تلويحة وداع لناصر

by altaqadomia on 03/04/2019

“الكويتيون البدون في ثلاثية الجهراء للكاتب ناصر الظفيري”.

عندما بدأت في قراءة رواية”الصهد” لاحظت كثافة الهم الإنساني الذي أثقلها. بدا لي أن ناصر قد استغل الرواية في تخليص روحه من كل ما استوطنها من آلام وخيبات وأوهام. وعندما أكملتها شعرت بأن تفاصيلها قد تحولت إلى غصّة مالحة تشبثت في حنجرتي.
نصحني الصديق العزيز عيد الدويخ بإكمال قراءة ثلاثية الجهراء أو ثلاثية الوجع، كما أسميتها(كاليسكا، المسطر). وهائنذا أكتب غصّاتي المالحات الثلاث.
    لن تكون كتابة نقدية، فأنا لست ناقدا، رغم أن مهمة الناقد ممتعة جدا حسب وصف الكاتب والناقد الفرنسي فرانسوا نوديسيه: “الناقد رجل شرطه يطارد الكاتب”. لم يعد بالإمكان مطاردة ناصر الآن، فقد أمسى بعيدا جدا أو كما قال مالك بن الريب:
يقولون لا تبعد وهم يدفنونني……. وأين مكان البُعد إلّا مكانيا
لكنني سأحاول تسليط الضوء على ما رأيته جديراً بالاهتمام في الروايات الثلاث. وقد لا تكون استنتاجاتي وتحليلاتي صائبة، لكنها تبقى رأيي الشخصي كإنسان أولا ثم كقارئ.
سأتناول محاورالتجنيس، السلطة، الوطن، الغزو العراقي، التهميش، الصراع الطبقي، والهجرة.
الفكرة الرئيسية للروايات الثلاث واحدة وهي قضية ناصر الأولى: الهوية.
أبطال الروايات الثلاث، يتشابهون في كونهم من البدون، عاشوا في الجهراء وعانوا مما عاناه بقية البدون. وانتهوا كمهاجرين في بلاد بعيدة وغريبة.

•التجنيس:

بطل رواية الصهد اسمه علي شومان كان أبوه بدويا في صحراء شمال الكويت، في الثلث الأول من القرن الماضي. كان شومان يعاني، كمعظم سكان الكويت، آنذاك، من الفقر والضعف والعوز. تعامل مع تاجر كبير من سكّان جنوب العراق اسمه ابن فضل، قد يكون عراقيا أو أنه يسكن جنوب العراق فقط. ثم توطدت علاقتهما ببعض وتعزّزت بالتعامل الحسن والثقة فأصبحا صديقين.
انتقل ابن فضل التاجر إلى الكويت واستقر بها بعد اندلاع الثورة في العراق، وساعده شومان خلال هروبه إلى الكويت.
وعندما تدفقت عائدات النفط الكويتي، وبدأ تأسيس الدولة الحديثة، ظهر مفهوم الجنسية الكويتية، وأصبح لابن فضل سلطة تزكية وترشيح من يستحق الجنسية من أبناء قبائل الشمال، فجنّس الكثيرين منهم. وعندما طلب منه شومان أن يجنّسه رد عليه بلا اكتراث: لم يحن الوقت بعد!
فأصبح شومان وعائلته بلا جنسية!
ناصر هنا يشير إلى المزاجية والانتقائية وعدم العدالة التي تم على أساسها التجنيس آنذاك وساهمت في ظهور أزمة البدون.
بل إنّ من يحدّد الكويتي من غير الكويتي قد لا يكون كويتيا أو لم يعش في الكويت مدة كافية تجعله قادرا على تمييز الناس ومعرفة صاحب الأحقية في الجنسية. في حين أن شومان الكويتي الذي أحضر ابن فضل إلى الكويت حُرِم من الجنسية!
وفي رواية كاليسكا كان محمد كويتيا من أب كويتي في حين أن العقيد عبدالرحمن كان أيضا كويتيا ولكن من أب حصل على الجنسية بالتزوير وعن طريق نفوذ والد زوجته (جد عبد الرحمن) وفي الرواية أصبح محمد بلا جنسية بعد أن سحبها منه العقيد عبدالرحمن الذي يعاني ملف جنسيته من خلل فاضح!
لهذا صرخ والد محمد في وجه مسؤول إدارة الجنسية، عندما أخبره الأخير بحضور العقيد عبدالرحمن بأنه سيتم سحب جنسية ابنه محمد تطبيقا للقانون، مخاطبا مسؤول الجنسية ومشيرا إلى العقيد عبدالرحمن: “لماذا لا تطبق نفس القانون على ابن حلّاق الخراف الذي أتى من العراق؟” وعندما سأله مسؤول الجنسية: من يكون هذا؟ قال: الرجل الواقف بجانبك”!
رغم ذلك تم سحب جنسية محمد العواد وإبعاده خارج الكويت.

•السلطة:

أظهرت الروايات الثلاث معاناة فئة البدون من جميع أشكال السلطة في الكويت..
في الصهد تم رفض تجنيس شومان ثم عانى إبنه علي من رفض قبوله في الجامعة لأنه بدون. كما نجح الكاتب في إظهار مدى خوف البدون من وزارة الداخلية. فعندما وصلت لعلي رسالة من إدارة السجون. أصيب بالهلع رغم علمه أن إدارة السجون لن تلقي القبض عليه، ليس لأنه لم يفعل شيئا بل لأن ليس من صلاحيتها إلقاء القبض على أحد. تردد كثيرا في فتح الرسالة، استغرقه ذلك جهدا كبيرا ووقتا طويلا.
علي لم يرتكب أي مخالفة ورغم ذلك شعر بالخوف. عندما فتح الرسالة لم يكن ذلك لأنه بريء بل لأنه تيقن أن  إدارة السجون لا تملك صلاحية اعتقال الناس.
مخيف جدا أن تخاف العقاب رغم براءتك، وأظن أن معظم أبناء فئة البدون يشعرون بهذا الخوف الدائم.
في رواية المسطر عندما شاهد بطل الرواية المهاجر إلى أمريكا جهاز الاتصال الداخلي (الإنتركم) في منزل العجوزين اللذين تبنياه، وصفه بأنه يشبه (جهاز دوريات الشرطة)!
في رواية كاليسكا دخل بطل الرواية في صدام مباشر مع أحد ضبّاط المؤسسة الأمنية..
تم تعذيب محمد العواد في سجن أمن الدولة لأنه رفض ما يريده العقيد عبدالرحمن.
تمت إهانته وهدر كرامته وإلحاق عاهة دائمة به حتى شارف على الموت، ولم ينج من الموت إلّا بعد أن رضخ للعقيد.
أظهرت الروايات أن يد المؤسسة الأمنية مطلقة تماما لتعبث في حياة الناس وتراقبهم وتستوقفهم وتعتقلهم وتعذبهم دون أن يظهر في الرواية أي سلطة أخرى تستطيع كبح جماح العقيد عبدالرحمن اليزاز المهووس بحب السلطة واضطهاد الناس ومراقبتهم. ولهذا وصفه الكاتب في الرواية بالأخ الأكبر، وهي إشارة حاذقة إلى رواية 1984 لجورج أورويل عن مجتمع تتم مراقبته والسيطرة عليه عبر نظام مراقبة وتجسس يتحكم في كل شيء ويعمل على التدخل في أدق خصوصيات الأفراد كالزواج والقراءة والتنقل والحديث بحجة حماية المجتمع. وهذا النظام اسمه (الأخ الأكبر).
أصحاب السلطة في أوطاننا هم الأوطان…
صاحب السلطة الأمنية يستطيع توقيفك واعتقالك وتعذيبك وابعادك.
صاحب السلطة المالية يستطيع تجويعك وإفقارك والقضاء عليك.
صاحب السلطة الاجتماعية يستطيع تهميشك وعزلك.
وغالبا ما تلتقي هذه السلطات معا لتتحالف ضدك وتقضي عليك.
وإذا غضبت كلها منك أو حتى إحداها، فسيغضب عليك الوطن!

•الوطن:

للوطن في الروايات الثلاث عدة تعريفات، قد يبدو بعضها مشوشا أو سطحيا لكنها ليست كذلك، فهي في رأيي تنبع من السياق الذي أتت به..
فعدما سألت ستيفاني محمد في كاليسكا: “لماذا تركت وطنك؟”
أجاب: “لم أتركه، هو تركني”.
فتقول ستيفاني التي تنحدر من السكان الأصليين لكندا: “أنا أعيش في وطني الذي لا أملكه وأشعر بغربة حقيقية فيه منذ أن شتتنا المهاجرون الجدد”.
في المسطر وصف الكاتب الوطن على لسان بطل الرواية رومي راضي: “أنا يا صديقي كنت أنتمي إلى هنا، حتى اكتشفت مبكرا أن الوطن كذبة صغيرة لا تستحق حتى إثمها. الوطن هو ما في داخلك كالإله الذي تعبده، إذا لم يسكنك لن تعرفه، الوطن ليس قدرا”.
ضيدان خال رومي في المسطر قال عندما شعر بدنو أجله مخاطبا رومي ونافيا ندمه على حياته وشبابه الذي أفناه في الكويت:
“لست نادما على شيء، لكني حزين فقط لأنهم يكذبون علينا. ففي حرب 67 زارنا مسؤول كبير وقال: “أنتم أبناء الوطن وحين ترجعون الى الكويت سننهي أمور تجنيسكم”.
عدنا شهداء وأحياء ولم يلتق بنا احد ولم يهتم بنا أحد”.
فقال رومي: ” لن تعود إليهم وستبقي معي هنا”.
قال الخال: ” لا تتركني أموت غريبا هنا. أعدني إليهم هؤلاء الذين يكذبون، إنهم أهلي وأريد أن أُبعث في قيامتي معهم”.
هذا المسؤول الكبير عاد مجددا وزار العسكريين البدون في حرب 1973م  لكن ضيدان كان متشككا هذه المرة.
ثم عاد مرة ثالثة خلال الغزو العراقي وخطب في العسكريين البدون: “أنتم أبناء الوطن وسنجنسكم فور تحرير الكويت”. لكن ضيدان في هذه المرة كان يشيح بوجهه ويضحك وكأنه يردد ما قاله الكاتب الروسي أنطون تيشخوف: انهم قوم محترمون جدا.. لا يكذبون دون داع أو ضرورة.
خلال قراءتي لكاليسكا، بدت لي رشا وكأنها الكويت. ومحمد هو المواطن البدون. بينما السلطة هي الأخ الأكبر الذي يقف حائلا بين البدون والكويت. رشا الفتاة الجميلة اللطيفة التي ظهرت في الرواية وكأنها المثال الأجمل على الوحدة الوطنية، الرافضة للظلم والتفرقة العنصرية التي يحاول العقيد العنصري الأهوج فرضها عليها لمنع محمد من الاقتراب منها بحجة حمايتها والحفاظ على أمنها.

•الغزو العراقي:

تناولت الروايات قضية الغزو العراقي من خلال انعكاسها على فئة البدون وكان هذا التناول يعكس خيبة أمل كبيرة جدا..
ففي رواية الصهد التحقت البدون”ليال” بالمقاومة في خلية نظّمها قائد كبير في الجيش الكويتي، فأتت الأوامر بضرورة قتل قيس شاكر وهو مواطن كويتي منضم لحزب البعث العراقي وكان يستضيف فرق الاستخبارات العراقية في منزله ويساعدها في ملاحقة المقاومة الكويتية. فتطوعت ليال لتنفيذ العملية، ونجحت في التخلص منه ولكن شريف ابن فضل رأى وجهها.
وعندما حل التحرير تم إلقاء القبض عليها واتهامها بقتل قيس شاكر. ونظرا لكونه من عائلة متنفذة، تم غض النظر عن تعاونه مع الاحتلال، وزج ليال بالسجن حتى ماتت.
وفي رواية المسطر، التحق ضيدان العسكري البدون، بوحدته العسكرية فور علمه بالغزو العراقي وهناك دافع عن معسكره الواقع بالقرب من الجهراء حتى أصيب فتم إخلاؤه، وإخفاؤه في المنزل. وفي أحد الأيام تم إلقاء القبض عليه واكتشاف إصابته بالرصاص، فخيّرته الاستخبارات العراقية بين الانضمام للجيش الشعبي العراقي أو أخذه إلى العراق. فاختار الجيش الشعبي، للتخلص مما يخفيه المجهول له في العراق. فتم تسجيل اسمه فيه، وفي أول فرصة سانحة فر إلى السعودية والتحق بالقوات هناك.
وعندما تحررت الكويت تم إلقاء القبض عليه بتهمة التعاون مع العدو، فسُجِن طوال محاكمته التي استمرت عاما كاملا حتى تمت تبرئته.
وفي ختام الرواية سأل ضيدان ابن اخته وهو على فراش الموت: “من الذي ظلمني يارومي؟ هل تعرف بأن البغال في الدولة العثمانية حين تشيخ يتم تكريمها والاحسان لها حتى تموت بكرامة”

هذه العبارة تعكس مرارة شديدة مفادها: مهما بلغت التضحيات التي قدمتها وستقدمها لوطنك في أزماته الكبرى فلن تشفع لك ما دمت من فئة البدون. لن تجعلهم يعترفون بأنك شريك حقيقي وأصيل لهم في الوطن. بل انها لن تنقذك من الظلم والتعسف.

•التهميش:

في رواية المسطر خلق الكاتب..”مرهش” وهي مجموعة من 4 أشخاص منغلقون على انفسهم، لديهم لغة خاصة بهم. لا يريدون الاختلاط بغيرهم، ولا يجيدون النطق أو التواصل مع الاخرين إلا بالإشارة. يتشابهون كثيرا في لباسهم. ولم ترد أي تفاصيل عن ملامحهم. أحيانا تتم مناداتهم جميعا بـ”مرهش”، ومفردهم أيضا “مرهش”. قد يكونون 4 أشخاص وقد يكونون شخصاً واحداً!
يعيشون في مكان قديم منعزل، يقضون أوقاتهم داخل مسكنهم البائس. يعملون في مهن بسيطة لا يجيدون غيرها كالتحميل في سوق المنطقة أو الجمعية.
سبق لي أن سألت ناصر عن “مرهش” ولكنه فضّل ألّا يجيب.
يحب الكتّاب ألا يكشفوا كل شيء للقراء.
أظن بأن ناصر جعلهم في الرواية بلا هويات تدل عليهم ولا ملامح تميّزهم، مجرد أشخاص يعيشون على هامش الحياة… فهل هم شباب البدون الذين يعانون من طمس الهوية والتجاهل والضياع والإقصاء والحرمان من العمل؟
هل مسكنهم القديم المتهالك هو تيماء والصليبية؟
“مرهش” أنقذ حياة محمد العواد مرتين، الأولى بعد اعتداء فرقة أمنية تابعة للعقيد عبدالرحمن عليه وفقدانه الوعي. فأخذه “مرهش” إلى مسكنهم وعالجوه حتى تعافى. والمرة الثانية عندما تصادف وجود “مرهش” في زنازين امن الدولة خلال اعتقال وتعذيب محمد بعد اتهامه، كذبا، بالمشاركة في تفجير المقهى الشعبي. فقام”مرهش” بالعناية بمحمد بعد كل جلسة تعذيب.
أجد هنا إشارة واضحة من الكاتب أن لا أحد يكترث بقضية البدون إلّا أبناء البدون أنفسهم، وكأنه يحثهم على التكاتف والدفاع عن بعضهم البعض. ويحذرهم بأن لا أحد منهم في مأمن من الاعتقال والقمع والتعذيب مهما كان بريئا أو مسالما أو منعزلا أو بلا صوت.
اللافت للنظر في الروايات الثلاث هو أنني لم أجد تفاعلا حقيقيا مع قضايا البدون من المحيطين بهم من خارج فئة البدون وأقصد تحديدا الكويتيين.
الكويتي الوحيد الذي أبدى تفاعلا واضحا كان فهد غانم في كاليسكا لكنه كان صديق طفولة لمحمد الذي كان كويتيا قبل أن تُسحب جنسيته!
في الصهد كان أبوليلى الفلسطيني هو الصديق الحقيقي الوحيد لعلي مقارنةً بـ صديقه الكويتي شريف بن فضل الذي لم يفعل أي شيء لمساعدة صديقه كما تحتّمه الصداقة الحقيقية.
وفي المسطر لم أجد صداقة أو علاقة إنسانية بين شخصيات الرواية وبين الكويتيين. وجدت فقط علاقة بين ضيدان وبين عبّارالعراقي. ثم بين رومي وبين العائلة الأمريكية التي تبنّته ومنحته اسمها وهويتها وجنسيتها.
هذا، بلا شك، يعكس خيبة أمل الكاتب من عدم تفاعل الشعب الكويتي مع قضايا فئة البدون المستحقة.

•الصراع الطبقي:

بدا واضحا في الروايات الثلاث..
ففي الصهد كان ابن فضل اقطاعيا في العراق، هرب بعد أن قامت الثورة وتم تأميم أملاكه وتوزيعها على الفلاحين. وعندما استقر في الكويت بنى قصرا ضخما في الجهراء كان يمكن مشاهدته من مسافة بعيدة وسط البيوت المتهالكة والعشيش البدائية التي كان يقطنها بقية السكان. وكان واضحا خضوع الناس لسلطته عندما كان في العراق وأيضا عندما استقر في الكويت.
وفي كاليسكا كانت عائلة رشا تعيش في منزل فخم جدا كما تمتلك عدة شقق في عدة مدن أوربية في حين تزدحم البيوت الضيقة والمتشابكة في تيماء والصليبية بآلاف العائلات التي تضطر لبناء غرف إضافية صغيرة من الألواح المعدنية في المساحة الخالية أمام كل بيت.
كانت رشا ترفض الزواج بسبب حبها لمحمد البدون الذي اضطر للهجرة إلى كندا. فقررت رشا اللحاق به لكنها تعلم بأن شقيقها العقيد العنصري لن يتركها لتسافر، فقررت الزواج كي يسهل عليها التخلص من سلطة شقيقها، ولهذا الغرض وافقت على الزواج من شخص ينتمي إلى طبقة التجار وهي طبقة تفوق طبقة أسرتها نفوذا وقوة في المجتمع الكويتي.

تزوجت رشا التاجر وسافرت معه إلى أوربا ومن هناك هربت إلى كندا، وعاد زوجها غاضبا إلى الكويت واقتحم مكتب شقيقها في مقر عمله وقام بشتمه وإهانته أمام كل الموجودين ولم يستطع العقيد المتغطرس الرد عليه لأنه ينتمي لطبقة أدنى من طبقة التاجر. واكتفى بالهرب من المبنى الذي كان يهين ويظلم ويعذّب الناس فيه.
وفي رواية المسطر تم إزالة بيوت العشيش البدائية التي وُلِدت وعاشت فيها شخصيات الرواية وبُنيت مكانها بيوت حديثة للكويتيين. وهي إشارة إلى وجود مجتمعين اثنين داخل المجتمع الكويتي وهما مجتمع الكويتيين الذي يُبنى على أنقاض مجتمع البدون.
الروايات الثلاث لم تخل من الإشارة أيضا إلى الفروقات الطبقية داخل مجتمع الكويتيين، فالاختلافات الاجتماعية والاقتصادية كانت حاضرة وإن بشكل عابر.


• الهجرة:


هي الحل الذي يراه الكاتب لأبناء البدون في الكويت. وهو أحد المهاجرين فعليا منذ أكثر من 18 عاما. لكن ناصر، في رواياته الثلاث، لم يجعل الهجرة حلا ورديا وجسرا آمنا لحياة جديدة تخلو من الهموم والآلام والخيبات التي أثخنت قلوب البدون في الكويت.
سأقدم 3 نماذج مهاجرة.. محمد العواد في كاليسكا- رومي راضي في المسطر- علي شومان في الصهد.
أُجبِر محمد العواد في كاليسكا بسبب، العقيد عبدالرحمن، على الهجرة إلى كندا بجواز صديقه فهد غانم، وهناك حصل على جنسية جديدة واسم جديد وهوية جديدة ووطن جديد.
كان يجب أن يحيا بعيدا عن الماضي ولكنه لم يستطع التحرر منه.
فعندما هربت رشا من زوجها وأتت إلى كندا، أوصل محمد خبر وصولها إلى شقيقها العقيد عبدالرحمن لاستدراجه للحضور بحثا عنها.
نجح في ذلك واستطاع إخفاء ملامحه عن العقيد الذي وصل أخيرا. أخذه من المطار وذهب به إلى غابة جليدية حيث تركه ليموت في العراء بعد أن كشف له هويته وصفعه ثأرا لوالده.
ما الذي دفع محمد ليضحي بمستقبله وحياته الجديدة مع رشا في موطنهما الجديد؟
لا أظن أن الدافع هو الانتقام. الانتقام باختصار هو أن تنتقم بنفسك وبيدك وتبقى لتنجز العمل، لا أن تترك عدوك في العراء لاحتمالية الموت أو النجاة!
أظن أن الكاتب أراد أن يقول أن الإنسان يستمد قوته من هويته. فعندما كان محمد بلا هوية في الكويت كان يتعرض للظلم والقهروالتعذيب على يد العقيد الذي يستمد قوته من هويته.
وعندما وصل العقيد إلى كندا فقد هويته التي تمنحه القوة فأصبح ضعيفا وعاجزا وذليلا كما كان محمد في الكويت.
في رواية المسطر كان رومي راضي مبتعثا من وزارة الدفاع إلى فرنسا، وهناك تعرّف إلى عجوزين أمريكيين ثريين أحباه كإبن لهما وأقنعاه بالذهاب معهما إلى أمريكا حيث تبنياه، وأصبح اسمه رومي رادي جيمسون.
في الرواية وصف رومي أمريكا بأنها وطنه الأول، وجنسيته الأولى، وجامعته الأولى، ووصف آل جيمسون بأنهم عائلته الوحيدة. وحرص على تعلّم اللغة الإنجليزية باللهجة الأمريكية. وعندما كان يأتي للكويت في أعمال تخص شركة عائلة آل جيمسون كان ينكر أنه كان في الكويت ويرفض التحدث بالعربية ويتعامل مع الناس بفوقية الأمريكان المعهودة.
علي شومان في الصهد هاجر إلى كندا وحصل على جنسيتها بعد 3 أعوام لم يتحدث خلالها هاتفيا إلى أبيه المريض في الكويت.
ثم عاد إلى الكويت ولكن بجواز كندي.
لم يتغيّر فيه شيء. ذهب وعاد بذات الهموم التي غادر بها وكأنه لم يغادر الكويت.
أقتبس من الرواية هذه المحادثة الموجعة بين علي وأبيه:
” علي..علي.

  • نعم يا أبي.
    أين كنت؟
  • في متاهتي يا أبي.
    هل حققت كل ما تريد؟
  • لا يا أبي.
    هل أنت نادم يا بني؟
  • لا يا أبي.
    هل أنت سعيد الآن يا بني؟
  • لا يا أبي.
    ما ذا تريد؟
  • لا شيء.
    خذني إلى التلال”.

النماذج الثلاثة السابقة لم تنج من التشويه.
محمد العواد هاجر ولكنه غدر بحبيبته ثم تحوّل إلى قاتل.
رومي راضي هاجر ولكنه تنكّر لكل شيء يربطه بالماضي ولم يكن يعلم أن تغيير اسمه وهويته ولغته لن ينجيه من الماضي الذي سيطارده إلى الأبد.
علي شومان هاجر ولكنه مازال يعيش في متاهته. لم يحقق شيئا ولا يريد شيئا. وانتهى به الأمر عائدا إلى الجهراء التي فر منها.
لماذا يهاجر الإنسان؟
أظنه يبحث عن الحرية اولا. لكن هل يستطيع أن يحيا حرا؟
الكاتب الفرنسي أندريه جيد قال: قد تعرف كيف تتحرر ولكن هل تستطيع أن تحيا حرا؟

ناصر الظفيري في ثلاثيته لم يكتب أدبا فقط بل كتب تاريخا موثقا كان في السابق شفاهيا كقصص البدو التي يتسامرون عليها في جلسات شرب القهوة.
ناصر وثّق قضية البدون فحماها من التشويه والتشكيك والطمس.
منذ أن قرأت الصهد وأنا أتذكر ناصر وشومان والجهراء والبدون في كل مرة أمر بها على تلال المطلاع. ولو أن ناصر وجد فسحة من الوقت لكان آخر ما سيقوم به في حياته هو أن يفعل كما فعل شومان عندما طلب من ابنه أن يأخذه إلى تلال المطلاع المطلّة على الجهراء كي يطل على ملاعب طفولته وصباه وشبابه وكهولته …. كي تكون الجهراء آخر صورة تشاهدها عيناه قبل الإغماضة الأخيرة.

• مادة المقال عبارة عن محاضرة كنت قد ألقيتها في ندوة أقامتها الحركة التقدمية الكويتية في 24 أبريل 2018 عن البدون في روايات ناصر الظفيري.
أدخلت عليها بعض التعديلات اللازمة.

عبدالهادي الجميل

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: