رأس المال في القرن 21م

by Altaqadomia on 19/05/2014

capital

بقلم: طه يحيى

كتاب الاقتصادي الفرنسي THUMAS PIKETTY البالغ من العمر 42 عاماً، «رأس المال في القرن الحادي والعشرين CAPITAL in the Twenty-First Century» يقع في 577 صفحة نفدت طبعته الأولى من الأسواق خلال أيام قليلة بتصدره جدول صحيفة The New York Times الأميركية لأكثر الكتب مبيعاً إذ حلّ في المركز 16، لأنه يتنبأ بفجوة أكبر بين الأغنياء والفقراء ولانعدام المساواة في مجتمعاتهم، عرض أشكال تراكم الثروة بين الطبقات المختلفة منذ منتصف القرن 19م حتى اليوم. خلص أن الثروة تتراكم لدى أصحاب رأس المال أكثر منها في يد العاملين ويعتبر أن استثناء حصل على أثر الحربين الكونيتين اللتين أدتا إلى تدمير ثروات بعض الرأسماليين الكبار، فيما ساهم النمو السكاني والاقتصادي الاستثنائي الذي تلا الحرب العالمية الثانية واستمر ثلاثة عقود من السنين، أطلق عليها الفرنسيون لقب «الثلاثين المجيدة» في إنعاش الطبقة العاملة. كما ساهم في توسيع الطبقة الوسطى إلى حجم لم تكن دول الغرب شهدت مثله. لكن فور انتهاء مجهود إعادة الإعمار، عاد رأس المال ليتركز في يد قلة قليلة، فيما راحت الطبقة الوسطى في الدول الغربية تضمر رويداً رويداً. ويضرب مثلاً القول إن عائدات الفوائد على رأس المال= 4 أو 5% في أقل تقدير، فيما يتراوح النمو الاقتصادي في معظم دول الغرب بين 1 و2%، ما يعني أن أصحاب الأموال يجنون من فوائدها نسباً أكبر من نسب النمو الاقتصادي العام وازدياد ثرواتهم أكثر من نظرائهم في الطبقات الأخرى، ما يؤدي إلى اتساع الهوة بين الطبقتين.

ولطالما لعب التفاوت الضريبي دوراً محورياً في النقاش الاقتصادي خصوصاً في الجولة الأخيرة للانتخابات الرئاسية عام 2012م، عندما هاجم الرئيس باراك أوباما وحملته، منافسه Mitt Romney، متهمين الأخير بتسديد نسبة أقل من الضرائب من المواطن العادي. وكان الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان خفض الضرائب على الفوائد وعائدات الأسهم المالية، ما يعني أن ثاني أغنى رجل في أميركا البليونير Warren Buffett، بات يسدد نسبة ضرائبية أقل من السكرتيرة العاملة لديه، لأن ضرائب بافيت مبنية على العائدات فيما ضرائب السكرتيرة مبينة على الراتب.

وحاول أوباما أخيراً إقرار قانون يرفع الضرائب على العائدات المالية، أطلق عليه اسم «قانون Buffett». لكن الرئيس الأميركي كان يدرك استحالة المصادقة على القانون في الكونغرس الذي تسيطر عليه غالبية من الحزب الجمهوري، ما يعني أن خطوة أوباما كانت نوعاً ما من قبيل الشعبوية مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في تشرين الثاني المقبل.

THUMAS PIKETTY حاول أن يفنّد في كتابه مقولة أن «الثروة المالية كالماء التي ترفع كل الزوارق»، ويعرّج أيضاً على النفوذ السياسي لرأس المال، فيعتبر أنه كما يعود المال بريع أكبر على أصحابه من عائدات العمل، كذلك للمال تأثير أكبر في السياسة والقرارات الحكومية من مجموع الأصوات التي يمكن غير الأغنياء التأثير من خلالها على هذه القرارات.

أثارت النسخة الإنكليزية للكتاب عاصفة ردود المعلقين الأميركيين، فكتب Rose Dauzat في صحيفة New York Times، أن «ماركس قام من بين الأموات» ليس على الطراز السوفيتي الماضي، بل «عاد الزخم للأفكار الماركسية وعلينا منحها انتباهنا. وأن PIKETTY نفسه يسارياً ديموقراطياً يكره أن يُصبغ بالماركسية. لكن بحسب عنوان كتابه، يبدو أنه مصمم على إعادة تأهيل إحدى أفكار ماركس الرئيسة وتقديمها، ومفادها بأن ما يسمى اقتصاد السوق بطبيعته، يغني أصحاب رأس المال أكثر ممّن لا يملكون المال».

و رأى Temthny Ching تيموثي شينك في مجلة The Nation، أن الماركسية تعود في الولايات المتحدة بالاتكاء على ركيزتين: الأولى الحركة الشبابية التي نشأت عند قيام «تظاهرات 99%» ضد Wall Street قبل ثلاث سنوات، وما يزال هؤلاء الشباب اليوم في حركة ناشطة وينتجون منشورات ومواقع على الإنترنت أبرزها «Jacobin» و«Inquiry الجديد».

الركيزة الثانية لحركة اليسار المستجدة، حسب Ching، في THUMAS PIKETTY الأكاديمي البارع الذي مارس التعليم في جامعة «MIT» المرموقة، وهو عبر كتابه يقدم الغذاء الفكري المنظم لهذه الحركات الشبابية. ولم يأتِ الانتقاد الأميركي PIKETTY من المعلقين الوسطيين حسب، بل من آخرين من المحسوبين في صف اليسار تماماً.

وكتب Robert Samuelson في صحيفة The Washington Post معترضاً على إقحام PIKETTY السياسة في شؤون الاقتصاد، قال: «على رغم أن بيكيتي هو اقتصادي، فإن كتابه يقع في خانة العلوم السياسية، إذ يعترض على التفاوت الاقتصادي الطبقي بحجة انه يؤذي الديموقراطية، ويعطي الكثير من النفوذ لقلة من الناس. ويبدو أن تحليل PIKETTY الاقتصادي منحنٍ ليتناسب وأجندته السياسية».
ويدخل Samuelson في النقاش الأميركي- الأوروبي حول تأثير الضرائب على النمو، إذ لا يعتقد بيكيتي أن رفع الضرائب على رأس المال يعوّق النمو. فيما يعتبر Samuelson أن الزيادة تؤثر سلباً على «حوافز» المستثمرين و«أما بالنسبة لنفوذ كبار الأثرياء في السياسة، فيبدو أنهم بالكاد يسيطرون على أي من الديموقراطيات». إذ أعلن أن «في الولايات المتحدة مثلاً، يذهب 70% من إنفاق الحكومة الفيديرالية إلى الطبقتين الفقيرة والمتوسطة، فيما يسدد واحد في المئة (الأغنى في أميركا) نحو ربع أموال الضرائب التي تجنيها الدولة».

______________________

منقول عن موقع الحوار المتمدن تاريخ 09\05\2014

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: