تاريخ الصراع السياسي في الكويت

by tayar-taqadomi on 27/10/2012

تاريخ الصراع السياسي في الكويت
وليد الرجيب

تعيش الكويت منذ بضع سنوات أزمة سياسية حادة، أدت خلالها إلى استقالات متكررة للتشكيلات الحكومية وحل مجلس الأمة عدد من المرات، كما أدت هذه الأزمة الخانقة إلى حراك شعبي وتجمعات جماهيرية في أهم ساحات الكويت، مثل “ساحة الصفاة” وما تمثله من بعد وطني تاريخي، إلى “ساحة الإرادة” التي أطلقت عليها الجماهير المحتشدة هذا الاسم تعبيراً عن إرادة الأمة إلى ساحة “قصر العدل”، كما تمت ملاحقة بعض الناشطين السياسيين الذين اعتقلوا واحتجزوا بسبب آرائهم السياسية.
والحراك الشعبي في الكويت بدأ مبكراً وقبل الثورات العربية أو ما يسمى ب”الربيع العربي”، كما أن أول مطالبة بالرحيل خرجت من هتافات الجماهير الغاضبة “إرحل نريد الأفضل”، وكانت موجهة لرئيس الوزراء السابق الشيخ ناصر المحمد الصباح، الذي رحل تحت ضغط الحراك الشعبي الحاشد وعين نائبه الشيخ جابر المبارك الصباح، وهي سابقة تاريخية تدل على ارتفاع سقف مطالب الجماهير وزيادة السخط جراء الانتهاكات المتكررة للدستور وافراغه من محتواه، وجراء عملية الفساد والإفساد، التي تم عبرها ضخ المال السياسي بالملايين وشراء ضمائر نواب مجلس 2009، إضافة إلى التحويلات المالية الضخمة في الخارج عن طريق وزارة الخارجية والتي لم يعرف حتى الآن إلى أين ذهبت.

تاريخ الصراع السياسي في الكويت

ولكن الأزمات والصراعات السياسية لم تكن وليدة هذا العصر، بل بدأت منذ مطالبة التجار بالمشاركة في الحكم عام 1921 عن طريق مجلس شورى، ومن خلال عريضة وقعت عليها مجموعة مهمة من التجار والشخصيات المستنيرة، ولكن لم يكتب لها النجاح، كما تكررت هذه الأزمة عندما طالب مجموعة من المثقفين والناشطين سياسياً بمجلس تشريعي عام 1938، وتمت موافقة الحاكم في ذلك الوقت ووضع دستور متطور في مواده، واستمر هذا المجلس حتى عام 1939، بعدها استشعر الإنجليز الذين كانوا يرتبطون بمعاهدة حماية منذ عام 1899 مع الكويت، استشعروا خطر فقدانهم لامتيازات الاستيلاء على الثرورة النفطية التي كشفت التنقيبات الأولية عن وجود كميات هائلة منه في باطن الأراضي الكويتية، فأوعزوا إلى حاكم الكويت للتحلل من التزاماته تجاه المجلس التشريعي المنتخب وحله ولو بالقوة، وبالفعل تم حله ولوحق أعضاؤه الذين فر بعضهم خارج الكويت وأعدم بعضهم مثل الشهيد “محمد المنيس” وأطلق النار على الشهيد “محمد القطامي” الشقيق الأكبر للزعيم الناصري الراحل “جاسم القطامي” كما أعتقل وسجن خمسة من أعضاء المجلس.
لكن رغبة الكويتيين بالاصلاح وتحديث البلد والمشاركة في بنائه لم تكن محصورة بمجلس تشريعي بل بمجالس أهلية منتخبة كانت أشبه ببرلمانات مصغرة، مثل “المجلس البلدي” عام 1930، الذي قام بإصلاحات جدية لم تكن ترضي حاشية الحاكم التي سوف تتضرر مصالحها في شركة النفطB.P “برتش بتروليوم”، إضافة إلى الغنائم التي كانوا يجنوها من ضرائب الجمارك، فمثل هذا المجلس البلدي قد يسلبهم مصالحهم، فظلوا يحاربونه ويحرضوا الحاكم عليه، فقام الحاكم بملاحقة أعضائه الذين فر عدد منهم خارج الكويت (أنظر مذكرات خالد العدساني).
وكذلك تشكل مجلس المعارف المنتخب من الأهالي عام 1936، رغم مقاومة الحاكم وحاشيته المتنفذة والمتمصلحة من تفرد الحاكم بالحكم، بينما المشاركة الأهلية تحرمها من الامتيازات التي كانت تستولي عليها حتى دون علم الحاكم أحياناً، وناضل مجلس المعارف من أجل تحديث التعليم، وجلب مدرسين من العراق التي كانت متطورة أكثر من الكويت حينذاك، لكن الحاكم أصر أن يكون المدرسون أما من مصر أو من فلسطين، واعتبر أعضاء مجلس المعارف أن تلك الموافقة تعد إنجازاً بحد ذاته.
ثم ساد الركود بسبب قمع مجلس 1938 في سنوات الأربعينيات، أما في الخمسينيات فقد تم تشكيل نوادي ثقافية اجتماعية رياضية، كما ظل التناقض بين نهج السلطة في التفرد والإبقاء على الأحوال كما هي، وبين رغبة الشعب في التغيير والاصلاح والمشاركة النيابية، ففي عام 1954 تشكلت “لجنة الأندية الكويتية” وقد كانت بمثابة جبهة قادت الحراك الشعبي من أجل المطالبة بالديموقراطية والتصدي لشركات النفط الأجنبية والمخططات الاستعمارية في المنطقة العربية وللتضامن مع الكفاح التحرري للشعوب العربية، وكانت الأندية الثقافية والاجتماعية والرياضية هي الكيانات المنظمة الوحيدة في المجتمع الكويتي في ذلك الوقت، مثل “النادي الثقافي القومي” و”نادي العروبة” و”نادي الخليج” و”النادي الأهلي” و”نادي الخريجين” و”نادي الجزيرة” و”نادي النهضة” و”نادي المعلمين”، وكان من أبرز نشاطات “لجنة الأندية الكويتية” رفع عريضة تحمل تواقيع شعبية إلى الشيخ عبدالله السالم للمطالبة بانتخاب مجلس مشترك للبلدية والمعارف والصحة والأوقاف، كما دعت اللجنة في مايو 1955 إلى اجتماع جماهيري لانتخاب “هيئة تنفيذية أهلية” للتحضير لوضع دستور وإجراء انتخابات تشريعية، وتدخلت السلطة لمنع ذلك بالقوة، ثم عطلت جميع الصحف والمجلات، وفرضت أجواء قمعية، وفي عام 1959 وعلى اثر خطاب جاسم القطامي أمام حشد من الجماهير أغلقت جميع الأندية بما فيها الرياضية كما فرضت أجواء قمعية استمرت إلى بداية الاستقلال عام 1961، عندها أدركت السلطة ضرورة الاستجابة للمطالب الشعبية بالديموقراطية لضمان توحيد الجبهة الداخلية لمواجهة التهديدات التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي عبدالكريم قاسم بضم الكويت إلى العراق.
ووضع المجلس التأسيسي المكون من شخصيات وطنية وبمساعدة الخبير الدستوري المصري الدكتور عثمان خليل عثمان، ووضع دستور “الحد الأدنى” الذي ما زال معمولاً به حتى الآن، رغم أن المذكرة التفسيرية نصت على أنه بعد مرور خمس سنوات على الدستور يمكن تطويره إلى مزيد من ضمانات الحرية، وتطويره من نظام يجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني مع ميل أكبر للثاني باتجاه النظام البرلماني.
مع ذلك أعتبر كثير من أبناء الأسرة الحاكمة وغيرهم من المتضررين هذا الدستور خطأ تاريخياً يجب أن يصحح، وفي انتخابات المجلس الأول عام 1963 فازت كتلة النواب الوطنيين، ومنذ ذلك الوقت وهجوم السلطة مستمر على البرلمان وعلى الدستور، فقامت بتزوير الانتخابات عام 1967 ثم تم الانقلاب الأول على الدستور وعلق العمل به عام 1976 ثم الانقلاب الثاني على الدستور عام 1986،وحاولت السلطة تنقيح الدستور في بداية الثمانينيات من خلال لجنة شكلتها لكن الأخيرة رفضت التنقيح، ثم أسست السلطة عام 1990 مجلساً بديلاً معين سمي “المجلس الوطني” وكان مجلساً مسخاً رفضته الجماهير التي خرجت بتجمعات حاشدة عامي 1989 و1990 بما سمي “ديوانيات الأثنين”، ولكن الغزو العراقي وقع يوم 2 أغسطس 1990 فتوقف كل شيء واتجه الشعب إلى مقاومة الاحتلال في أكبر عصيان مدني إضافة إلى مجموعات المقاومة المسلحة، رغم تنكيل القوات العراقية واستخبارات صدام بأبناء الشعب الكويتي.
عاد العمل بالبرلمان بعد التحرير وأجريت الانتخابات عام 1992، ولكن محاولات العبث بالنظام الانتخابي والاخلال بتركيبة أعضاء مجلس الأمة لم تتوقفا من خلال استخدام المال السياسي والاغراءات، إضافة إلى تقسيم الدوائر الانتخابية إلى خمسة وعشرين دائرة، التي أتاحت الفرصة للاستقطابات الطائفية والقبلية والفئوية والمناطقية.
ثم تشكلت الحركة الشبابية القوية عام 2006 المطالبة بتقسيم الدوائر إلى خمس وهو ما عرف بحركة “نبيها خمس”، وهذا ما تم بالفعل، بعدما قدم مجلس الوزراء استقالته وحل مجلس الأمة، وجرت الانتخابات بناء على نظام الدوائر الخمس، بيد أن السلطة والمجلس ظلا في حالة تأزم سياسي جراء محاولات السلطة للتأثير على الانتخابات النيابية من أجل مخرجات تضمن لها غطاء نيابياً في البرلمان بكل الطرق والوسائل.
وكان من شأن الأزمات المتلاحقة بعد ذلك أن تثير الشارع الكويتي، فاضطرت السلطة إلى اللجوء إلى الاجراءات الأمنية القمعية، ولكن ذلك زاد من غضب الشارع واتسعت حركة الاحتجاجات الشعبية، كما جرت في العامين الماضيين أوسع اضرابات مطالبة بتحقيق العدالة بالأجور حسب نصوص القانون الذي يشير إلى ضرورة مراجعة الرواتب كل سنتين ومقارنتها بارتفاع المعيشة وبما يحقق العدالة.
ثم حاولت السلطة من خلال المجلس المنتخب عام 2009 تمرير قانون الخصخصة على جميع القطاعات بما فيها التعليم والصحة والنفط، ولكن القوى التقدمية والنقابية والشبابية وبعض النواب تصدت لبيع القطاع العام بأكمله للقطاع الخاص، واستطاعت هذه القوى أن توقف خصخصة كل من التعليم والصحة والنفط في المداولة الثانية للمشروع.
وعلى اثر الثورات العربية في كل من تونس ومصر أولاً، تشكل واقع جديد وسيكلوجية جديدة للجماهير، فتراجعت حالة الهجوم السلطوية وتخلت مؤقتاً عن استخدام الحلول الأمنية، ولكنها لم تتخلى عن نهجها المعادي للديموقراطية ونهج الفساد والإفساد وتنفيع الحلف الطبقي بشتى التشريعات والاجراءات، وكان هذا دليل لانحياز السلطة للرأسمال ودليل على تبعية للرأسمالية المعولمة ونصائح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، الذي كانت احدى نصائحه فرض ضرائب على القيمة المضافة على السلع والخدمات، ورفع الدعم الحكومي وتخليها عن سياسة الرعاية الاجتماعية، دون ذكر لأي ضريبة تفرض على القطاع الخاص وشركاته أو تحميله لمسؤولياته الاجتماعية بتوظيف الشباب العاطل عن العمل والذي بلغ أكثر من عشرين ألف عاطل في السنة وهو عدد مؤهل للارتفاع.
وعلى اثر الأزمة الرأسمالية العالمية البنيوية عام 2008، ساءت أحوال العاملين بأجر وازداد التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، وارتفعت أسعار السلع والخدمات كما بلغت الإيجارات وأسعار الأراضي أرقاماً فلكية، وبلغ عدد الأسر التي تنتظر الرعاية السكنية أكثر من تسعين ألف أسرة، وتم تسريح عدد من الكفاءات الكويتية من الشركات الخاصة، وحملت هذه الأزمة على كاهل الطبقة العاملة والفئات المهمشة والمحدودة الدخل.

لمحة عن الحركة الوطنية في الكويت

لا نستطيع أن نصف التجار المطالبين بالمجالس التشريعية أو بالمشاركة بالحكم على أنهم تنظيمات سياسية، بيد أنه تشكلت في عام 1936 لجنة شباب أكتوبر لدعم القضية الفلسطينية، ثم تشكلت 1938مجموعة شبابية عرفت ب”نادي كتلة الشباب الوطني” والتي كانت تعتبر شبيبة المجموعة المطالبة بالمشاركة النيابية وكانت تقيم المهرجانات الخطابية والندوات.
بل أن أولى التنظيمات السياسية هي “حركة القوميين العرب” في بداية الخمسينيات وكذلك “جمعية الارشاد” التي كانت تعتبر نواة جماعة الأخوان المسلمين، كما تشكل حزب البعث وهو امتداد ومتأثر بحزب البعث العربي الاشتراكي في العراق وسوريا، ثم تلاهم في نفس العقد تنظيم ماركسي باسم “عصبة الديموقراطيين”، ولكن سرعان ما انقسمت حركة القوميين العرب التي أسسها الدكتور أحمد الخطيب والدكتور جورج حبش وآخرين إلى يمين ويسار، وكان هذا اليسار متأثراً بالحركات الثورية المسلحة مثل الثورة الكوبية والمقاومة الفيتنامية للتدخل الأمريكي، وخاصة بعد هزيمة 1967، فتشكلت في الكويت والخليج “الحركة الثورية الشعبية في عمان والخليج العربي” وكان طابعها مسلحاً خاصة في ظفار العمانية، واعتقل بعض أعضائها في الكويت وسجنوا لوضعهم قنابل صوتية احتجاجاً على زيارة شاه إيران إلى الكويت.
وفي عام 1975 تأسس أول حزب للطبقة العاملة هو “حزب اتحاد الشعب في الكويت” وهو حزب يتبنى الاشتراكية العلمية، وتشكل في محيط جريدة الطليعة الوطنية تنظيم “التقدميون الديموقراطيون”، وأيضاً تشكل تجمع القوميين الناصريين الذي أصبح اسمه لاحقاً “التجمع الوطني”، الذي كان يقوده الزعيم الناصري الراحل جاسم القطامي.
لكن ظلت الحركة الوطنية بعيدة كل البعد عن التشكيل الحزبي المنظم، وظلت الحركة الوطنية عبارة عن زعامات وتابعين ولا يوجد أي شكل من أشكال التنظيم الحزبي المنظم سوى حزب اتحاد الشعب في الكويت وحزب الأخوان المسلمين الذين عملوا تحت اسم”جمعية الاصلاح الاجتماعي”.
وفي عام 1991 وبعد التحرير مباشرة تأسس المنبر الديموقراطي وهو إئتلاف يضم حزب اتحاد الشعب والتقدميين الديموقراطيين والتجمع الوطني وشخصيات وطنية مستقلة، في محاولة لتجميع جهود القوى الوطنية تحت مظلة واحدة علنية، ولكن المنبر الديموقراطي الذي لم يتشكل على أسس حزبية، بدأ مع الوقت يتحول إلى اتجاهات يمينية بل نيوليبرالية أحياناً، وابتعد عن الطبقة العاملة وهموم الجماهير، ثم تشكل لاحقاً “التحالف الوطني” وهو بشكل عام يمثل مصالح البرجوازية الكبيرة، ويمثل مع المنبر الديموقراطي القوى الليبرالية الوطنية.
وبالطبع كان ومازال هناك قوى اسلامية سنية وشيعية منها مجموعات سلفية بعضها غاية في الغلو والتشدد، ولكن القوى الإسلامية لا تشكل كتلة واحدة، كما أن الأخوان المسلمين الذين أصبحوا يعرفون باسم “الحركة الدستورية الإسلامية” ( حدس) كانوا وما زالوا يرتبطون منذ ثمانينيات القرن الماضي بمصالح اقتصادية مع السلطة.
بينما تحول هم القوى الوطنية الليبرالية إلى هم انتخابي، ولم يهتموا بالمطالب الاجتماعية للجماهير فانعزلوا عنها وأصبحوا أشبه بالتجمعات النخبوية، أي أصبح تركيزهم على الديموقراطية السياسية وأهملوا وتجاهلوا الديموقراطية الاجتماعية.
وفي فبراير 2011 تأسس “التيار التقدمي الكويتي” وهو امتداد لليسار في الكويت، حيث ركز في أهدافه على التقدم والحرية والعدالة الاجتماعية، وسرعان ما أصبحت له مكانة بين الجماهير والقوى السياسية لصحة خطه السياسي وموقفه الفكري الثابت المنحاز للطبقة العاملة والفئات الشعبية المهمشة، ولاقت بياناته ومشاركاته مع الجماهير استحسان ورضا من الفئات المختلفة وبالأخص الشباب الذين كانوا يبحثون عن إجابات علمية لتساؤلاتهم، وكذلك لأنه يملك إرثاً حزبياً منظماً ومتطوراً ويستند إلى تراث نضالي طويل.

الوضع الراهن

على اثر الأزمة السياسية التي افتعلتها السلطة وخلقت بذلك فراغاً تشريعياً، قامت السلطة باقحام المحكمة الدستورية حول إجراء انتخابات 2012 وهي تعلم عن هذا الخطأ الاجرائي، فحلت على أساس قرار المحكمة هذا المجلس واعتبر مجلس 2009 المرفوض شعبياً كأنه لم يحل، ثم أحالت قانون الدوائر الانتخابية وبتشجيع من أصحاب النفوذ وللأسف أيضاً من القوى الوطنية الليبرالية التي أحسنت النوايا ورأت في هذا الإجراءات احتكاماً للقوانين،ولم ترى العبث الحكومي ونيتها في إعادة توزيع الدوائر الانتخابية لضمان تشتيت المعارضة النيابية التي شكلت غالبية في مجلس 2012.
لكن الجمهور بدأ يضيق ذرعاً بانفراد واستئثار الغالبية النيابية وتجمع “نهج” وهو ائتلاف يضم الأخوان المسلمين بتفريعاتهم الطلابية وبعض القوى السلفية المتشددة والتكتل النيابي الشعبي بقيادة الحراك الشعبي وإقصاء القوى السياسية الأخرى، ولأن خطابهم كان خطاباً انتخابياً فاحت من خلاله رائحة التعصب الطائفي والقبلي البغيض، فقد بدأت شعبيتهم تخبو وينفض عنهم الجماهير التي كانت تبحث عمن يطالب بمطالبها في الاصلاح السياسي.
وفي سبتمبر الماضي تأسست “الجبهة الوطنية لحماية الدستور وتحقيق الاصلاحات السياسية” ضمت عدد من ممثلي التيارات السياسية وممثلي الكتل النيابية والنقابيين والكتاب وعناصر نسائية وشبابية ومدنية إضافة إلى ممثل للأخوان المسلمين وبعض عناصرهم وغابت القوى الوطنية الليبرالية عن تأسيس الجبهة وعملها، وتم التوافق بالأغلبية على “إعلان المبادئ” الذي يهدف في مرحلته الأولى إلى الضغط من أجل التراجع عن إحالة قانون الدوائر للمحكمة الدستورية، ويهدف في مرحلته الثانية إلى تحقيق الاصلاحات السياسية المتمثلة في اشهار الأحزاب السياسية وتحقيق النظام البرلماني الكامل وبالتالي الحكومة المنتخبة من البرلمان نفسه، مع دائرة انتخابية واحدة والانتخاب على أساس القوائم النسبية مع ضرورة الحفاظ على الوحدة الوطنية والتصدي لمحاولات شق النسيج الاجتماعي.
ولأن عملها سياسي منظم استطاعت الجبهة خلال فترة قصيرة من خلال بياناتها ورسالتين الأولى لرئيس الوزراء والثانية لرئيس مجلس القضاء الأعلى وكتيبات توعوية، أن تعبئ الرأي العام وتغير ميزان القوى باتجاه رفض المحكمة الدستورية النظر بقانون الانتخاب.
والآن، لا يعد هذا انتصار نهائي للشعب، إذ لا زالت السلطة تبحث عن مخرج للالتفاف على قرار المحكمة الدستورية، قد يكون عن طريق مراسيم ضرورة أميرية سواء لتغيير عدد الدوائر أو تغيير القوة التصويتية من 4 إلى 2 أو واحد، وهو من شأنه أن يخرج لنا مجلس مطواع وتابع للسلطة التنفيذية.
فالشعب الكويتي الآن ما زال في غمرة الصراع السياسي الذي امتد قرابة القرن، ولن يحل هذا الصراع طالما ظل التناقض الرئيسي لم يحسم بين نهج الانفراد وإدارة الدولة بالطريقة العشائرية وبين بناء الدولة الكويتية الديموقراطية الحديثة، دولة المؤسسات والقانون، وطالما لم تتحقق مبادئ الحريات والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وإدارة ثرورة البلاد بطريقة منتجة وعقلانية وفك الارتباط بالتبعية للرأسمال الأجنبي.

[email protected]

Print Friendly
Share

Previous post:

Next post: