المفكر اليساري الراحل محمود أمين العالم: ثقافة السلطة وسلطة الثقافة.

by tayar-taqadomi on 07/12/2012

في أغلب ما يكتب عن ثقافتنا العربية، القديمة والحديثة والمعاصرة، يكاد يقتصر التركيز على المتن الثقافي المكتوب نفسه، منسوبا إلى صاحبه. وفي أفضل الحالات يتم الرجوع بالنص إلى وقائع سياقه الاجتماعي التاريخي العام، تفسيرا وإضاءة له. وما أندر الدراسات التي تهتم بالتجليات المادية والعملية والسلوكية للثقافة، أو للعلاقة بين الخطاب الثقافي وبنية السلطة السياسية السائدة، سواء كان هذا الخطاب متوافقا مع هذه السلطة أو معارضا لها. ولهذا ما أكثر ما همشت أو غيبت الخطابات الثقافية المعارضة للسلطات السائدة طوال التاريخ الثقافي العربي.
وتكشف لنا شهادة التاريخ عن عمق العلاقة بين الثقافة والسلطة، سلبا أو إيجابا، بحيث إنه لا سبيل – في تقديري – لقراءة صحيحة لثقافة من الثقافات أو استشراف مستقبلي لها، بغير تحديد طبيعة هذه العلاقة في أي معالجة لمستقبل الثقافة العربية، إذ تكاد هذه القراءة أن تكون المفتاح الرئيسي لفتح أبواب المستقبل، معرفة بإمكانياته، أو تحركا فاعلا فيه. فالمستقبل إنما يتخلق في حاضرنا المعيش.
على أن العلاقة بين الثقافة والسلطة علاقة إشكالية، ملتبسة، في أكثر من وجه. فهناك أولا تعارض مبدئي بين الثقافة كثقافة والسلطة كسلطة. فالثقافة – بشكل عام – هي رؤية إنسانية كلية نقدية تجاوزية للواقع الآني الخاص السائد، على حين أن السلطة أقرب إلى أن تكون تجسيدا عمليا لرؤية مصلحية محددة، تسعى إلى تثبيت الواقع وإعادة إنتاجه وتسييد مشروعيتها فيه، بالممارسة الجزئية والآنية.
على أننا نجد من ناحية أخرى أن لكل سلطة ثقافتها المعبرة عن هذه الرؤية وهذه المصلحة، تسهم في إعادة إنتاجها وتسييدها، إذ هي جهاز من أجهزتها الإيديولوجية على التعبير المشهور للفيلسوف الفرنسي ألتوسير. كما أن لكل ثقافة سلطتها وفاعليتها التي تسعى بها إلى أن تسود، مهما كان مستواها. وهكذا نجد تلاحما بين الثقافة والسلطة من ناحية، كما نجد استقلالا وتخالفا بين “الثقافة – السلطة” و “السلطة – الثقافة” من ناحية أخرى. وسنجد هذه العلاقة الملتبسة المتلاحمة المتخالفة بين الثقافة والسلطة في تاريخ الثقافة العربية وفي تاريخ كل ثقافة إنسانية أيا كان مستوى تطورها. وهو التباس ما أكثر ما توظفه السلطة لتمييع الخلاف المبدئي بين الثقافة والسلطة لحسابها.
ولن تختلف الصورة كثيرا في عمومها إذا انتقلنا إلى عصرنا الراهن. فلا تزال السلطة هي السائدة بتراثها الثقافي المحافظ الذي يتسيد معها وتتسيد به على تنوعه بتنوع السلطات والأوضاع في واقعنا العربي الراهن. ولا تزال السلطة العربية في قلب معركة الثقافة، بل تكاد أن تكون محورها.
على أنه من التبسيط المخل، أن نقف عند تصور العلاقة بين الثقافة والسلطة كأنما هما مجرد طرفين ضدين يستبعد كل منهما الآخر، أو مجرد كيانين متمايزين وإن تشابها مظهرا من حيث أن لكل سلطة ثقافة، ولكل ثقافة سلطة. فالأمر أعمق وأعقد من هذا التحديد الثنائي. ذلك أن السلطة في علاقتها بالثقافة ليست محدودة بحدود السلطة السياسية كجهاز في قمة المجتمع، وإنما تتمثل هذه السلطة في تجليات مختلفة متنوعة، معنوية ومادية، تتوزع وتنتشر في قلب المجتمع الواحد نفسه، فقد تتمثل هذه التجليات في أنماط إنتاج أو عصبيات عشائرية أو قبلية أو عادات أو أعراف أو قيم أو تراث أو رؤى دينية أو أوضاع عرقية أو طبقية أو بيئية جغرافية، أو سياسية إلى غير ذلك. إنها مستويات مختلفة من السلطة في قلب المجتمع، ذات تأثيرات وإلزامات متنوعة. ولهذا تتعقد وتتعدد العلاقة بين السلطة والثقافة في المجتمع الواحد أو في الإطار القومي العام، دون أن يلغي هذا، الاستقطاب السلطوي في النهاية.
على أن السلطة لا تتمثل فحسب في السلطة المركزية، أو في مراكز القوى الاجتماعية ومستوياتها المختلفة كما أشرنا، وإنما تتمثل السلطة كذلك في عصرنا الراهن – عصر العولمة الرأسمالية – في تأثيرات وإلزامات سياسية واقتصادية وتكنولوجية وثقافية داخلية وإن تكن – في الواقع – مستنبتة أو مفروضة من قوى عالمية خارجية سائدة تسعى للسيطرة على العالم وتنميطه لخدمة مصالحها التوسعية الاستغلالية، هذا إلى جانب مفاهيم وقيم وإبداعات وخبرات إنسانية وثقافية أخرى هي ثمرة التفاعل الديموقراطي بين الممارسات والهموم الإنسانية المشتركة والتي تكاد تشكل في عصرنا ثقافة إنسانية عامة كلية فوق الثقافات القومية الخاصة، وتختلف بل قد تتناقض من حيث دلالتها وتأثيرها مع القوى الرأسمالية العالمية التي تسعى للهيمنة على العالم لخدمة مصالحها الخاصة.
وعلى هذا، فإنه في الحديث عن واقع ثقافة من الثقافات، لا سبيل إلى تجنب هذه العلائق السلطوية والتأثيرات المختلفة المتنوعة “الداخلية والخارجية”، “المتداخلة والمتخالفة”، “الخاصة والعامة”، “المهيمنة والديموقراطية”. ولا سبيل كذلك إلى رؤية مستقبلية صحيحة للثقافة دون الأخذ في الاعتبار هذه العلائق والتأثيرات في تشابكها وتصارعها وحركيتها.
ويبقى بعد ذلك سؤال المستقبل. فما هو المقصود والمنشود من المستقبل الثقافي؟ هل هو الاستباق إلى المستقبل بشكل مجرد بوضع برامج إجرائية تفصيلية محددة لتجديد وتطوير المستوى التعليمي والإعلامي والمعرفي عامة، فضلا عن تشجيع الإنتاج الأدبي والفني والعلمي والتكنولوجي، وتوسيع آفاق الحوار المجتمعي والحريات الديموقراطية للتفكير والتعبير والاعتقاد والاجتهاد، وتنمية الفكر العلمي والنقدي والعقلاني عامة وتيسير آفاق التفاعل الثقافي مع مختلف منجزات العصر المعرفية والإبداعية، وخبراته الاجتماعية والإنتاجية؟ هل هذه البرامج الإجرائية هي المقصود أن يتحقق بها المستقبل الثقافي المنشود؟ وهل تكفي هذه البرامج وحدها – على أهميتها وضرورتها – لتحقيق هذا المستقبل؟ وهل يمكن أن تحقق هذه البرامج الإجرائية دون أن يكون لها إطار نظري عام وغاية مستهدفة، تتضمنها وتتحقق وفقا لها هذه البرامج الإجرائية؟ فليس بكاف أن نتحدث عن المستقبل على هذا النحو من التجريد والتعميم! وهكذا نعود إلى السؤال عن المقصود والمنشود من المستقبل الثقافي الذي نسعى لتحقيقه بهذه البرامج الإجرائية.
وفي تقديري إنه لا سبيل إلى الإجابة عن سؤال المستقبل الثقافي العربي، بدون الإجابة – أو على الأقل إلا داخل الإجابة – عن سؤال المستقبل العربي نفسه أولا. ليس في هذا محاولة لتجنيب سؤال الثقافة أو تأجيله أو الإقلال من شأنه وفاعليته داخل سؤال المستقبل العربي نفسه. وإنما هي محاولة لوضع سؤال الثقافة في سياقه التاريخي الموضوعي الخاص حتى لا نسقط – عند البحث في الإجابة عنه – في نزعة إجرائية انتقائية خالصة، أو نتغرب عن سياقه الخاص.
والحق أنه لا مستقبل للأمة العربية إلا بتغيير جذري في بنيتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. ولا سبيل إلى هذا التغيير إلا عن طريق استراتيجية نهضوية شاملة للخروج بأمتنا العربية من حالة التمزق القومي والتخلف الاجتماعي والتبعية، وتأكيد خصوصيتنا القومية وشحذ هويتنا الثقافية وفاعليتنا الإنتاجية والإبداعية، وتأكيد وجودنا الفاعل المتميز داخل إطار هذه العولمة السائدة.
وفي هذه الاستراتيجية النهضوية الشاملة يكون للفعل الثقافي قوة دافعة رافعة، موحدة ومجددة.
وحتى لا نسبح في فراغ تجريدي أو في أمنيات سعيدة بعيدة، نطرح على أنفسنا هذا السؤال:هل يمكن أن تتحقق نهضة ثقافية شاملة تكون جزءا فاعلا في مشروع نهضوي مستقبلي شامل في ظل الأوضاع السلطوية القائمة السائدة بالمعنى الذي عرضنا له في تجلياته الثلاثة:أي
أولا:سلطة الأوضاع والأعراف والموروثات الثقافية السائدة بمستويات مختلفة في المجتمعات العربية.
ثانيا:السلطة أو الأنظمة العربية القائمة والمسئولة مركزيا من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
ثالثا:سلطة العولمة الرأسمالية والتكنولوجية السائدة وما تفرضه من حدود وقيود وتبعية على حساب الخصوصية القومية والهوية الثقافية.
ثلاثة أسئلة إشكالية تتعلق “بالحاضر – المستقبل” الثقافي العربي، هي سؤال المجتمع وسؤال الدولة وسؤال الوضع العالمي.
أما سؤال المجتمع، فالإجابة عنه أكتفي منها بالتشخيص العام:لقد تحقق بغير شك العديد من المنجزات الحداثية، تنويرا وثقافة، وتحقق العديد من المنجزات التحديثية، اقتصادا واجتماعا وسياسة وتكنولوجيا، خلال المائة عام الماضية. ولكنها لا تزال أقرب إلى المنجزات النخبوية العلوية التي لم تمس البنية الاجتماعية العميقة. فلا تزال الصورة العامة الغالبة للمجتمعات العربية – على اختلاف مستوياتها – تتمثل – في التمزق القومي والتخلف الاجتماعي والتبعية الفكرية وسيادة الاقتصاد الريعي الطفيلي الكومبرادوري التابع، فضلا عن التدني الإنتاجي وتفاقم الفقر والبطالة جنبا إلى جنب سيادة الغنى الفاحش والاستهلاك البذخي، مع تصاعد التعصب السلفي الديني والطائفي والاتجاهات التقليدية واللاعقلانية والرؤى اللاتاريخية، إلى جانب تدني التعليم والعجز عن القضاء على الأمية.
أما سؤال الدولة، فحسبي أن أقول بشكل تخطيطي عام فيما يتعلق بموضوعنا الخاص بالثقافة:إن الإيديولوجية السائدة المشتركة – بمستوى أو بآخر – بين أغلب الدول العربية تتراوح – كما ذكرت في دراسة قديمة – داخل مركب إيديولوجي يجمع بين الفكر الديني السطحي الطقوسي النفعي التوجه، والموظف لدعم مشروعية الدولة، وبين الفكر القومي المظهري الذي يكاد يغلب عليه – عمليا اليوم – التوجه القطري للخروج من الالتزامات القومية، سواء فيما يتعلق بضرورات التكامل الاقتصادي العربي أو الموقف المهادن من العدوانية التوسعية الإسرائيلية ضد حقوق الشعب الفلسطيني، والتوجه نحو المصالحة والتعامل والتعاون مع إسرائيل، فضلا عن التحالف العملي مع السياسات الأمريكية الباغية في المنطقة العربية والمتواطئة مع العدوانية والتوسعية الإسرائيلية. هذا إلى جانب سيادة الفكر الإجرائي التجزيئي والتوفيقي وافتقاد الرؤية الاستراتيجية في سياساتها وممارساتها، واحتكار وسائل الإعلام والثقافة والتعليم وتوجيهها لمصلحة الاتجاه الإيديولوجي الخاص للدولة، والحد من حرية التعبير والتفكير والاعتقاد والإبداع، وإن اختلفت المواقف وتراوحت بين بلد عربي وآخر، وإن كانت هناك حدود لا سبيل إلى تخطيها حتى الآن مثل حق تشكيل الأحزاب السياسية وحق الأحزاب في الاعتصام والتظاهر والمسيرات الجماهيرية إلى غير ذلك.
ولا شك أن الإجابة عن سؤال المجتمع والدولة تكشف عن أن المسئولية الكاملة عن تردي الأوضاع العربية سياسيا، واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا هي مسئولية الدولة أساسا من الناحية الإيديولوجية والعملية والقانونية، دون أن أقلل من المسئولية المعنوية للمثقفين العرب رغم ما يبذلونه من جهود ومبادرات ثقافية وتضحيات كبيرة في مواجهة هذه الأوضاع المتردية والسياسات التوفيقية المهادنة.
ويبقى بعد ذلك السؤال الخاص بالعولمة في جانبها الرأسمالي التوسعي، وفي تأثيرها كسلطة خارجية مشاركة في استمرار تردي الواقع العربي الداخلي.
ففي إطار الواقع العالمي الراهن، وخاصة بعد انهيار النموذج الاشتراكي السوفيتي وتفكك المنظومة الاشتراكية وفي ظل انفراد النظام الرأسمالي بالهيمنة على العالم، وسيطرته على المكتشفات العلمية والتكنولوجية الباهرة في مجالي المعلوماتية والإتصالية، يتصاعد المخطط الرأسمالي العالمي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية لإزالة الخصوصية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية لطمس الدولة القومية باسم السيولة الدولية والعولمة، بحيث لا يبقى لهذه الدولة إلا دور رجل الأمن الضامن لمصالح الطبقة الرأسمالية الكومبرادورية في الداخل وجيوب ومصالح الدول الرأسمالية وشركاتها في الخارج.
ولهذا قد لا يكون هناك سبيل للتصدي لهذا المخطط إلا بالدفاع عن الخصوصية القومية والهوية الثقافية، وعيا وإنتاجا وإبداعا، دون قطيعة أو غيبة عن المسحدثات المعرفية والعلمية للواقع العالمي الراهن، ودون الهروب إلى سلفية ماضوية عاجزة من ناحية أو الاندماج الهيكلي التابع في هذا النظام العالمي من ناحية أخرى. فكلا الموقفين هما بمثابة انتحار حضاري كما ذكرت في موضع آخر.
وإذا كنت قد أشرت في الفقرة السابقة إلى أن الدولة هي المسئولة عن حالة التردي الراهنة، فإن الموقف منها في ضوء هذا الواقع الرأسمالي العالمي الجديد يصبح موقفا ملتبسا إشكاليا.
فالدولة ضرورة قومية في البلاد النامية بوجه خاص، لضمان وحدتها وهويتها القومية وكأداة لتنميتها وتطويرها إنتاجيا وخدماتيا. بل لا تزال الدولة قائمة قوية في البلاد الرأسمالية الكبرى نفسها رغم دعوتها وممارساتها لتهميش وتصفية الدولة – وخاصة في جانبيها الإنتاجي والخدماتي – في البلاد النامية. بل نستطيع أن نتبين هذه الدولة الرأسمالية القوية وراء مختلف الشركات المتعددة والمتعدية للجنسيات.
ولهذا فبنية الدولة القومية العربية، ضرورة قومية كبنية لا كأشخاص في المشروع التنموي النهضوي العربي، ولإدارة الصراع ضد المشروعات الصهيونية الأمريكية في المنطقة العربية.
على أن ضرورة الدولة وبالتالي ضرورة حمايتها والدفاع عن بنيتها، لا تعني تقديسها أو تكريسها أو الخضوع لطابعها التسلطي القمعي وسياساتها وممارساتها التوفيقية والتابعة، إنما يتحقق هذا الدفع عنها – في ظل الملابسات العالمية والعربية الراهنة – بمقدار ما ينجح المجتمع العربي – على تنوع تشكيلاته ومستوياته القطرية – في مقاومة سياسات وممارسات التجزئة والتجهيل والإفقار والتسلط والقمع والتوفيقية، وتغييب الوعي والتبعية والتواطؤ. إن القضية باختصار هي تقوية الفاعلية العقلانية والحيوية الديموقراطية والإنتاجية والإبداعية للمجتمعات العربية في مواجهة الدولة، دفاعا عنها وتطويرا لها وتغييرا ديموقراطيا لها ما أمكن ذلك. أي أن تنمو سلطة الوعي المجتمعي النقدي العقلاني التنويري في ارتباطها بإرادة الفعل المدني الجماعي التحديثي التغييري، المعبرة عن المصالح الأساسية للجماهير المنتجة والمبدعة، فوق سلطة المصالح الآنية والنفعية والإجرائية الضيقة والتابعة والفكر التوفيقي للدولة، وفي مواجهة محاولات العولمة الرأسمالية للاستتباع وطمس الهوية القومية والثقافية.
وهذه هي في تقديري مهمة المثقفين العرب اليوم، وهي الإجابة الحقيقية عن سؤال المستقبل، مستقبل الأمة العربية ومستقبل الثقافة العربية معا. فبهذا تتحقق صيرورة تاريخية واجبة لتنمية علاقة تناقضية جدلية منتجة بين سلطة الثقافة وثقافة السلطة، بين سلطة الثقافة القومية المتجددة المتفتحة المبدعة وثقافة الهيمنة والاستتباع والتنميط.
لن أقترح هنا برامج عمل تفصيلية، لقد أشرت إلى بعض خطوطها العامة في البداية. ولكني حريص في النهاية على ضرورة تأكيد صياغة رؤية شاملة لمشروع نهضوي قومي لتغيير وتطوير الهياكل الأساسية لحياتنا في مختلف أنحائها السياسية والاقتصادية والثقافية في إطار معرفة عقلانية موضوعية بحقائق عصرنا ومستجداته. ولتكن البرامج الإجرائية التي أشرت إليها في البداية بعض خطوات نضالية في طريق بناء هذا المشروع وليست برامج مفروضة متناثرة انتقائية لا يربطها إطار نظري شامل مفتوح على إمكانيات الخبرة والتجدد والعلم والإبداع والحوار المجتمعي.
ويبقى أخيرا السؤال الأخير: كيف يتحقق هذا إذا كانت الأوضاع العربية مجتمعيا وسلطويا وقوميا على هذا المستوى من التدني والتردي والتمزق والتخلف والتبعية؟
ليس هناك دائما حل جاهز نهائي، غير الإعمال الفكري والمعرفي العلمي الجماعي، والفعل الجماعي المبادر للمثقفين العرب في تفاعل حميم مع خبرات وممارسات وهموم شعوب الأمة العربية، في غير استعلاء أو اغتراب أو سلبية. إن الثقافة أصبحت أكثر من أي وقت مضى قوة “إنتاجية – ثورية” في عصرنا الراهن وخاصة إذا توفرت لها أسس المعرفة العلمية والمشاركة الجماعية الفاعلة والوعي التاريخي.
وأختتم كلمتي بمقترحات علمية سبق أن طرحتها في ندوة سابقة في دمشق، وكررتها في أكثر من مناسبة أخرى.
الاقتراح الأول هو دعوة المثقفين العرب إلى صياغة عقد اجتماعي قومي عربي تجتمع عليه كل القوى الحية في شعوب أمتنا العربية للتصدي لما يواجه أمتنا من أخطار وتحديات وسلبيات داخلية وخارجية.
والاقتراح الثاني هو العمل على إنشاء جامعة للشعوب العربية في تواز مع جامعة الدول العربية ولا أقول في مواجهتها، لتكون صوت شعوب الأمة العربية في قضاياها المصيرية.
والاقتراح الثالث هو تشكيل برلمان للمثقفين العرب على أساس ديموقراطي يضم مختلف الانتماءات الفكرية والكفاءات العلمية والعملية بعيدا عن أي وصاية مركزية لسلطة. وأن يكرس هذا البرلمان جهده لوضع مشروعات وحلول موضوعية بديلة لمختلف القضايا والمشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية والسكانية، قابلة للتنفيذ، على أن تطرح على الجماهير للمناقشة ثم العمل على تنفيذها بمختلف الوسائل والجهود المعنوية والعملية، التطوعية والرسمية المتاحة.
إن مسئولية المثقفين لم تعد تقتصر في عصرنا على التشخيص والتحليل والكشف والنقد، بل أصبحت مطالبة كذلك بتقديم بدائل موضوعية للقضايا المصيرية المعلقة والعمل المتفاني الجسور المبدع من أجل تحقيقها.

منقول عن منتدى جسد الثقافة تاريخ 15\5\2004

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: