبيقاتها في الصناعة. أما الأفكار والنظريّات الإنسانيّة فلا تلائمه كثيرًا مع الأسف، لأنه عصرُ إبادة الأفكار بسرعة (فلنقارنْ مثلاً كم عاشت أفكارُ الفلاسفة الجدد في فرنسا، بكم عاشت نظريّاتُ فوكوياما وهنتنغتون!).

اليساريون مثقفون على العموم، وهم كثر بلا شك، لكنّ الواحد منهم صار أقرب إلى المثقف الداعية، أي الذي يرِّوج الأفكار بدلاً من ابتداع الأفكار النقديّة المطابقة لوعي ديناميّ يتجاوز الواقع. وبهذا المعنى فإنّ المثقفين اليساريّين التقليديّين، الذي خاب أملُهم بوعود المستقبل، تحوّلوا أحيانًا إلى ممارسة دور السياسيّين ولكنْ بوجهٍ ثقافيّ، تمامًا كما فعل بعضُ السياسيين الفاشلين الذين تحوّلوا إلى مثقفين رديئين؛ فباتت آراؤهم غير قادرة على المواجهة والإقناع، وصار كلامُهم غثّاً وخطابُهم رثّاً.

كانت الماركسيّة هي النظريّة النقديّة الثوريّة الكبرى طوال المئة سنة الأخيرة تقريبًا. والفكر الماركسيّ الكلاسيكيّ تبلور، بالتدريج، في معمعان ثورات القرن التاسع عشر، والسجالِ مع الفلسفة، ونقدِ الطابع التأمّليّ لفلسفة هيغل المثاليّة. وماركس نفسه قام بقطيعةٍ مع ما قبله من أفكار استنادًا إلى كتابين من أهمّ الكتب التي صدرتْ في النصف الأول من القرن التاسع عشر، هما: حياة يسوع (1835) لدايفيد شتراوس، وجوهر المسيحيّة (1841) لفيورباخ. وفي ما بعد، حين تحوّلت الماركسيّة إلى إيديولوجيا في الاتحاد السوفياتيّ وتوابعه، تصدّت مجموعةٌ من المفكّرين الشبّان لإعادة صوغ نظريّة ماركسيّة نقديّة جديدة من شأنها المساهمة في تغيير الواقع الاجتماعيّ؛ وهكذا نشأتْ، على سبيل المثال لا الحصر، مدرسةُ فرانكفورت التي شدّدتْ على نقد المجتمع والفرد معًا، وخصوصًا الفرد في المجتمع الصناعيّ. وهذه المدرسة، التي رفضتْ مركزيّةَ لينين في كتابه ما العمل؟، أسّسها، كما هو معروف، هوركهايمر وتيودور أدورنو، وبرز من أعضائها إريك فروم وهربرت ماركوزه ويورغن هابرماس ووالتر بنيامين؛ وقد تحوّل معظم هؤلاء عن الماركسيّة النصّيّة لاحقًا، وعن فكرة الصراع الطبقيّ بصيغتها الكلاسيكيّة، لكنهم حافظوا على العدالة الاجتماعيّة غايةً، وعلى مفهوم التغيير الاجتماعيّ الذي يبدأ (بحسب هؤلاء) من نقد الثقافة ذاتها أولاً، وجعلوا الملوّنين والمهمَّشين الجدد (كالسود والمهاجرين) بديلاً من البروليتاريا القديمة. أما اليوم، فأين النظريّة الماركسيّة الجديدة التي ظهرتْ خلال المئة سنة الأخيرة؟ وفي هذا السياق لم يتمكّن اليسار العربيّ من ابتداع وعي نقديّ مطابق للمرحلة الجديدة، وعجز مرارًا عن الإجابة عن تحدّيات العولمة.

تحوّلات الرأسماليّة واليسار

واجهت الماركسيّة تحدّياتٍ كبرى لم يتمكّن الماركسيون من التصدّي لها في العمق. فقد واجهوا أزمة الكساد العالميّ (1929 ـ 1933) بُعّدة تحليليّة متقادمة، واستمرّوا يردّدون الكلام على حتميّة الأزمات الماليّة ودوريتها في الرأسماليّة. ثم واجهوا عالمَ ما بعد الحرب العالميّة الثانية، فتركوا هذا الشأن لكينز وصامويلسون ومارشال وغيرهم. وبالتدريج بدأ التصنيعُ، الذي كان مطلبًا من مطالب الشيوعيين في العالم الثالث لتطوير طبقةٍ عاملةٍ حقيقيّة، ينتقل إلى العالم الثالث، ولكنْ على يد المراكز الرأسماليّة لا الأحزاب الشيوعيّة أو الجبهات الوطنيّة المتحدة. ثم ظهرت النمورُ السبعة، وصعدت الصينُ بقوة اقتصاد السوق لا بقدرات الاقتصاد المخطّط. ولم يتمكّن ماركسيو العالم الثالث من أن يقدموا أجوبة شافية عن ذلك كله، والبعضُ منهم لم يتخلَّ عن ترّهاته الفكرية مثل “التطور اللارأسماليّ” ـ هذه الفكرة التي اخترعها منظّرون لأسباب سياسيّة لا علميّة، وبالتحديد لإرضاء قادةٍ كبارٍ من طراز جمال عبد الناصر. ورويدًا رويدًا بات العالم دائخًا في خضمّ العولمة، وتحوّلت الرأسماليّة من رأسماليّة الإنتاج السلعيّ إلى رأسماليّة النقود، فانتصر المالُ على الرأسمال، والعالميُّ على المحلّيّ، والمضاربُ على المدير، والمموِّل على المنتِج، ووقف المفكّرون الماركسيّون أمام هذه التبدّلات عاجزين. ويبدو أنّ القضايا الكبرى حاليّاً تدور في إطار التساؤلات الثلاثة التالية:

1 ـ لماذا ما زالت الرأسماليّة قادرة على تجديد نفسها؟

2 ـ لماذا استطاع النظام الرأسماليّ، كنظام اجتماعيّ، الاستمرار، بينما انهارت رأسماليّةُ الدولة في الاتحاد السوفياتيّ وجواره؟

3 ـ ما هي عناصر القوة التي تتيح للرأسماليّة، كنظام اقتصاديّ واجتماعيّ وسياسيّ، أن تستمرّ؟

لقد تخلخلت أفكار النيوليبراليّة في معمعان الأزمة الماليّة العالميّة التي اندلعتْ في آب 2007، ولم يستطع الماركسيون الجدد التقدّم لعرض أفكار بديلة وعلميّة. وجلّ ما في الأمر أنّ المفكّرين الاقتصاديين بدأوا يعودون إلى نظرية جون ماينارد كينز، ومرّ كارل ماركس كشبح فحسب. وفي بلادنا العربيّة، أحدثتْ تطوّراتُ الخمسين سنة الأخيرة تغيّراتٍ نوعيّةً عميقةَ الأثر في المجتمع العربيّ، وفي بنيته الاقتصاديّة، وفي الأفكار أيضًا. وتاريخ اليسار خلال هذه المرحلة هو تاريخ الأزمات السياسيّة، وعسر التفكير، والسحق: فمن أزمة قرار التقسيم في سنة 1947، إلى أزمة الموقف من جمال عبد الناصر في مصر سنة 1956، إلى أزمة الوحدة مع سوريا في سنة 1958، وكذلك مع عبد الكريم قاسم في العراق، فأزمة الموقف من القوميّة العربيّة ومن الثورة الفلسطينيّة المسلّحة، وصولاً إلى الموقف من البيروسترويكا. وفي خضمّ هذه الأزمات المتلاحقة كانت الانشقاقات سيّدة الحياة الحزبية في الأحزاب الشيوعيّة العربيّة في فلسطين وسورية ومصر والعراق، وسُحق في أثناء ذلك الحزبُ الشيوعيّ العراقيّ سنة 1968، ثم الحزبُ الشيوعيّ الفلسطينيّ جرّاء أحداث أيلول 1970 في الأردن، ثم الحزبُ الشيوعيّ السودانيّ في سنة 1972… وهكذا.

على المستوى الاجتماعيّ تغيّرتْ بنيةُ المجتمع العربيّ نفسه خلال نصف القرن الماضي، ولم تتبدّل مقولاتُ اليسار التقليديّ. ففي سوريا الأربعينيّات مثلاً، كان عدد سكّان الريف فيها نحو 70%، أما اليوم فصار سكّان المدن 70% من دون أن تؤدّي هذه الزيادة في عددهم إلى صهر السكان في عملية تمدينيّة متفاعلة، بل حوّلت محيطَ المدن إلى أحزمة بؤس ريفية، وانحسر التطور الحضريّ في مقابل تقدم ثقافة الضواحي. وثقافة الضواحي هي ثقافة مشتركة جديدة في بيروت والقاهرة وبغداد، لمجموعات من الأفراد ذوي عصبيّات طائفيّة أو مذهبيّة أو مناطقيّة يسكنون في أمكنة متقاربة تتشابك فيها وشائجُ القربى والتضامن المذهبيّ والاقتصاد اليوميّ (دكاكين، ورش صيانة، أسواق لبيع الخضراوات، حرف يدويّة…)، وتغيب عنها القطاعاتُ الإنتاجيّة الأساسيّة. لذا، فإنّ أيّ عمليّة احتجاج على المدينة وسلطات المدينة، أيْ على النظام السياسي القائم، ما عادت تتخذ شكلَ الاحتجاج السياسيّ أو الاجتماعيّ، بل شكل الاحتجاجات المذهبيّة أو الإثنيّة. وعلى هذا المنوال جرى انتقالُ المدينة العربيّة من صراع الطبقات إلى صراع المذاهب والأديان، كما يجري في العراق ولبنان ومصر والسعوديّة والبحرين والسودان وغيرها. فماذا فعل اليساريون في معمعان هذه “البلوى”؟ حرّكوا عضلاتهم الفكريّة قليلاً على طريقة “التحمية” في الرياضة، وكانوا كمن ينتظر الخلاص من غير أن يسعى إليه. وهذا هو التخلّف التاريخيّ تمامًا؛ ففي هذا الميدان تصبح الأفكار الدينيّة أقوى من أفكار اليسار لأنها ترسّخ فكرة الصبر على الحاكم الظالم، والصبر على الابتلاء، والقعود بانتظار المهدي أو المخلّص؛ بينما تحول اليساريون، رويدًا رويدًا، إلى ما يشبه الجرس الذي يدعو الناس إلى الكنيسة لكنه لا يدخلها.

تغيّر مفهوم الطبقة العاملة

لا يحمِّل أحدٌ اليسارَ العربيَّ وحده تبعاتِ هذه المسؤوليّة؛ فالتحوّلات الكبرى جرفتْ معها سدودًا عاصية، وكانت من القوة بحيث صار من الضروري إعادة النظر في كثير من البدهيّات والمسلّمات القديمة. لكنّ بعض المثقفين اليساريين يتحمّل بلا ريب المسؤوليّةَ عن مصائر اليسار على المستويين الفكريّ والسياسيّ. فبعض هؤلاء صار رجعيّاً تمامًا حين راح يدافع عن أفكار بادت، وعن نماذج سياسيّة انهارت وأورثتنا حزنًا مضاعفًا. وإخال أنّ “اليسار” هو من يحمل مشروعًا للتغيير يتضمّن الديمقراطيّة والمساواة والعدالة والحريّات والعَلمانيّة والتحرّر من كافة أشكال القمع، كالتحرّر الطبقيّ والعِرقيّ والجنسيّ، ومعاداة الرأسماليّة والإمبرياليّة.

علاوةً على ذلك، فإنّ مصطلح “الطبقة العاملة،” كما نعرف، يكتسب مكانة خاصة في منظومة الأفكار اليساريّة، وبالتحديد الماركسيّة. فهل وُجدتْ، تاريخيّاً، طبقة عاملة عربيّة بالمعنى السوسيولوجيّ لكلمة “طبقة”؟ وكيف يمكن أن تنشأ طبقة عاملة في بلدان عربيّة قائم معظمُها على وظيفة ريعيّة؟ وهل يمكن أن يظهر يسار ثوريّ عربيّ في بلدان لا طبقة عاملة فيها؟ ثم إنّ هناك عمّالاً هنودًا وباكستانيين وفيلبينيين وبلوشًا في دول الخليج العربيّ، وسوريين ومصريين وسودانيين وسيريلانكيين وهنودًا و… في لبنان؛ لكنّهم عمالة مهاجرة غير مستقرّة إلا لآجالٍ قصيرة، وهي لا تعرف لغة البلد، وذات طابع خدميّ على العموم. فكيف تزدهر “طبقة عاملة” في بلدٍ عمّالُه ليسوا من أبنائه المستقرّين فيه؟

إنّ أيّ يسار لا يستطيع أن ينمو في مجتمع ما قبل حديث. والمجتمع الحديث يفترض وجود دولة ومواطن، أيْ مجتمع مدنيّ بوسائطه السياسيّة كالأحزاب والنقابات المستقلّة والجمعيّات الأهليّة والصحافة… وهذا يعني أنّ المواطن الحرّ، دافعَ الضرائب، هو الذي يموِّل الجزءَ الأكبرَ من إيرادات الدولة. وبهذه الصفة، فهو شريكٌ سياسيّ في مصير الدولة وفي قرارات حكومتها، وله الحقّ في محاسبة الحكومة بجميع أشكال المحاسبة كالتظاهر والإضراب والكتابة، فضلاً عن حقّه في إسقاط ممثّليه أو اختيار من يشاء بالانتخاب، على أن تحمي الدولةُ بمؤسّساتها الدستوريّة وبقوانينها الديمقراطيّة هذا الحقّ.

أما دولنا الريعيّة فإنها هي التي تنفق على رعاياها، بدلاً من أن ينفق المواطنون على مؤسّسات دولتهم. هنا يستطيع المواطن أن يقول “لا” للدولة أو للحكومة، وهناك يطبق المواطن قاعدة “مَن يأكل من خبز السلطان يضرب بسيفه.” والدولة الريعيّة العربيّة، بالتعريف، تعتاش على ايرادات بيع مادّة خامّ كالبترول، أو على بيع خدمات استراتيجيّة (قواعد عسكريّة مثلاً كما كانت حال محميّات الخليج العربيّ قبل عصر البترول)؛ أو هي، التي تعتاش على مساعدات الدول الغنيّة وتحويلات أبنائها المغتربين وتبيض الأموال والخدمات السياحيّة بما في ذلك الدعارة والتجارة المشبوهة كالمخدّرات، والفساد الحكوميّ، الخ. والدولة الريعيّة العربيّة مزيجٌ من سلطة قبَليّة وشركة استثماريّة كما هو قائم في دول شبه الجزيرة العربية (لنلاحظْ أنّ اسم العائلة هو جزءٌ من الاسم الرسميّ للدولة كالمملكة العربيّة السعوديّة والمملكة الأردنيّة الهاشميّة)، أو هي سلطةٌ وكيلةٌ تدير مصالحَ متنافرةً لطوائف أو جماعات متناحرة أحيانًا ومتآلفة أحيانًا أخرى كما في لبنان والعراق. لكنْ، مهما يكن أمرُ هذه المجتمعات من حيث التماسك النسبيّ أو التراكم التاريخيّ، فإنّ الدولة الريعيّة العربيّة الحديثة ليست حدثًا عابرًا في تاريخنا المديد: فالدولة العربيّة الأولى، أي الدولة الراشدة (دولة الفتوحات)، وما تبعها من الدول كالأمويّة والعبّاسيّة وغيرها، هي دولة ريعيّة بالتأسيس، وذات وظيفة عسكريّة أيضًا؛ فهي استندتْ إلى خراج الأراضي المفتتَحة، وإلى الجزية في تأمين إيراداتها، ومنعتْ ـ ببداوتها وبعدم احترامها المِلْكيّة الخاصّة ـ تحُّولَ التجّار إلى طبقةٍ رأسماليّة، والحِرَفيين إلى صنّاع.

هل يمكن أن ينبثق يسارٌ ثوريّ في مجتمعات عربيّة تغيّرتْ كثيرًا، لكنّ صفة الريعيّة ما برحتْ جاثمةً عليها؟ كان الشيوعيون يزهون بشعار “سلطة العمّال والفلاحين.” لكنْ لنتذكّرْ أنّ العسكريين من أبناء الفلاحين في العالم العربيّ هم الذين هزموا التجربةَ البرلمانيّة التي أسّسها أبناءُ التجّار المتنوّرين في المدن التجاريّة كدمشق والقاهرة وبغداد. وهؤلاء العسكر تمكّنوا من عقد رشوة اجتماعيّة للفلاحين والعمّال معًا: فقدّموا لأبنائهم التعليمَ المجّانيّ، ووزّعوا بعضَ أراضي الإقطاعيين على الفلاحين الأكثر فقرًا لقاءَ الولاء السياسيّ. أما وسيلتهم إلى ذلك فكان التأميم. والتأميم، بالطريقة التي خبرها بعضُ دولنا، عوّق الديمقراطيّة وظهورَ المجتمع المدنيّ الحديث. فكيف سيظهر اليسار في هذه المجتمعات؟ ثم إنّ النُّظُم العسكريّة التي انبثقتْ كلّها تقريبًا بعد النكبة الفلسطينيّة سنة 1948 تمكّنتْ من اختطاف شعارات اليسار نفسه، مثل الاشتراكيّة والحريّة والتحرّر الوطنيّ والعدالة الاجتماعية. مثلاً، كان نشاط اليسار المصريّ بين 1967 و1973 مقتصرًا على المطالبة بالحرب لتحرير سيناء؛ فلما شنّ السادات حرب تشرين 1973، ضاع هذا اليسار (حتى إنّ الماركسيّ إسماعيل صبري عبد الله صار وزيرًا للتخطيط في إحدى الحكومات في عهد السادات). وقد كان اليسارُ الشيوعيّ اللبنانيّ والفلسطينيّ الأنضج، ربّما، بين جماعات اليسار الشيوعيّ العربيّ. لكنّ هذا اليسار أقام علاقاتٍ وثيقةً مع النظام القمعيّ العراقيّ (نظام البكر ـ صدّام) وتلقّى الأموال منه وسكت على جرائمه. وأقام هذا اليسارُ نفسُه علائقَ وُثقى مع النُّظُم الحاكمة في اليمن الجنوبيّ وليبيا والجزائر، وتلقّى منها الأموالَ والسلاحَ والدعمَ السياسيّ بمقادير متفاوتة، وكان مدّاحًا لهذه الأنظمة وغيرها، ولم يتجرّأ ـ إلا في حالات قليلة جدّاً ـ على نقدها.

الشيوعيون والقوميّة العربيّة

في جانب آخر من الصورة، ثمة عطبٌ أساسٌ لدى اليسار العربيّ، وبخاصةٍ في بلاد الشام. فهذا اليسار، ولا سيّما مجموعات الستينيّات والسبعينيّات من القرن العشرين، لم يظهر في سياق تحوّلات اليسار الشيوعيّ الكلاسيكيّ، بل خرج من رحم الحركات القوميّة العربيّة، وبالتحديد من صفوف حركة القوميين العرب وحزب البعث العربيّ الاشتراكيّ، نتيجةً للهزّة العميقة التي أحدثتها هزيمةُ حزيران 1967. كما أنّ هذا التحوّل جرى ولم يكن للشيوعيين أيُّ تأثير فيه، فتبنّى الماركسيون الجدد ماركسيّة مختلفة، إلى حدّ كبير، عن ماركسية الشيوعيين القدامى. فكانت الماركسيّة، في هذه الحال، ملجأً إيديولوجيّاً بعد أن تخلخلتْ ركائزُ الفكر القوميّ بنسختيه الناصريّة والبعثيّة جراء هزيمة 1967. لنتذكرْ أنّ نايف حواتمة ومحسن إبراهيم ومحمد كشلي كانوا في حركة القوميين العرب في الأساس، وأنّ فوّاز طرابلسي ووضّاح شرارة وغيرهما كانوا في حزب البعث الذي تبنّى فيه جناحُ صلاح جديد ـ نور الدين الأتاسي ماركسيّةً قوميّةً بنكهةٍ شعبويّة. ولعلّ ياسين الحافظ وإلياس مرقص لم يشذّا كثيرًا عن هذا الاستنتاج: فالحافظ تحوّل من الحزب الشيوعيّ إلى البعث وحاول أن يمركس قوميّته، وانتهت به الحالُ إلى تأسيس “حزب العمّال الثوريّ العربيّ” الذي اندثر مبكّرًاً؛ ومرقص أراد أن يعيد الاعتبار إلى الفكرة القوميّة في صفوف الشيوعيين، فاتُّهم بخيانة الشيوعية واعتناق الناصريّة. أما رياض الترك الذي انشقّ عن الحزب الشيوعيّ السوريّ بذريعة الخلاف على مفهومي الأمّة العربيّة والوحدة، فانتهت به الحال إلى التحالف مع الإخوان المسلمين، بذريعةٍ واهيةٍ هي التصدّي للاستبداد.

وفي الجانب الآخر من الصورة، فإنّ المنظور القوميّ تحوّل، مع اليسار الذي تمركس في أحشاء الحركات القوميّة العربيّة، إلى منظور قُطْريّ. وهذا الأمر من أعاجيب هذا اليسار الذي حوّل الإطار القوميّ ذيلاً للإطار القطْري؛ حتى جورج حبش سار، إلى حدٍّ ما، في هذا المسلك بتأكيده “أنّ الحركة [أيْ حركة القوميين العرب] في خدمة الجبهة [الشعبية]، وليست الجبهة في خدمة الحركة.” والأحزاب الشيوعيّة العربيّة، بدلاً من أن تؤلِّف حركةً أمميّةً للنضال ضدّ الإمبرياليّة، وخصوصًا في فلسطين، صارت ذيلاً للاتحاد السوفياتيّ، وتحوّل نضالُها إلى مجرّد مناصرة له ولسياسته الخارجيّة.

إنّ المجموعات اليساريّة، ولا سيّما الماركسيّة، لم تَظهر في العالم العربيّ استنادًا إلى تراكم الخبرة النظريّة في ميدان النضال الاجتماعيّ، أو اتّكاءً على ابتداع أفكار جديدة مطابقة لتلك الخبرة، بل نتيجة لصعود الماركسيّة الثوريّة على الصعيد العالميّ، وللولع بتجارب الماركسيين الثوريين في العالم كالفيتكونغ وهوشي منه في فيتنام، والثورة الصينيّة وماوتسي تونغ وحرب الشعب في الصين، وكاسترو وغيفارا والتوباماروس ومارغويلا وحرب غوار المدن ولاهوت التحرير في أميركا اللاتينيّة، علاوةً على اليسار الجديد في أوروبا والولايات المتحدة الأميركيّة، و”الشيوعيّة الأوروبيّة” في بعض الأحيان.

رحلة الانحدار

وصل اليسارُ العربيّ إلى الحضيض مع سقوط الاتحاد السوفياتيّ في مطلع تسعينيّات القرن العشرين، لكنّ رحلة الانحدار كانت قد بدأتْ قبل ذلك بكثير (وربّما كان للصراع الكبير بين تروتسكي وستالين أثر، ولو جزئيّ، في انحسار وهج الشيوعيّة على النطاق العالميّ). أما البداية الفعليّة لانحدار اليسار الشيوعيّ العربيّ فكانت مع الموقف المؤيّد الذي اتخذته الأحزابُ الشيوعيّة العربيّة من قرار تقسيم فلسطين في سنة 1947، واضطهادِ من عارض ذلك القرار (قصة رئيف خوري في لبنان مثلاً). وما إنْ دبّ الشقاقُ في الحركة الشيوعيّة العالميّة غداة المؤتمر العشرين للحزب الشيوعيّ السوفياتيّ عام 1956 حتى انشطر الشيوعيون العرب إلى اتجاه صينيّ واتجاه سوفياتيّ، أُضيفا إلى اتجاه الأمميّة الرابعة (التروتسكيّ). وفوق ذلك، تهتّك المثالُ الاشتراكيّ السوفياتيّ خلال أحداث المجر في 23/10/1956 حين قُضي على حكومة إيمري ناجي في بودابست ثم إعدامه في سنة 1958؛ وكذلك حينما جرى القضاءُ على الحركة الإصلاحيّة في بولونيا في حزيران 1956 وزعيمها فلاديسلاف غومولكا، وغيرها من الأحداث التي وضعت الاتحادَ السوفياتيّ في موضع التساؤل عن مدى ثوريّة اشتراكيّته ونظامه.

ومثلما كان لانهيار المثال القوميّ في هزيمة 1967 (جمال عبد الناصر والبعث) شأنٌ في ظهور المجموعات الماركسيّة النقديّة الجديدة، فقد كان لهذا الانهيار الجديد أيضًا، أيْ بعد سقوط الاتحاد السوفياتيّ، شأنٌ كبيرٌ في نكوص بعض اليساريين إلى الطائفة والمذهب والعشيرة في بعض المجتمعات العربيّة. وظهرتْ في سياق هذا النكوص مشاريعُ لتسويق التخلّف العربيّ؛ مشاريعُ كثيرًا ما اغتذتْ على التديّن الشعبيّ وإيمانِ العجائز وفتاوى الفقهاء وركام التراث الفقهيّ. وتسبّب انهيارُ المثال الشيوعيّ، قبل ذلك، في ظهور مجموعات شيوعيّة صنميّة تُنْكر الواقع، وتتمسّك بالماضي، فصارت رجعيّة تمامًا. وهكذا خضع اليسارُ العربيّ، ولا سيّما الشيوعيّ، لتحوّلات متسارعة: فشرع البعض في تغيير اسمه (“حزب الشعب” بدلاً من الحزب الشيوعيّ في فلسطين مثلاً)؛ واختفت فكرة “الصراع الطبقيّ” إلى حدّ كبير من كتابات الشيوعيين؛ وشاع استخدامُ مصطلحات “المجتمع المدنيّ” و”التعدديّة السياسيّة” و”تداول السلطة”؛ وراج استعمال مصطلح “العدالة الاجتماعيّة” (التي لا ينكرها اليمينُ نفسُه) بدلاً من الاشتراكية. وعلاوةً على ذلك ما عاد العداءُ للإمبرياليّة ضروريّاً لليسار، وهذا هو العجب حقّاً.

فقدان المكانة

أدّى انهيار الاتحاد السوفياتيّ، والخيبات المريرة لليسار الشيوعيّ، إلى ظهور اتجاهين:
ـ اتجاه رأى في الحركات الإسلاميّة الصاعدة قوًى مناهضةً للمشروع الأميركيّ في العالم العربيّ، فوقف إلى جانبها بلا تحفّظ، وبالتدريج راح يفقد مكانته الفكريّة والسياسيّة بسبب اندغامه بهذه القوى أو التماهي التامّ معها.

ـ اتجاه آخر وجد نفسه، بسبب عدائه التاريخيّ للتيّارات الإسلاميّة، في خندقٍ واحدٍ إمّا مع الولايات المتحدة، أو مع النيوليبراليين المدافعين عن سياستها، فتحوّل، بسرعة، من الماركسيّة إلى الليبراليّة بصيغتها اللبنانيّة الشوهاء. وفي الحالتين ظل هذا البعض يزعم أنه ماركسيّ، وأنه يستند في مواقفه المتقلّبة إلى الماركسيّة نفسها. وبهذه “الشقلبات،” لا غرابة في أن يصبح بعضُ شظايا اليسار اللبنانيّ ذيلاً لأكثر الفئات الرأسماليّة انحطاطًا، أي الرأسمالية العقاريّة، أو رأسماليّة المقاولات، بذريعة التحالف الموقّت معها في سبيل السيادة والحريّة والاستقلال.

إنّ أحد مآزق اليسار اللبنانيّ على سبيل المثال هو أنه استنكف، في حقبةٍ ما، عن المقاومة، واستنكف، في الوقت نفسه، عن نقد المحتوى الرجعيّ لفكر المقاومة الإسلاميّة الصاعدة (حزب الله)؛ ففقد فاعليّته السياسيّة في البداية، ثم فقد فاعليّته الفكريّة مرةً ثانية، علاوةً على جفاف الأفكار والمخيّلة لدى مثقفيه. ولا يفيد القول إنّ الاستنكاف عن المقاومة لم يكن خيارًا، ولأسبابٍ خارجيّةٍ قاهرة (سوريّةٍ بالتحديد)، فهذه مجرد ذريعة ليس أكثر؛ إذ متى كانت المقاومة تتطلّب إذنًا من أحد؟

اليسار الفلسطينيّ، بدوره، لم يتصدَّ كفايةً لإيديولوجيّة حركة حماس، بل إنه تحالف معها أحيانًا في مواجهة حركة فتح. صحيح أنّ حماس وحزب الله منظّمتان مارستا مهمّاتٍ وطنيّة، لكنْ بإيدلولوجيا تتناقض، بشكلٍ جذريّ أحيانًا، مع ما يمثّله اليسارُ في المجالين الثقافيّ والاجتماعيّ. وفي خضمّ هذه الحال، لم يسهم اليسارُ العربيّ، إجمالاً، في نقد الدين والتديّن نقدًا راديكاليّاً. ولولا بعضُ كتابات صادق جلال العظم والعفيف الأخضر وعصام الدين حفني ناصف، لكانت جعبةُ اليسار العربيّ خاليةً من هذا النقد، مع أنّ المفكرين النقديين في العصور الإسلاميّة (من ابن الراوندي وصالح بن عبد القدوس ومحمد بن زكريا الرازي وابن سبعين حتى قرّة العين) كانوا أكثر جرأةً في هذا الميدان من ماركسيّي القرن العشرين. لذلك لم يكن غريبًا أن تندثر، بسرعةٍ، تجاربُ يساريّةٌ كثيرةٌ في العالم العربيّ، مثل حزب العمل الاشتراكيّ العربيّ وحركة اليسار الديمقراطيّ ومنظمة العمل الشيوعي في لبنان، وحزب العمل الشيوعيّ وحزب العمّال الثوريّ في سورية ولبنان، وحزب العمّال الشيوعيّ الثوريّ في مصر وفلسطين، والحزب الشيوعيّ العراقيّ ـ القيادة المركزيّة، بينما ظلّ بعضُ الأحزاب الشيوعيّة العربيّة على وئام تامّ مع النظام العراقيّ الذي سحق “القيادة المركزية” عام 1969ـ 1970!

امّحاء التخوم بين الماركسيّ والليبراليّ

في القرن العشرين كانت المفردات الشائعة في الكتابات الفكريّة والسياسيّة العربيّة هي: النهضة، التقدّم، الحريّة، الديمقراطيّة، الدستور، حكم القانون، العلم، الوحدة، الاستقلال، التنمية، العدالة الاجتماعيّة، حريّة المرأة، بناء الدولة الحديثة، حقوق العمّال، حقّ التظاهر، حقّ الإضراب، حقّ الاعتقاد، حريّة التعبير، الخ. ومع أنّ كثيرًا من ذلك لم يتحقّق، وما زال تحقيقه مهمّةً حيويّةً وراهنة، إلا أنّ الأمور انقلبتْ في نهايات القرن العشرين على يد الجماعات الإسلاميّة، فصارت المفردات التي نقرؤها في كلّ يوم هي: الحاكميّة، الجهاد، الحلال، الحرام، دار الكفر، دار الإسلام، أهل الذمّة، الردّة، الجزية، قتال اليهود والنصارى، الحجاب، البرقع، الخ. وبينما كان العالم العربيّ يقرأ طه حسين وسلامة موسى وشبلي الشميِّل وعلي عبد الرازق وعبد الله العلايلي وقسطنطين زريق وخليل السكاكيني ورفاعة الطهطهاوي وأحمد أمين وقاسم أمين وعبد الرحمنالكواكبي وفرنسيس المرّاش وحتى محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، صار لا يقرأ إلا أبا الأعلى المودودي وأبا الحسن الندوي وعبد العزيز بن باز ومحمد متولّي شعراوي ويوسف القرضاوي ومحمد سعيد رمضان البوطي وراشد الغنوشي وحسن التُّرابي وأتباعهم. وهكذا انتصر يوسف البدري على نصر حامد أبو زيد، مثلما انتصر في الماضي الغزالي على ابن رشد. وكان من نتائج هذه الانتصار انصرافُ الناس عن الكتابات النقديّة إلى قراءة التنجيم وتفسير الأحلام والفتن والملاحم وأهوال القيامة وعذاب القبر وخروج الدجّال وظهور المهدي وإخراج العفاريت من جسم الإنسان بالكباريت وياجوج وماجوج والحور العين وغيرها.

ماذا فعل اليسار في معمعان هذه التحوّلات؟ غاب ونام مثل أهل الكهف. ولولا بعضُ الاختلاجات، هنا وهناك، لحسبنا اليسارَ قد مات حقّاً. وفي أيّ حال، لم يكن اليسار هو الغائب الوحيد؛ فالديمقراطيون العلمانيون والليبراليون التقدّميون والقوميون اليساريون غابوا بدورهم. وبالتدريج، راح اليسارُ العربيّ يفقد هويّته الفكريّة بسبب امّحاء الحدود بين اليسار والديمقراطيين والليبراليين. وهويّة اليسار اليوم (الأصحّ أن نقول المجموعات اليساريّة العربيّة، لأنّ اليسار لا يشكّل تيّارًا سياسيّاً متضافرًا، بل مجموعات متناثرة ومتنافرة أحيانًا) باتت لا تتحدّد، إيجابًا، على أساس مشروعه السياسيّ (الذاتيّ)، بل تتحدّد، سلبًا، بحسب عوامل خارجيّة (موضوعيّة) مثل وقوفه ضدّ المشروع الأميركيّ في العراق مثلاً، أو ضدّ العولمة، أو ضدّ النيوليبرالية، أو ضدّ النهب الرأسماليّ والفساد الحكوميّ، الخ.

نعم. لقد غابت الحدودُ الفكريّة والسياسيّة أحيانًا بين الماركسيّ والليبراليّ: فالليبراليّ يدافع عن الحريّات وعن الديمقراطيّة وينتقد نقدًا راديكاليّاً مَن يتعرّض لها، وهكذا يفعل اليساريون، فما الفارق؟ الفارق هو أن على اليساريين أن تكون لهم رؤية اجتماعيّة ــ وهذه الرؤية ما عادت موجودةً إلا كشعارات لهذه المجموعة أو تلك. وفي أيّ حال، فاليسار إمّا ان يكون مستقلاً تمامًا عن الأنظمة العربيّة أو لا يكون يسارًا حقيقيّاً. واليسار الذي ينضوي تحت عباءة هذه النُّظُم القمعيّة، أو يعقد تفاهمًا مع أيّ دولة غير ديمقراطيّة، ليس يسارًا جديرًا بهذا الاسم. واليسار الذي يختار أن يصبح ذيلاً للتيّارات الإسلاميّة، أو مغنّيًا في أعراسها (اقرأ: مهرجاناتها) ليس يسارًا. واليسار الذي يستنكف عن إدانة قمع الحريّات في العالم العربيّ، ويمتنع عن نقد الثقافة الخرافيّة للجماعات الإسلاميّة ليس يسارًا.

كانت روح التنوير تعني أنّ المعرفة صارت تستند إلى العلم والتجربة العلميّة، وما عاد اللاهوتُ هو المصدر الرئيس لها، فتحرّرتْ من سلطة رجال الدين والغيبيّات والخرافات. أَليس هذا الأمر هو غاية التنوير في بلادنا اليوم، أيْ تحرير الانسان من سلطة رجال الدين، وتحرير المعرفة من غيبيّاتهم، ومن خرافات الكتب القديمة الجاثمة فوق رؤوسهم؟ وما دور اليساريين العرب في هذا الميدان؟

إنه دور سديميّ، بلا قوام متماسك. كأنّ هؤلاء خضعوا لقانون التلاشي على غرار علم الفيزياء ومصطلح التآكل، والبيولوجيا ومصطلح الشيخوخة، والكيمياء ومصطلح التحلّل، وعلم الاجتماع ومصطلح الفساد، والتاريخ ومصطلح الانحطاط، والسياسة ومصطلح الاندثار. هل هذا ما يحدث لليسار واليساريين حقّاً؟

لعلّ اليسار المتشظّي اليوم في هذا السديم العربيّ يحتاج، أكثر ما يحتاج، إلى “كفرة وملحدين وزنادقة” وعقلانيين. غير أنّ العلة التي تعوِّق تأسيس هذا اليسار كتيار سياسيّ وفكريّ واضح المعالم تكمن، علاوة على العوامل الذاتية، في الدولة الريعيّة نفسها، وفي المجتمع الرثّ أيضًا. لقد صار المجتمع أكثر رجعيّة، أحيانًا، من السلطة. ولعلّنا ما عدنا نطمح إلى ثورة، بل إنّ منتهى طموحنا هو الإصلاح الذي ربّما يفضي إلى إعادة تأسيس الدولة والمجتمع على أسس مدنيّة عصريّة. وهذا الأمر هو الثورة بعينها، وهذا هو ميدانُ اليسار الثوريّ الذي ما انفكّ غائبًا منذ زمن طويل، مع أنّ تجربة الانتفاضة التونسيّة والثورة المصريّة تقدّم له أفضل حقل لاختبار فاعليّته وأفكاره النقديّة الجديدة والمتجدّدة.

صخر أبو فخر

نقلاً عن مجلة “الآداب” البيروتية.

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: