(تحديث3) حوارات كويتية هامة حول الليبرالية بين منظور الليبراليين ومنظور التقدميين

by Altaqadomia on 17/08/2011

(تحديث3) دار خلال الفترة الأخيرة حوار حول الليبرالية بين منظورين تقدمي وليبرالي وذلك على صفحات الصحف الكويتية ومواقعها الإلكترونية كان طرفاه كتّاب ومتابعين ينتمي بعضهم إلى الفكر التقدمي مثل الأستاذ وليد الرجيب الكاتب في جريدة “الراي” الذي كتب عدداً من المقالات في هذا الموضوع، وكذلك السادة محمد العنزي ومرزوق وبوراشد، وينتمي البعض الآخر إلى الفكر الليبرالي مثل الأستاذة لمى فريد العثمان الكاتبة في جريدة “الجريدة” وزميلتها في الجريدة ذاتها الدكتورة ابتهال عبدالعزيز الخطيب، حيث ننشر في هذا الملف سجل هذا الحوار الهام، الذي نأمل أن يوضح وجهات النظر الفكرية لكلا الطرفين التقدمي والليبرالي…ونضيف لما سبق ثلاث مقالات جديدة للأستاذ وليد الرجيب تحت عنوان “رجعنا إلى المربع نفسه” نشرها في جريدة “الراي”:

مقال الأستاذ وليد الرجيب / فرق شاسع بين الليبرالية والتقدمية/ جريدة الراي/ 18 يوليو 2011

ما زال البعض يخلط بين الليبرالية والتقدمية، بل يرى هذا البعض أن الليبرالية هي قمة المبتغى، وهي المثال الأعلى، وأنها ضد الرجعية، وهذا بالتأكيد فهم مغلوط، ولا يستند إلى التمحيص والتدقيق.
وصحيح أن الليبرالية والتقدمية، يتفقان في ما بينهما في ما يخص بعض الحريات الشخصية، ولكنهما يختلفان مثلاً في حرية الأسواق، أو ما يسمى بسياسة النيوليبرالية، ويختلفان في الرؤية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لتقدم المجتمعات، كما أن الليبرالية لا تهتم بمطالب العمال، وفئات محدوي الدخل والمهمشين، بينما تدافع التقدمية عن كل فئات المجتمع، وبالأخص الطبقات العاملة، والفئات المهمشة من المجتمع.
إن كل الشرور في العالم اليوم، والظلم والاستغلال والأزمات الاقتصادية، كلها بسبب الليبرالية والسياسة الاقتصادية النيوليبرالية، التي تزيد من غنى الأفراد والدول الغنية، وتزيد من فقر الفقراء والدول الفقيرة، والليبرالية لا تتوانى عن شن حروب وحشية، من أجل تعاظم الربح.
والليبرالية لا أخلاقية، فهي لا تتوانى عن الفساد والرشوة، ولا يهمها صحة الإنسان أو تعليمه أو رعايته الاجتماعية، مالم تحقق هذه الخدمات الربح لها، حتى عن طريق الغش، كما لا تتوانى عن التحالف مع الرجعية والإرهاب، كما تفعل الولايات المتحدة الأميركية، التي استخدمت الإرهاب ذريعة لشن حروب عدوانية على الشعوب، كما تحالفت أخيراً مع الاخوان المسلمين والجماعات السلفية في مصر، من أجل الانقلاب على ثورة الشعب المصري.
وتفسير الليبرالية لتطور التاريخ، يختلف اختلافاً جذرياً عن التحليل التقدمي للتاريخ وتطور المجتمعات، فالأولى ترى التاريخ بأنه حوادث متعاقبة ومنفصلة عن بعضها، بينما ترى التقدمية التاريخ، على أنه يخضع لقوانين علمية موضوعية، أي تعمل خارج وعينا ورغماً عنه، والوعي بهذا العلم يساهم في تطور المجتمعات، كما أن الليبرالية ترى أن الرأسمالية هي نهاية التاريخ، بينما التقدمية ترى أن الرأسمالية هي مرحلة من مراحل التاريخ.
والليبرالية ترى في الاقتصاد، ضرورة حرية الأسواق والتنافس الحر، بينما ترى التقدمية ضرورة رعاية الدولة للخدمات وللإنسان، وإن التناقض الرئيسي هو بين العمل وبين رأس المال، ما يجعل التقدمية مناقضة لليبرالية.
الليبرالية تركز على الديموقراطية السياسية، وتهمل الديموقراطية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية، بينما التقدمية تركز على الديموقراطية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية، دون أن تهمل الديموقراطية السياسية، بل تقرنهما معاً.
والذين يرون أن التقدمية أتت من الليبرالية، لا يرون أبعد من جزئية الحريات، بل لا يرون أن بين الاثنتين تناقضاً، وعداء في كثير من الأحيان، خاصة في ما يتعلق بالإنسان ونمط حياته، ومستوى معيشته، فالليبرالية ترى أن سبب فقر الناس هو غباؤهم وكسلهم، أما التقدمية فترى أن الفقر ناتج عن استغلال الإنسان، واضطرار الإنسان إلى بيع قوة عمله.

مقال الأستاذ وليد الرجيب / مرة أخرى بين الليبرالية والتقدمية (1 من 2 )/ جريدة الراي/ 23 يوليو 2011

في مقالي قبل السابق «فرق شاسع بين الليبرالية والتقدمية»، والذي أثار ضجة على التويتر، بين مستحسن ومحتج معارض، وهنا أنا أشكر الاثنين، لأن هذه الضجة دلت على أن المقال فيه ما يستحق النقاش.
وعندما استندت إلى عموميات فلسفية، ظننت أنني سأفهم من قبل الشباب المثقف، والذي فتحت أمامه كل أبواب المعرفة والتكنولوجيا، لكن الهجوم والتوتر وبعض العنف اللفظي، التي سادت الردود على مقالي، وخاصة من بعض المثقفين الليبراليين، يتطلب مني تبسيطاً وفرشة تاريخية لجذور الليبرالية، كما أن بعض الردود جاءت من بعض الليبراليين وبعض الرجعيين الحكوميين، بنفس التوجه ونفس المفردات.
كما أن الردود أثبتت أن الليبراليين كما الإسلاميين، لا يؤمنون بالرأي الآخر، وأن الليبرالية هي أمر مقدس بالنسبة لليبراليين لا يقبل القسمة على اثنين، بينما يؤمن التقدميون بالمقولة الفلسفية العلمية، «الوحدة في التنوع».
أنا استندت على الفلسفة العلمية، ولم استند على العاطفة والتعصب، ولذا فأنا لم أغضب من بعض المثقفين الذين استخدموا ألفاظاً لا تليق بالحوار الراقي المتحضر، كما أنني لم اتناول الملكية الخاصة، فالتقدمية وحتى الاشتراكية ليستا ضد الملكية الفردية، ولكنهما ضد الجشع والاحتكار والاستغلال التجاري والعقاري، أو ضد استغلال الإنسان للإنسان، كما أنني لم أقل ان الليبرالية حزب سياسي، بل هي فكر النظام الرأسمالي، وأي فكر لا يجب التعامل معه بانتقائية، أي ليبرالية اجتماعية وليبرالية اقتصادية واخرى سياسية.
ولا يوجد فكر سياسي أو اجتماعي لا يستند إلى أسس اقتصادية، وبهذا المعني فلا بد له من أن يمثل طبقة اجتماعية، في ظل المجتمعات المنقسمة والمتصارعة طبقياً، أما ما يسمى بالليبرالية الاجتماعية، فهي نتاج الكنزية بعد الحرب العالمية الثانية، التي حققت التعليم والصحة والتأمين الاجتماعي المجاني، أي الرعاية الاجتماعية، كما كانت الكويت عليه في ستينات وسبعينات القرن الماضي، ولكن هذه الرأسمالية الاجتماعية انتهت في الثمانينات مع قدوم ريغن في أمريكا وتاتشر في بريطانيا، أو ما يسمى بالمحافظين الجدد، الذين رأوا في حرية السوق المطلقة، ولوكان على حساب شعوبهم والشعوب الأخرى، هي احدى طرق ترقيع النظام الرأسمالي، الآيل إلى زوال، وليس كما قال فوكوياما «نهاية التاريخ»، ثم عاد واعتذر وغير وجهة نظره، وسأعرض تاريخاً موجزاً لأصل وجذور الليبرالية في مقال مقبل.
وعودة إلى الليبراليين الكويتيين، فقد كنت أتمنى أن يرد على كل ملاحظاتي، لا أن يقال إن بعض الاتهامات أشنع من أن يرد عليها ويكتفون، وبدلاً من تلميح البعض حول موقف التقدمية من الدين، أود أن أوضح ان معركة الليبرالية الأساسية هي مع الدين، وهي تطالب بفصل الدين عن السياسة، وتنادي بحرية الإلحاد (البعض)، بينما الفكر التقدمي ينادي بحرية الاعتقاد، ويحترم جميع الأديان، وينادي بعدم استخدام الدين في السياسة، ويعتبر معركته الأساسية مع الرجعية والاستبداد واستغلال الإنسان للإنسان، وليست مع الدين.
ولي عودة لهذا الموضوع الطويل، في المقال المقبل، حيث ان مساحة المقال، لا تسمح بالسرد المفصل.

مقال الأستاذ وليد الرجيب / بين الليبرالية والتقدمية (2 من2 ) فيروس الليبرالية”/ جريدة الراي/ 25 يوليو 2011

يسميها المفكر سمير أمين «فيروس الليبرالية»، وذلك لسرعة انتشاره، وقدرته على التكيف وتغيير طبيعته، وهذا ما حدث مع الليبرالية، والتي بدأت قبل قرون ثورية وتقدمية، ثم انتهت إلى «ليبرالية معولمة»، تقودها وتسوق لها الولايات المتحدة، مستندة إلى الحرب الدائمة، أو «بالمفرق»، بديلاً عن الحروب العالمية، ومستندة إلى وجودها كقطب واحد.
بدأت فكرة الليبرالية باختصار، في عصور النهضة في أوروبا، لمواجهة سلطة الكنيسة والملكية، واتخذت شكل الكتابات النخبوية، إلى أن توجت بالثورة الفرنسية، التي رفعت شعار «حرية إخاء مساواة»، ولكنها بعد سنوات تمسكت بمبدأ الحرية، وألغت الإخاء والمساواة، ومع نسيان مبدأ المساواة، أصبحت الحرية مبدأً مقدساً، كما أن إلغاء المساواة، أتاح المجال لاستغلال الإنسان للإنسان، وتعمق التناقض بين العمل ورأس المال، وأصبح هناك من يملك وسائل الإنتاج، وهناك من لا يملك سوى قوة عمله.
وفي هذا التوجه ومع تطور الآلة، أصبح هناك وفرة بالإنتاج وضيق بالأسواق، وكان الحل دائما، شن الدول الليبرالية الرأسمالية حروباً على بعضها البعض، لاقتسام الأراضي والثروات والأيدي الرخيصة، كما حدث في الحربين العالميتين، عندما حدثت الأزمة الرأسمالية الكبيرة 1929، والتي سميت بالكساد الكبير، والحروب كانت لحل هذه الأزمة، فاستعانت الدول الأوروبية بعد الحرب الثانية بكنزي ونظريته الاقتصادية، وتحولت إلى الرأسمالية أو الليبرالية الاجتماعية، فتحسن وضع الإنسان حتى عقد السبعينات، وفي الثمانينات جاء المحافظون الجدد ومنهم ريغن وتاتشر، واستندوا إلى مدرسة شيكاغو الاقتصادية، التي تدعو إلى رأسمالية وحشية عدوانية «نيوليبرالية»، لا تعرف العدل ولا التنمية ولا البناء، وتحتقر الإنسان وتستغله إلى آخر مدى، وتمتص ثروات الدول النفطية، لتنعش الشركات والكارتيلات الضخمة، مثل المجمعات العسكرية، وتدعو إلى رفع وصاية الدول عن الاقتصاد وسياسة الرعاية الاجتماعية، وذلك ضمن شروط وإملاءات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، اللذين يفرضان على الدول بيع القطاع العام للقطاع الخاص، بما يسمى بسياسة الخصخصة.
والليبرالية لا تعترف إلا بقيمة إنسانية واحدة، وهي الحرية الفردية، التي تختصر فيها «الحداثة»، والتي تسمح في إطار الرأسمالية، للأقوى أن يفرض قوانينه على الآخرين، في ظل وهم الديموقراطية، وتروج لهذا الفكر في الدول حتى يكتمل استعمارها اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً، وهذا ما حدث في الكويت العام الماضي، في معركة الخصخصة، بين الحكومة والتجار والتنظيمات الليبرالية من جهة، وبين القوى التقدمية ونقابات العمال من جهة أخرى.
ويبدو أنني أحتاج إلى مقالات عديدة، لأوضح خطر الليبرالية على المجتمع، ومدى سذاجة الشباب المخلص، وعدم تعمقه في جوهر الليبرالية.

مقال الأستاذ وليد الرجيب/ ليس بعيداً عن الليبرالية والتقدمية/ جريدة الراي/ 27 يوليو 2011

أثناء نشري للمقالات الثلاث السابقة، حول الفرق بين الليبرالية والتقدمية، أرسلت لي مجموعة من التعليقات والأسئلة، سأحاول الرد على بعضها، وسأهمل التعليقات العدائية، والتي تحمل ألفاظاً لا تليق بالحوار الحضاري.
ذكرني أحد الأخوة، بأن الليبرالية الأوروبية، تحمل توازناً بين الحرية والمساواة، على عكس الليبرالية الأميركية التي تلغي المساواة، وهذا صحيح في الواقع، وهو سبب التناقض والعداء الخفي بين الدول الأوروبية، التي رفضت لبعض الوقت الهيمنة الأميركية، وبين أميركا التي تريد فرض نموذجها على دولنا وعلى الدول الأوروبية على حد سواء، وهو ما أنتج الوسط التاريخي «للاشتراكية الديموقراطية» في أوروبا، كما يقول سمير أمين، وهو شكل متوازن من الليبرالية، ولكن ما يحدث الآن للأسف، هو اقتراب أوروبا من النموذج الأميركي، الذي يفرض نفسه ويعمم نموذجه على العالم، وعلى مثقفي العالم الثالث، وهو ما نلحظ تأثيراته على اليونان وايطاليا والبرتغال واسبانيا، التي يكره مثقفوها الليبرالية، التي أوصلت بلدانهم إلى الافلاس والافقار، رغم أن النظم في دولهم، «اشتراكية ديموقراطية»، والتي هي بالنهاية ليبرالية.
وسألني آخر، ماذا أسمي الثورات العربية، أو على حد تعبيره «الربيع العربي»، فقلت له هي ثورات اجتماعية ديموقراطية، لكنها في النهاية، ستكون ذات نظام ليبرالي، ينادي بالحريات والنظام البرلماني وتداول السلطة، إلا اذا راحت أبعد في مطالبها وحركتها، من خلال الضغط من الأسفل والأعلى، كما يحدث في تونس ومصر الآن، أما النظم الوراثية، فأقصى ما يمكن أن تصل إليه في هذه المرحلة، هي الملكيات والإمارات الدستورية، وهو تقدم ليس بسيطاً، لكنه سيظل في الفلك الرأسمالي، الذي تتعمق أزمته يوماً بعد يوم.
وسألني آخر عن موقف الليبرالية من التلوث البيئي، وآخر سألني عن الليبراليين الكويتيين ومواقفهم، وباختصار إن الليبرالية ارتكبت جرائم بيئية في حق كوكبنا وفي حق البشرية، لأنها تهدف أساساً إلى الربح وتعاظمه، ولا تريد خسارة المليارات، من أجل الحفاظ على البيئة، ولا تريد أن تخسر بوضعها فلاتر لمصانعها، كما أن التجارب النووية، تسهم في الاحتباس الحراري، وتلوث البحار، وتوسع ثقب الأوزون.
الليبرالية الكويتية ومنها القومية، هي تقدمية بمقابل الاستعمار، لكنها في الجوهر ليبرالية، والممارسة النظرية عند الليبراليين الكويتيين، تختلف عن الممارسة السياسية، وبالخلاصة فالفكر الليبرالي، فكر قديم لأنه تراجع عن حركة التاريخ.
وسألني قارئ، هل أرمي من خلال مقالاتي لتفتيت القوى الوطنية؟ وفي الواقع أن القوى الوطنية فتتت نفسها، بعزلتها عن الجماهير ومطالبها، كما انها انحازت طبقياً ضد مصالح فئات واسعة من أبناء شعبها، عندما وافقت على قانون الخصخصة وتبنته، وعندما استبعدت في نضالها، المطالب المعيشية، للفئات الشعبية والمهمشة، وفي النهاية تحولت إلى مراكز انتخابية.
أعتذر عن ضيق المساحة، فلن أستطيع الرد على بقية الأسئلة والتعليقات.

مقال الأستاذة لمى فريد العثمان/ إلى التيار التقدمي: إنه عصر الليبرالية الاجتماعية/ جريدة الجريدة/ 11 أغسطس 2011

“نحن لسنا ليبراليين وإنما نحن تقدميون” هكذا يعرف نفسه التيار التقدمي الكويتي الجديد الذي أسسه الأستاذ أحمد الديين مع مجموعة من الأشخاص، جميل أن «تتنوع المنابر وتتعدد التعبيرات السياسية» كما يقول الأستاذ الديين، لكن ما شكَّل لنا صدمة كبيرة هو سعي التيار لتشويه الفكر الليبرالي في إطلاق حكمه الجائر أن «الليبرالية غير معنية بقضية المساواة والعدالة الاجتماعية». فالتيار التقدمي يختزل الليبرالية بشكل تبسيطي تسطيحي في مفهوم الرأسمالية التي سقطت بشكلها المتوحش، ليعمم ذلك السقوط على الفكر الليبرالي برمته، السؤال الذي لم أجد له إجابة بعد: كيف يغيب عن التيار التقدمي ما يحدث في الدول الأوروبية التي نجحت في تطوير وتأسيس «الليبرالية الاجتماعية» (أو الديمقراطية الاجتماعية) التي تعنى بالعدالة الاجتماعية وتسعى للحد من الاستغلال والقهر والفقر، وهو نموذج يختلف تماماً عن نموذج الرأسمالية النيوليبرالية في أميركا؟
ولكن لا يرى التيار التقدمي في الليبرالية سوى ذلك النموذج النيوليبرالي الرأسمالي الذي يرفضه الليبراليون الاجتماعيون بل ويقفون على النقيض منه ولطالما انتقدوا سياساته الجشعة. وهل يعرف التيار التقدمي أن ما ينادون به من عدالة اجتماعية وحرية هو بالأساس شعار رفعته «الليبرالية الاجتماعية» التي تطورت بعد فشل الاقتصاد المطلق غير المقيد، إذ تسبب في الثلاثينيات من القرن الماضي بتداعيات سلبية كثيرة كانتشار الفقر واتساع الهوة بين الأغنياء والفقراء وتدني أوضاع الطبقة العمالية والبطالة، الأمر الذي أدى إلى الركود الاقتصادي الشهير في عام 1929، ليطور الليبراليون بعد ذلك المفهوم الليبرالي الاقتصادي لإدراكهم أهمية الرقابة الحكومية الضابطة للاقتصاد في ضمان الحد الأدنى من الرفاهية والمساواة والعدالة الاجتماعية، من خلال الدمج بين فلسفتي الرأسمالية والاشتراكية، الأمر الذي يجنب تطرف كلتا النظريتين اللتين طبقتا بشكل صرف فلم تحققا الأمن والعدل الاجتماعي ولم تخففا من المعاناة الإنسانية. ذلك هو الطريق الوسط (أو الطريق الثالث) لفلسفة «الليبرالية الاجتماعية» التي تتبناها الدول الأوروبية والتي تسمى أيضاً بالديمقراطية الاجتماعية، التي يعاد الاعتبار لها اليوم في أميركا بعد الأزمة المالية الأخيرة. وإذا كان من درس مستفاد من التجارب الاقتصادية التاريخية التي أثبتت سقوط الرأسمالية بشكلها المتوحش كما أكدت انهيار الاشتراكية بشكلها الشمولي المستبد، فهو أن «الليبرالية الاجتماعية» أتت لتعالج اختلال النظريتين لتوازن بين تنافسية القطاع الخاص وتحقيق العدالة الاجتماعية من خلال قوانين الحد الأدنى من الأجور والتأمين الصحي والتعليمي والمعونات الاجتماعية للعاطلين عن العمل ورعاية الطفولة وكبار السن والمحتاجين وغيرها.
يقول الأستاذ العزيز وليد الرجيب «إن الليبرالية لا أخلاقية ولا يهمها صحة الإنسان أو تعليمه أو رعايته الاجتماعية، ما لم تحقق هذه الخدمات الربح لها…» ونحن نرد على الأستاذ الذي نكن له كل الاحترام والتقدير، أن الليبرالية لا تنحصر في قالب الرأسمالية (النيوليبرالية) التي تتبناها اليوم الحركة اليمينية للمحافظين الجدد في أميركا، فالليبرالية كالاشتراكية تتراوح وتتفاوت في معناها ومبناها من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال، ووضعها في قالب واحد ثابت هو تبسيط لتطورها التاريخي المتشعب وعدم اعتراف بالليبرالية العدلية التي أسسها الفيلسوف الليبرالي جون رولز أحد أهم فلاسفة القرن العشرين، وهو من وصف النظام العالمي بالرأسمالية المتوحشة الجائرة وهو من انتقدها وكتب عن نظرية العدالة.
إن الليبرالية الاجتماعية فلسفة أخلاقية تتمحور حول الإنسان وحقوقه، ولها إرث تاريخي من النضال من أجل استقلال الإنسان وعتقه من الثقافات الشمولية وتحريره من الاستبداد والقهر والطغيان، فلا يمكن أن تستقيم الديمقراطية دون قيم التعددية والتسامح والحريات السياسية والمدنية وحرية الاعتقاد والتي لولا الفلاسفة الليبراليون لما تأسس على أثرها «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان». كما لا يمكن أن تكون معركة الليبرالية الأساسية، كما يقول الأستاذ الرجيب، هي مع الدين، إنما مع التعصب والطغيان والاستبداد بكل أنواعه بل هي تدافع عن حق الانتماء الديني للأقليات، وها هي الأديان في المجتمعات الليبرالية تنعم بالحرية والاستقلالية.
إنه عصر الليبرالية الاجتماعية الآخذة في الازدهار والرواج في الكثير من الدول الأوروبية لا كما يقول أستاذنا إنها انتهت منذ الثمانينيات… فهل تلتفت لها الشعوب العربية التي انتفضت من أجل الحرية والعدالة والكرامة الإنسانية؟

تعليق السيد محمد العنزي على مقال الأستاذة لمى فريد العثمان (منشور على الموقع الإلكتروني لجريدة الجريدة)

الاخت لمى…الليبرالية هي مع الحريات بشتى اشكالها ومنها الحرية الاقتصادية وبنظامها الاقتصادي الراسمالي وهم لا يفصلون بين الليبرالية الاجتماعية والاقتصادية اما نموذج الطريق الثالث الذي تبناه بلير في بريطانيا فهو نموذج قدمه منظروا حزب العمال الذين يقدمون الفكر الاجتماعي ولايمكن ان تصفيهم بانهم ليبراليين وانما هم بالاتجاه الاخر من هذا الخط وقدموا نفسهم بديل عن حزب المحافظين وان كان نموذج الطريق الثالث لم يحسن الوضع الاجتماعي للطبقات الدنياولم ينجح بمعالجة حقوق العمال وعدم تركز راسالمال لدى الملاك وانما زادت على حساب الطبقة العاملة
لذا من المهم ان نحدد موقف الليبرالية من الطبقات الدنيا ومنها الطيقات العمالية فهي استغلالية الى اقصى حد وحول كلامك بانها تبنت قضايا الطبقات الدنيا من المجتمع لانسانياتها نتيجة وجود تيار ليبرالي اجتماعي في مرحلة ازمة الثلاثينات من القرن الماضي فهذا غير صحيح ففي ذلك الوقت تبنى مفهوم تدخل الدولة هو الاقتصادي كينز الذي يصنف من دعاةالرسمالية ولكن نتيجة الخوف من انتشار الشيوعية في اوساط الناس بسبب وحشية النظام الراسمالي طرحت فكرة تدخل الدولة ودعم المجتمعات خوفا على سقوط النظام الراسمالي فقدموا بعض التنازلات التي ذكرتيها بمقالتك ولكن هذا الفكر تم التراجع عنه في الثمانينات بعد ضعف النظام الشيوعي وانتهاء خطره على نظامهم ومنها انطلقت الراسمالية بنموذجها المتخلف مرة اخرى التي دعت الى انهاء عصر دولة الرفاه واطلاق الحرية الاقتصادية وتخلي الدولة عن التزاماتها نحو المجتمع ولم يظهر في ذلك الوقت اي صوت للبيرالية الاجتماعية وارجو من الاخت لمى ان تراجع ادبيات الليبراليين الكويتيين في مرحلة التسعينات وموقفهم من دور الدولة الذين دعوا الى تخليها عن التزماتها وما جاء ذلك الطرح الا نتيجة انتشار مفهوم الليبرالية عالميا واصبح مفهوم الاشتراكية احد النماذج القديمة التي يجب التخلي عنها ولكن موقف الليبرليين سواء في الكويت او عالميا تراجع بعد تعرض النظام الراسمالي للازمة المالية العالمية وطالبوا بتدخل الدولة مرة اخرى لدعم مؤسساتهم الراسمالية ومن ضمن دعوتهم هي من اجل المحافظة على الطبقة الوسطى والمجتمع وهذا غير صحيح وانما من اجل حماية نفوذهم فقط..احب ان اؤكد ان من دعوا الى وجود دور للدولة بشكل مستمر ودائم هم الاجتماعيون ذوي النزعة الاشتراكية وليس الليبراليون لكن بعد هذا هل يمكن لنا الحديث عن الليبرالية بعد ماحدث في العالم من ازمة حالية يعيشها النظام الراسمالي..اشك في ذلك …في النهاية لا اشك في نواياك لانك دائما تتبنين المسائل الانسانية التي يجب ان تشكري عليها ولك تحياتي الخالصة.

تعليق السيد مرزوق على مقال الاستاذة لمى فريد العثمان (منشور على الموقع الإلكتروني لجريدة الجريدة)

شكرا أستاذة على أسلوبك الجميل في التعامل مع مخالفيك، هذا مثال جيد على المقال النقدي البناء

لعلي أتفق بأن نقد الرجيب والديين للليبرالية، على الأقل في الاقتباسات التي أوردتها، لا يحتوي على حجج بل مجرد آراء، لكن قد تكون لديهم نقطة أعمق

ربما تكون مشكلة الليبرالية أنها لا ترى تناقضات، وليس مشاكل، الرأسمالية، فهي تركز بشكل أساسي على الجانب السياسي والحريات الشخصية ومن ثم إذا وجدت مشاكل صارخة في الجانب الاقتصادي والاجتماعي (مثل توزيع الثروة) فإنها تحاول بصدق حلها لكن حلولها تكون وقتية ترقيعية، بمعنى أنها لا تعالج التناقضات الرئيسية في قلب الرأسمالية

لعل ما أريد قوله هو أن كلامك قد يكون صحيحا حول أن الليبرالية تهتم بالعدالة الاجتماعية، لكن في نفس الوقت أعتقد بأن هناك حجة معقولة مفادها أن هذا الاهتمام لا يمكن أن يكون أكثر من مشاعر صادقة لا يمكن تطبيقها في الواقع بسبب مشكلة في الفكر الليبرالي نفسه الذي لا يرى تناقضات الرأسمالية وبالتالي لا يعالجها فلا يستطيع تحقيق العدالة الاجتماعية بشكل جدي ودائم

أحد الأسئلة المهمة هي: لماذا لم يستمر النموذج الليبرالي الاجتماعي سوى خمسة وثلاثين عاما (1945-1980) من أصل خمسمائة عام هي عمر الرأسمالية وفق بعض التقديرات؟ ولماذا انهار في الثمانينات؟ لعل الجواب هو أن الرأسمالية لم تتحمل العدالة الاجتماعية فدفعت الطبقةالثرية أن تفكك هذه الليبرالية وتضع نظاما يحمي مصالح تلك الطبقة فقط

تعليق السيد بوراشد على مقال الاستاذة لمى فريد العثمان (منشور على الموقع الإلكتروني لجريدة الجريدة)

اشكالية الحوار حول مفهومي الليبرالية والتقدمية تنبع من نقطتين غير واضحتين أو بالأحري غير دقيقتين:
رغم أن الليبرالية مرتبطة بالفكر المدافع عن الرأسمالية وعن الفكرة الجوهرية لها وهي الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، إلا أن أطرافا وقوي عديدة منها يمكن أن يطلق عليها صفة التقدمية، حتي في الغرب الرأسمالي الذي قد تكون علاقات الانتاج في دولا عديدة منه فقدت القدرة علي تطوير القوي المنتجة، وأصبحت طبيعة النظام الاقتصادي حائلا أمام التقدم الشامل والأوسع، ونحن نشهد اليوم احتدام المعارك المعيشية والفكرية والسياسية في الغرب بناءا علي هذا الصراع المتأجج تبعا لأثار ونتائج إحتدام الأزمات الدورية والعامة، إلا أن قوي ليبرالية مهولة تتجه يسارا وتصف يوما بعد أخر إلي جانب دعم التطور وكبح جماح الطغمة المالية المهيمنة علي المقدرات والسياسات وهم بذلك يقفون موقفا تقدميا واضحا في كبح جماح رأس المال، مع أن توجههم العام دعم رأسمالية الدولة وانتشال الطبقات الوسطي من “السقوط الي الهاوية”، وهذا لا يضعهم حاليا في خانة الرجعية، بناءا علي مواقفهم من ضرورات تطور المجتمع اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، ورغم عدم ادراكهم الحالي (طبقيا وفكريا) للتناقض الجوهري للرأسمالية.
وأعتقد جازما أن السيدة لمى (وغيرها الكثيرين في الكويت) من أولئك الليبراليين التقدميين الواضحين في دفاعهم عن الدولة المدنية والحقوق الديمقراطية وحقوق المضطهدين، وقد تكون السيدة لمى في بعض القضايا المحلية أكثر وضوحا في دفاعها ومطالبتها بشأن الحقوق العامة للمحرومين والمُغيبين قسرا عن ساحة الحياة والمطحونين في دوامة الاستغلال الطبقي، ومن هنا أتفهم إنتقادها للديين والرجيب.
ورُغم أن السيدة لمى تدافع عن حق الملكية الخاصة لوسائل الانتاج إلا أنها، من الواضح، لا تؤيد انفلات رأس المال الطفيلي وتنزع نحو الدفاع عن التطور إجمالا وهي رافضة للرجعية والتخلف، ومجرى الكفاح هو الكفيل بالابقاء أو نفي صفة التقدمية، وليس غيره.
أما بالنسبة لمفهوم التقدمية، فهي صفة وهي ليست مطلقة الا لأولئك الذين يقفون موقفا تقدميا إزاء كل ضرورات تطور المجتمع، وقد يكون ذلك ما قصده أحمد الديين ووليد الرجيب، ولا يمكن بأي حال من الأحوال وضعها خارج السياق التاريخي الزماني والمكاني، وباعتبارها صفة، لابد أن تكون مرتبطة بالدفاع عن التطور ضمن أي نظام اقتصادي أو سياسي، ومع أنها تعتبر من ركائز أدبيات الفكر اليساري لكنها قد تتمحور يمينا ويسارا بناءا على الموقف من الفكرة الجوهرية وهي الملكية العامة لوسائل الانتاج، وتبعاتها الضرورية في الحرية، وبالتالي العدالة الاجتماعية المطلقة.
قد تكون الاشكالية في أن من يطلقون علي أنفسهم تقدميون يحتاجون الي توضيح أفضل لأطروحاتهم التي لا تخلو من الليبرالية، وفي نفس الوقت علي الليبراليين التقدميين أن ينأوا بأنفسهم عن الليبرالية الطفيلية وتبعاتها الاقتصادية والاجتماعية والفكرية الرجعية.

مقال الدكتورة ابتهال عبدالعزيز الخطيب / صح النووووووم/ جريدة الجريدة / 14 أغسطس 2011

كتبت الزميلة لمى العثمان تفنيداً رائعاً لما ورد على الصفحة الإلكترونية للتيار التقدمي، وعلى ألسنة بعض أعضاء التيار سواء في “تويتر” أو في مقالات صحفية من اتهامات وإساءات للفكر الليبرالي لا أجد لها تبريراً أو غاية أو منفعة، والحق أقول إن هذا المنحى الهجومي هو بحد ذاته معضلة التيارات “التنويرية” المتقدمة، فعوضاً عن أن تتعاضد هذه التيارات الفكرية في مواجهة الفكر الرجعي الآخذ في السيطرة، تتصارع فيما بينها بشكل، وأقولها بكل وضوح وصراحة، يثير الغثيان من جهة، والضحك والشماتة من جهة أخرى، في مشهد يذكر بـ”فتح” و”حماس” وهما تمسكان بتلابيب بعضهما غير واعيتين لدبابات إسرائيل التي تحوطهما من كل حدب وصوب.
لم يكن الرد صحفياً وارداً لدي، وأصدقكم القول، فقد كنت خجلى من تعرية هذا الصراع المحرج من جهة، وكنت منبهرة من وحشية ما يقال من جهة أخرى حتى تعذر الرد، ولكن التفنيد الرصين لقلم لمى العثمان أنعش الشهية للخوض البحثي في موضوع الليبرالية التي يهاجمها اليوم، وللأسف الشديد، من يجب أن يعول عليها وعلى أصحابها في مساندة فكره وتياره الذي لن يجد صدى عند أحد غير أصحاب الفكر الليبرالي الحقيقي الرصين.
والليبرالية كما يقول رائد قاسم هي “ليست نظاماً أو نهضة أو حركة تهدف إلى خوض صراع ضد منظومة معينة، ولكنها متناقضة بشكل عام مع أي حركة شمولية قائمة على الاحتكار والاستئثار”، وهي تعني كما يشرحها تركي الحمد “أن يحيا (الإنسان) حراً كامل الاختيار في عالم الشهادة، أما عالم الغيب فأمره متروك في النهاية لعالم الغيب والشهادة. الحرية والاختيار هما حجر الزاوية في الفلسفة الليبرالية”، كما يقول عبدالكريم سروش إن الليبرالية رسخت مفاهيم كانت في السابق مرفوضة ومنبوذة مثل “مفهوم العقد contract ومسؤولية الدولة تجاه الشعب، والحقوق الطبيعية (الفطرية) للمواطنين، ومبدأ التنافس، والحرية، والفردية، والشك على المستوى المعرفي، ونبذ الأرستقراطية، والحياد الفكري للسلطة، والتسامح، والتحرر”.
تلك هي إذن الليبرالية بعمقها الفكري الفلسفي، هي منهجية كل المناهج، وفكرة احترام كل الأفكار، هي ليست نظاماً، ولكنها فكرة تحرير الأنظمة من استبداد بعضها ببعض، هي ليست حركة، ولكنها فكرة شمولية لكل الحركات وإقصائية لتحكم وسيطرة أي منها. ومما لا شك فيه، أن الليبرالية في بدايتها بنيت على “التحرريات” الثلاثة: تحرير الإنسان من تسلط رجل الدين المستبد، وتحرير المحكوم من سيطرة الحاكم الظالم، وتحرير السوق من تحكم التاجر الجشع.
ومن هنا، انطلقت النظريات الاقتصادية المختلفة، والتي منها الرأسمالية المطلقة المنبوذة اليوم، في محاولة لإيجاد تطبيقات صحيحة لفكرة تحرير السوق، كما انطلقت النظريات السياسية والاجتماعية المختلفة، منها الناجح ومنها الفاشل، لتحرير الإنسان من الحاكم الظالم ورجل الدين المستبد.
لذا، فإن الرأسمالية الجشعة التي ينتهجها اليوم محافظو، وليس ليبراليو، أميركا، ما هي إلا إحدى نظريات تحرير السوق التي لا يتحمل الفكر الليبرالي في فلسفته وأصوله الخالصة مسؤوليتها، فالفكر الليبرالي اعتمد فكرة تحرير السوق من التاجر الجشع ولم يقدم منهجية محددة، وما المنهجيات المتعددة المتتالية سوى محاولات مختلفة من ليبراليين وغيرهم من تقدميين ويساريين بل إسلاميين ومسيحيين، لإيجاد منفذ تحريري للسوق، نجح مرات وفشل مرات أخرى.
هذا، ويبقى مصطلح “الليبراليون الجدد”، وهو مصطلح يقترب من وصف محافظي أميركا وسياسيي العرب المؤازرين لسياسات أميركا ولا يقترب من وصف الفكر الليبرالي الحقيقي، مصطلحا هائما عائما يشتت أكثر مما يجمع، وهو يبدو أنه يطلق اليوم على من يميل إلى السياسات الأميركية خصوصاً في قضية التطبيع مع إسرائيل ومع الرأسماليين المسيطرين على السوق الجشع، ولا أرى له علاقة بالفكر الليبرالي الحقيقي سوى باستخدامه فكرة “التحرير” التي تبتذل اقتصادياً من قبل “المحافظين” دون غيرهم.
لقد جاء “تجريح” المبدأ الليبرالي تحديداً في أهم مبادئه: الأخلاق والمساواة والعدالة الاجتماعية والتي يعتقد الفكر الليبرالي بتحققها جميعاً بتحرير عقل الإنسان وتمكينه من الإبداع، فالتحرير والتمكين وهذان يتطلبان أن يخطئ الإنسان ويصحح خطأه، لذا فالليبرالية لا ترسم منهجية، ولكنها تحرر الإنسان من القيود التي تمنع عنه الانطلاق في رسم منهجيته والإمعان في محاولاته من أجل حياة أفضل وأخلاق أفضل وعدالة أعم وأشمل.
الاعتراف بالحق فضيلة، حفنة قليلة غالية هي المؤمنة بفكرة بتحرير الإنسان وبحقه الخالص في الاختلاف الممعن، فمتى نعي حجمنا أولاً ومعضلتنا الحقيقية ثانياً لنوحد الصفوف الفكرية التنويرية؟ الحكام المستبدون يتساقطون الواحد تلو الآخر ليشمر الفكر الديني الأصولي عن ساعديه ليغتال الثورات وينهب نتائجها، ونحن هنا، نتصارع صراعاً فقيراً خاوياً هو حبر على ورق، متى نصحو؟

تعليق السيد بوراشد على مقال الدكتورة ابتهال عبدالعزيز الخطيب (منشور على الموقع الإلكتروني لجريدة الجريدة)

السيدة ابتهال..في الحقيقة استمتعت مثلك بمقال الكاتبة لمى العثمان وأشاركها في بعض الأراء ، ولا أعلم خلفيات أو “خفايا” الاتهامات أو الاساءات لكنني تابعت بعض، وليس كل الاراء، التي وردت في الصحف ولم أتابع التويتر للأسف، ولي بعض الملاحظات أرجو أن لا تكون “غثة” في هذا الشهر الفضيل.
منهج الليبرالية هو الدفاع عن النظام الرأسمالي واستمراريته عبر صيانة الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، أي المصانع والمتاجر والمؤسسات التي تحتاج إلي أيدي عاملة (من غير المؤسسين) والتي هي جوهر الاستغلال الطبقي والاجتماعي بسبب الاستحواذ علي جزء رئيسي من عمل المنتجين أو المستخدمين، وليس فقط صيانة الملكية الخاصة للاستهلاك الشخصي أو المنفعة العائلية التي هي ضرورة للأرتقاء بالانسان وانتاجيته في كل العصور والمراحل، وهذا ليس إلا أستنادا علي فكر أبو الرأسمالية أدم سميث و “يده الخفية” في الحرية الاقتصادية.
والليبرالية ترسم منهجية محددة منذ أواخر القرن الثامن عشر والي الآن، منهجية حجر الزاوية فيها الحرية الفردية في التملك الخاص، وهي ليست منهجية كل المناهج، وان اشتملت بعد ذلك بعقود علي نظرة اعمق واشمل للحرية وارتباطها بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ولكن دونما التخلي عن النهج الرأسمالي و”الحق الألهي” في الملكية الخاصة لوسائل الانتاج، والتي أعتبرها جان جاك روسو سببا لجميع الشرور التي لحقت بالبشرية، والفكر الرجعي موجود داخل الفكر الليبرالي أيضا لأن الليبراليين ليسوا فئة اجتماعية متجانسة، فمنهم من يركز فقط علي الحرية النسبية السياسية والحرية المطلقة الشخصية، ومنهم من يركز علي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية دونما تجاهل الحريات العامة والفردية، وتتراوح المواقف باختلاف الانتماءات الاجتماعية التي هي الدافع الاقوي، وليس الوحيد، للمواقف الفكرية.
واشكالية الليبرالية أنها كفكر إرتبطت بصيانة الاستغلال الاجتماعى والطبقي واستعباد الشعوب الضعيفة، لكنني لا أعتقد أن كل الليبراليين رجعيين أو أنهم تنوريين تقدميين، فهم كغيرهم من أتباع الفكر الديني، خليط غير متجانس وتحكمهم مصالح انتماءاتم ومتطلبات مراحل التطور والتقدم الاجتماعي.
وليس هناك معيار للتنوير والتقدمية أهم من معيار محاربة شرور رأس المال وارتباطاته العنكبوتية بمصائر البشر.
لا أعتقد أن الاختلاف يضر في هذا الجانب، وهو ليس صراعاً فقيراً خاوياً، وهناك أسباب أخرى ذاتية تحول دونما قوة الاتجاهات التقدمية عموما، وضمنها العديد من الليبراليين التقدميين، وتشتتها وصغر حجمها كان ولا يزال بسبب اعتبارات الصمت الفكري أكثر منه بسبب الصراع الفكري، والفكر الاصولي الدينى ليس هو أصل الفكر الرجعي في زمننا المعاصر، وان كان رجعيا متخلفا، ولن تكون هناك صحوة عربية أو تنوير عربي بدون حوار حر دائم ومتنوع، أما الاساءة (إن حدثت فعلا) فهي لا تسئ للفكر إن كان تنويريا.
وعذرا سيدتي الفاضلة علي الاطالة.

تعليق السيد مرزوق على مقال الدكتورة ابتهال عبدالعزيز الخطيب (منشور على الموقع الإلكتروني لجريدة الجريدة)

شكرا دكتورة على المقال، وإن كان مقالا غاضبا بعض الشيء دون مبرر واضح لذلك، وكذلك العنوان غير موفق، بينما كان مقال الأستاذة العثمان أكثر انضباطا، على أي حال أثارني الموضوع وأود التعليق على كل فقرة على حدة لأن موضوعك غني يستحق ذلك

الفقرتان الأولى والثانية لا يبدو أن فيهما فكرة غير الامتعاض من المنتقدين، وغير معلوم ما هو السبب وبصراحة غير وارد أن يبحث القارئ عن تفاصيل ذلك في تويتر أو في الصحف دون أن تذكري تفاصيل هذه التعليقات والمقالات أو مصادرها، وأما ما أوردت عن موقع التيار التقدمي فيمكن الاطلاع عليه بسهولة وفي آخر تعليقي تعليق عليه، وعلى أي حال لعل لك أسابابا وجيهة في الامتعاض لم تري من المناسب أيرادها فلك العذر

في الفقرة الثالثة أشكرك على استشهادك باقتباسات لأنها تحدد النقاش، اقتباس رائد قاسم يحدد ما لا تمثله الليبرالية (ليست نظام أو حركة أو نهضة) ولكنه لا يحدد ما هي (هل هي مجرد فكرة بالنسبة له؟ ما عمقها ومتى تتحول إلى فكر أو منهج أو نظرية؟) مما يجعل كلامه محدودا في إفادته، أما اقتباس تركي الحمد فهو يبدو لي خاطئا باختصار، فالحمد قد يكون يعرّف الحداثة بمعنى العقلانية ولا يعرّف الليبرالية والتي هي أضيق من الحداثة كمفهوم (الفيلسوف الألماني هايدجر كان يعتبر نفسه حداثيا ونازيا في نفس الوقت ولا أعتقد بأنك تعتبرين النازية متوافقة مع الليبرالية)، على أي حال تعريف الحمد يبدو تبسيطيا غير دقيق لا للحداثة ولا لليبرالية، أما اقتباس عبدالكريم سروش فلعله الأدق والأفضل، وإن كنت لا أعرف أدلة على أن الليبرالية تُعرّف بالضرورة نسبة ل “الشك على المستوى المعرفي ونبذ الأرستقراطية” فالشك المعرفي أسبق على الليبرالية تاريخا ومفهوما ونبذ الأرستقراطية ليس بالضرورة متعارضا مع الليبرالية من الناحية النظرية، فممكن أن تكون ليبراليا وتؤمن بأرستقراطية الميزة Meritocracy ، أي أن يكون الأذكياء مثلا في درجة أعلى من غيرهم في المجتمع بشكل دائم بسبب كونهم أذكياء فقط، على أي حال نقطة الأرستقراطية هذه غير محسومة وويمكن تفسيرها لتتوافق مع موقف قاسم

الفقرة الرابعة أيضا مفيدة في شرح الليبرالية، وإن كانت عبارة مثل أن الليبرالية “فكرة شمولية لكل الحركات وإقصائية لتحكم وسيطرة أي منها” تبدو مبهمة بسبب التعميم على جميع الحركات (هل الليبرالية “شمولية” للحركات العنصرية؟)وبسبب استخدام لفظة “فكرة شمولية”، ولعل ذلك خلل في ترجمة مفهوم “الشمولية” إلى العربية أو خلل في استخدامها، فالشمولية بالعربية تعني (لي على الأقل) التوتالياترية وهي التحكم في كافة جوانب المجتمع من قبل السلطة، والليبرالية قطعا ليست ذلك

الفقرتان الخامسة والسادسة أعتقد بأنهما عينا الصواب حينما تحددان بأن الليبرالية لا تتبنى بالضرورة فكرا اقتصاديا معينا قدر تبنيها فكرة تحرير الأسواق، لكن أعتقد بأنه من الضروري أيضا ذكر الملكية الخاصة إلى جانب تحرير الأسواق كركائز اقتصادية لليبرالية، والسبب هو أنه لا معنى لحرية الأسواق دون ملكية خاصة وتحديدا ملكية خاصة في وسائل الإنتاج (مثل المصانع والورش المهنية)، والمهم هنا هو ملاحظة أن ارتكاز الليبرالية على حرية السوق والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج يعني أنها فعليا ترتكز على الرأسمالية التقليدية في الاقتصاد، ويبدو أن هذا هو لب الاختلاف مع اليساريين، وهو أن اليساريين يركزون على علاقة الليبرالية بالرأسمالية ويرون الرأسمالية سيئة فيدينون الليبرالية لاستنادها على الرأسمالية، والسؤال اليساري هنا هو ما موقف الليبرالية من معالجة المشاكل التي تنتجها الرأسمالية مثل سوء توزيع الثروة وتدمير البيئة والثقافة الاستهلاكية والحروب والأزمات الاقتصادية؟ لا أعتقد بأن الليبرالية لها جواب جذري محدد على هذه المشاكل وأنت دكتورة لا تقدمين جوابا وهذا ما ينتقده اليساريون في الليبرالية، الليبرالية قد تكون جيدة من حيث تركيزها على الحريات الفكرية والسياسية والشخصية لكنها غير كافية لحل بعض أهم مشاكل الإنسانية، بل إن التزام الليبرالية بالنظام الرأسمالي يجعلها أحيانا جزء من المشكلة وليس الحل

أما بالنسبة للفقرة السابعة فتناول موضوعا كبيرا وهو الليبرالية الجديدة الذي يستحق مقالات لوحده فلا يمكن إعطاؤه حقه في فقرة، وبصراحة فإن قراءة تعليقاتك على مفهوم الليبرالية الجديدية تظهر التباسا في فهم الموضوع والذي لا علاقة مباشرة له لا بالعرب ولا باسرائيل بل الليبرالية الجديدة هي نظرية اقتصادية سياسية طورها مجموعة من اليساريين منذ الثمانينات لتفسير الرأسمالية في طورها المعاصر، ولك مصادر جيدة في كتابي “تاريخ مختصر للليبرالية الجديدة A Brief History of Neoliberalism” لديفيد هارفي حول الجانب السياسي والاجتماعي و”أزمة الليبرالية الجديدة The Crisis of Neoliberalism” لجيرارد دومينيل ودومينيك ليفي للجانب الاقتصادي

الفقرة الثامنة تبدو مصيبة في مدح الجانب التحرري من الليبرالية وإن كان هذا التحرر نابعا من فكر الحداثة (أي العقلانية) بشكل عام وليس مقتصرا على الليبرالية، لكن قولك بأن “الأخلاق والمساواة والعدالة الاجتماعية” هما أهم مبادئ الليبرالية أعتقد بأنه غير دقيق، فمن الأفضل القول بأن الليبرالية تستند على الحرية والمساواة والعدالة تنتج من مواءمة معينة بين الحرية والمساواة، والأخلاق لا علاقة مباشرة لها بالموضوع، كما لا أعرف ما معنى أن “الليبرالية لا ترسم منهجية”؟ فكيف تحرر الإنسان من القيود إذن؟ لست متأكدا من معنى “المنهجية” الذي تستندين إليه ولعلك تقصدين أيديولوجيا بالمعنى السلبي الذي قد يعني وفق بعض التعريفات فكرا منغلقا غير مستند على أسس مادية، على أي حال وددت لو أنك شرحتي طريقة استخدامك للمصطلحات خصوصا في مثل هذه المواضيع الدسمة حتى تتضح للقارئ رؤيتك

الفقرة الأخيرة تبدو إنشائية لا وجوب لمعالجتها

بالنسبة لما ذكر في موقع التيار التقدمي فيبدو أنه يختلف عن طرحك في المنهجية، فيبدو لي على الأقل أنه بعرّف الليبرالية ويشرح تطورها من جانب مادي تاريخي، أي ماركسي، وطبيعي أن يختلف عن تفسيرك دكتورة، فمثلا أتوقع أن تفسيرك لدور الدين في المجتمع سوف يختلف عن تفسير التيار التقدمي واليساريين عامة وسوف يختلف عن تفسير الإسلاميين كذلك، فحضرتك قد تستندين على تفسير اجتماعي أو أنثروبولوجي معين بينما اليساريون يستندون على تفسير مادي تاريخي والإسلاميون يستندون على نصوص دينية، هذا خلاف فكري في المنهج وهو شيءطبيعي مثمر ولا يبدو أن فيه أي كيدية تدعو للغضب

أخيرا يبدو بأن جزء كبيرا من الاختلاف يدور حول موقف الليبرالية من العدالة الاجتماعية، وهنا من المهم ملاحظة أن معنى العدالة الاجتماعية نفسه غير متفق عليه لأن معنى “العدل” غير متفق عليه، فمثلا جون رولز الذي تذكره الأستاذة العثمان مشكورة في مقالها له تعريف محدد لمعنى “العدل” في المجتمع، وهو فيلسوف ليبرالي بامتياز، بينما روبرت نوزيك مثلا له تعريف للعدالة مختلف جدا عن رولز، وكلاهما يتبنى الليبرالية وإن كان الأول يتبناها بالمعنى الأميركي بينما الثاني بالمعنى الليبراتاري، أي أن الأول يدعو لرأسمالية مقيدة بينما الآخر لرأسمالية غير مقيدة، ما أقصد قوله هو أن مفاهيمنا قد لا تعني الشيء نفسه لشخصين وإن كان كلاهما يستخدمانها، فالعدالة الاجتماعية مثلا بالنسبة لك دكتورة قد لا تعني نفس العدالة الاجتماعية التي يدعو إليها اليساريون أو الإسلاميون، وقد يفيدنا هنا الوضوح في النقاش والتماس العذر للمخالف، ولعل مقالك دكتورة بداية خير لذلك.

مقال الأستاذ وليد الرجيب/ رجعنا إلى المربع نفسه (1 من 3)/ جريدة الراي/ 17 أغسطس 2011

عندما نشرت مقالي بعنوان «فرق شاسع بين الليبرالية والتقدمية» في جريدة «الراي»، بتاريخ 18 يوليو 2011، لم أكن أرد على أحد أو لم أوجهه ضد أحد، فأنا أحترم كل الناس بكل توجهاتهم، وللعلم فمعظم أصدقائي، هم من المنتمين للفكر الليبرالي، ومن المستحيل أن أهاجم أصدقائي، لمجرد إيمانهم بفكر ما، أو نظرية ما، وعلى كل حال لا يمكن طرح وجهة نظر عميقة وعلمية، في مقال بحجم 250 أو 300 كلمة، كما أن وصف التقدمية، يجب أن تصاحبه شروح وتوضيحات.
ولكني دهشت من ردود الفعل على المقال، التي كان بعضها عنيفاً، ويفتقر إلى أدب الحوار، كما تلقيت العديد من الأسئلة والاستفسارات حول الفرق بين الليبرالية والتقدمية، أو توضيحات لأمور غفلت عنها، وفي ظني لا بأس من اثراء الحوار في ساحتنا التي أسنت منذ زمن.
وكنت قد عزمت على عدم الخوض ثانية في موضوع الفرق بين الليبرالية والتقدمية، لكثرة الحساسيات ولاعتقاد البعض أني أهاجم الليبراليين، أو حتى القوى الوطنية، ما ذكرني بحساسيات الإسلام السياسي عند مناقشة فكرهم لولا مقال الصديقة العزيزة لمى العثمان.
تتميز كتابات الأستاذة لمى العثمان بالحس الإنساني، والانحياز الواضح للديموقراطية ومبدأ الحريات، ولكتاباتها أهمية في ساحتنا الإعلامية، وشارع الصحافة، في ظل اسفاف وانحطاط في لغة الحوار الصحفية وفي مجلس الأمة، وجاء مقال الأستاذة لمى حضارياً مؤدباً، كما يفترض أن يكون الحوار، ولم تعتمر خوذتها، أو تضع درعها، مما يجعلنا نتفاءل، باستعادة ثقافتنا البعيدة عن الانحطاط في الخطاب السياسي.
كتبت الصديقة لمى مقالاً أشبه بالرد جاء فيه: «أن التيار التقدمي سعى لتشويه الفكر الليبرالي، وأن «الليبرالية غير معنية بقضية المساواة والعدالة الاجتماعية»، فالتيار التقدمي يختزل الليبرالية بشكل تبسيطي تسطيحي في مفهوم الليبرالية برمته»، وأنا أقول إن عضوية التيار التقدمي الكويتي، هي شرف لا أدعيه، ولكني بالتأكيد أنتمي إلى الفكر التقدمي الإنساني الرحب، سواء من خلال ما أكتبه من أدب أو مقالات، أو من خلال فلسفتي الحياتية، فأنا ضد استغلال الإنسان للإنسان بأي صورة، كما أني منحاز للمرأة مسلوبة الحقوق، وضد التخلف والتبعية.
ثم تحدثت الصديقة لمى في مقالها عن الليبرالية الاجتماعية في أوروبا، وقد يكون قد فات الأستاذة لمى مقال سابق لي معنون بـ «ليس بعيداً عن الليبرالية والتقدمية» نشر في «الراي» 25 يوليو 2011، والذي قلت فيه: «ذكرني أحد الأخوة، بأن الليبرالية الأوروبية، تحمل توازناً بين الحرية والمساواة، على عكس الليبرالية الأميركية التي تلغي المساواة، وقلت: هذا صحيح في الواقع، وهو أحد أوجه التناقض والعداء الخفي بين الدول الأوروبية، التي رفضت لبعض الوقت الهيمنة الأميركية، وبين أميركا التي تريد فرض نموذجها على دولنا وعلى الدول الأوروبية على حد سواء، وهو ما أنتج الوسط التاريخي «للاشتراكية الديموقراطية » في أوروبا، كما يقول المفكر سمير أمين، وهو شكل متوازن من الليبرالية، ولكن ما يحدث الآن للأسف، هو اقتراب أوروبا من النموذج الأميركي، الذي يفرض نفسه ويعمم نموذجه على العالم وعلى مثقفي العالم الثالث، وهو ما نلحظ تأثيراته على اليونان وايطاليا والبرتغال واسبانيا، التي يكره مثقفوها الليبرالية، التي أوصلت بلدانهم إلى الافلاس والافقار، رغم أن النظم في دولهم «اشتراكية ديموقراطية»، والتي هي بالنهاية ليبرالية رغم فارق الأساس الفلسفي بينهما، وعلى كل حال لم تستطع الليبرالية الصمود أكثر من ثلاثة عقود، وحتى في الكويت لم تستمر دولة الرفاه أو دولة الرعاية الاجتماعية طويلاً، لأنها لم تحل التناقض الرئيسي في الرأسمالية، وهوالتناقض بين رأس المال والعمل أو الانتاج، فهي تنحو دائماً إلى الانحياز الطبقي للطبقة البرجوازية الكبيرة، أو « الفئات المتوسطة » من البرجوازية، وتحمّل العمال والفئات المهمشة أعباء هذه السياسة، وتحمّل الدولة أعباء انقاذ الشركات المتعثرة، كما حدث في سوق المناخ في السبعينات وحدث أخيراً عبر المحفظة المليارية العقارية، وكذلك «إن التوازن العام»، لا يولد بالضرورة العدالة الاجتماعية كما يقول الاقتصادي الليبرالي «والراس».
ولي عودة للموضوع.

 

مقال الأستاذ وليد الرجيب/ رجعنا إلى المربع نفسه (2 من 3)/ جريدة الراي/ 20 أغسطس 2011

عمر الليبرالية يرجع إلى أكثر من أربعمئة عام، ولم تبدأ منذ الثلاثينات، لكن الرأسمالية الاجتماعية أو الليبرالية الاجتماعية بدأت بعد الحرب العالمية الثانية، وكما قلت لا يمكن تجزئة أي فكر «على اعتبار أن الليبرالية فكر الرأسمالية»، وقلت إن أي فكر لابد وأن يستند على مصالح اقتصادية وبالضرورة يرتبط أيضا بفكر أو نظرية اقتصادية، وفي حال الليبرالية هو الفكر الرأسمالي المستند إلى نظرية اقتصاد السوق والملكية الفردية، سواء كان اسمها ليبرالية اجتماعية، أو سياسية، أو حتى «اشتراكية ديموقراطية».
كما أنه للعلم، لم تقرر الولايات المتحدة تبني سياسة الليبرالية الاجتماعية «بعد»، بل إن كل تصريحات أوباما، تصب في الاستنتاج القائل ان الاقتصاد الأميركي سيتعافى، رغم أنه طلب من الجمهوريين، رفع الضرائب على الشركات والدخول الكبيرة، إلا أنني أثق تماماً بعدم تخلي الجمهوريين عن امتيازاتهم، أما السياسة الأميركية الحقيقية التي تمارس على أرض الواقع، فهي حلب ثروات الشعوب وخاصة العربية النفطية، من أجل اسناد الكارتيلات التي ترنحت، وتلاقي الدعوات للرجوع إلى الكنزية أو الرأسمالية الاجتماعية في أميركا اليوم مقاومة شديدة من قبل المحافظين الجدد والنيوليبراليين.
أما أن الليبرالية بصفتها فكر الرأسمالية لا أخلاقية فبالطبع هي كذلك، فماذا نسمي النظم الليبرالية الأميركية والاسرائيلية، فماذا تعني النظم الليبرالية السياسية أو أنظمتها، سوى الدولة المدنية، فإسرائيل دولة ليبرالية لمواطنيها اليهود تحديداً، وإيران دولة ثيوقراطية دينية، ويقول الاقتصاديان فريدمان وحايك: «انه يمكن للنيوليبرالية، على مستوى القيم الأخلاقية أن تتماشى مع النزعة المحافظة والأصولية الدينية، مثلما لاحظناه في الولايات المتحدة»، ومصر أخيراً، وماذا عن التدمير البيئي؟ وماذا عن استغلال الإنسان؟ هذا إذا أضفنا لذلك سياسة الخصخصة، التي أنتجت لدينا في الكويت تعليماً متدنياً، ففي سبيل الربح، لا بد من تقليل التكاليف، حتى إذا اضطرت هذه الجامعات إلى جلب عمالة رخيصة، أو مدرسين فيتناميين، كما حدث في إحدى هذه الجامعات الخاصة، ويمكن أن تنتج لدينا خدمات صحية استغلالية، أي رفع قيمة العلاج والعمليات الجراحية والدواء في سبيل الربح، ويمكن أن تفرض قيمة مضافة على المواد الغذائية، كما طلب البنك الدولي من حكومة الكويت، مستهدفة لقمة عيش المواطن في سبيل ربحها، وهناك آلاف الأمثلة التي يمكن أن أسوقها، فعن أي أخلاقية يمكن الحديث؟
نعم بدأت الليبرالية، كما قلت في مقالات سابقة، تقدمية ولكن على ماذا؟ كانت تقدمية على التشكيلة الاجتماعية الاقتصادية الاقطاعية وعلى أفكار تلك التشكيلة البائدة، ولكنها لم تعد كذلك، حيث أصبحت الآن محافظة أكثر من كونها تقدمية، ونعم صحيح تأسس على اثرها «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» ولكن مَنْ يتبناه غير المنظمات الحقوقية؟ فهل تتبناه الولايات المتحدة أو اسرائيل، اللتان تنتهكان حقوق الإنسان في كل لحظة وعلى مستوى الشعوب؟

مقال الأستاذ وليد الرجيب/ رجعنا إلى المربع نفسه (3 من 3) جريدة الراي/ 22 أغسطس 2011

قلت في مقال سابق، اننا وبالأخص من ضمننا المثقفون الليبراليون، لا ننتج معرفة استناداً على ظرفينا الذاتي والموضوعي، ولكننا نستورد المفاهيم والقيم الغربية، دون تمحيص أو دراسة، وندافع عنها باستماتة وكأنها شيء مقدس، ولم نعتد إجراء حوارات فكرية عميقة أو مناظرات، ونسيء الظن سريعاً بكل رأي أو حوار عقلاني.
إن خلط الليبرالية بالاشتراكية في ما يسمى بالليبرالية الاجتماعية، كخلط الماء بالزيت، قد يبدوان أنهما في إناء واحد، لكنهما في واقع الأمر يختلفان في قواميهما، وكذا خلط الليبرالية أو الرأسمالية بالاشتراكية الديموقراطية، فعمر الليبرالية الاجتماعية الذي استمر 35 سنة فقط في الولايات المتحدة الأميركية بين 1945 و1980، هو عمر لا يقاس بعمر البشرية، أو حتى عمر الليبرالية الكلاسيكية الكلي.
ولأن الليبرالية مفهوم ملتبس، ويحوي تلاوين، وتعرض لتغييرات عبر الزمن وضمن الظروف الموضوعية، فقد بدأت بالحرية والإخاء والمساواة، وانتهت بالنيوليبرالية، والآن هناك مطالبات بنيوكنزية، وهكذا لكن ذلك لن يحل أزمتها البنيوية، والتي هي أزمة النظام الرأسمالي نفسه، وهي أعمق أزمة على مدى تاريخ الرأسمالية، ولا بد من نظام بديل، بالتأكيد هو ليس الليبرالية الاجتماعية، التي غرقت مثلها مثل الليبرالية الكلاسيكية، في نفس التناقض الرئيسي في النظام الرأسمالي بين الطبيعة الاجتماعية للعمل والملكية الخاصة لوسائل الانتاج، ولم تستطع حله، كما لايمكن أن تصحح فوضى السوق نفسها كما أثبت التاريخ.
إن الليبراليين اشخاص وطنيون مخلصون، وهناك الكثير من الإسلاميين المخلصين الوطنيين، وليس من مصلحتي شق الصف الوطني، أو مهاجمة الليبراليين أو الإسلاميين السياسيين، ولكننا يجب أن نعترف أن القوى الوطنية لها تلاوين مختلفة، وإن القول ان الإسلاميين قد يستفيدون من هذه المقالات وارد، فهم يستفيدون لأن بعضهم يفهم أن الحوار يعني الخلاف والانشقاق، إن أقرب الحلفاء للتقدميين هم الليبراليون، وبالأخص الليبراليون الاجتماعيون.
إن التقدمية، هي ليست وليدة اليوم، ولكنها مفهوم ارتبط بتخلق المجتمعات أو التشكيلات الاجتماعية الاقتصادية منذ بدء التاريخ، كما أن الأفكار التقدمية عمرها قرون، وهي تحترم كل الأفكار، لكنها تملك الحق في نقد
أي فكر آخر، كما يحق لأي فكر في انتقاد الأفكار التقدمية، وليس التقدم كحقيقة موضوعية خارجة عن إرادتنا، وعندما نقول التقدم فنعني التقدم لآخر مدى، بمعنى أن لتقدم لا يتوقف طالما وجد الإنسان، بينما الليبرالية هي مرحلة تاريخية مرتبطة بالرأسمالية، مصيرها إلى زوال، حسب منطق التاريخ، وهذا بالطبع رأيي، ولليبراليين رأيهم.
ما أود أن أقوله أخيراً، هو أن الليبرالية الاجتماعية، على الرغم من تحفظي عليها كحل جذري، هي ما نحتاج أن يتبناه ليبراليونا، لأنها تحمل قدراً من الإنسانية والعدالة المعقولة ولكنها ليست الحل.

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: