الكويت بين سطوة الواقع وأمل التغيير

by tayar-taqadomi on 21/11/2013

Making-change-happen-gaining-peoples-commitment
بقلم: عمر العصيمي*
نعيش اليوم أزمة هي الأعمق في تاريخ الكويت من حيث وقعها مستقبلاً على حياة الأفراد، نتج عنها خروج ضخم للفئات الشعبية في مظاهرات ومسيرات على مدار سنتين مثّلت رعباً مدوِّياً لحكومات المنطقة وإلهاماً ثورياً لشعوبها، ونعيش صراعاً تاريخياً وصل لمرحلة مفصلية لم يبدو بها واضحاً كما هو اليوم -من حيث الاصطفاف- بين النهج المشيخي وحليفه من الطبقة التجارية من جهة وحركة الوعي الشعبي من جهة متناقضة معه.

لقد دأب هذا النهج وحليفه من الطبقة التجارية منذ نصف قرن على بث نفَس الطائفية وتبنّي الخطاب العنصري عبر الترسانة الإعلامية بدعم أشخاص مأجورين يقومون باستفزاز فئات مختلفة من الشعب لتضيع جهود الأفراد بحروب وهمية لا طائل منها، وذلك لهدم مبادئ المجتمع المدني في ذهن الفرد واستبدالها بالإنتماء الضيّق للطوائف وبذلك لا يشكّل الأفراد المتفرّقين تهديداً سياسياً للسلطة، وقد نجح هذا الأمر مراراً وتكراراً، ولكن لكل كذبة أجل، وقد تحطّمت هذه الأكاذيب على صخرة الوعي .
إن الخطوة الأكثر نضوجاً وثباتاً التي للشريحة العريضة من الشعب في طريق الوعي السياسي برأيي هي مقاطعة إنتخابات مجلس الصوت الواحد، لقد كانت المقاطعة الشعبية للإنتخابات بمثابة الصفعة التي لم يستفيقوا منها بعد، ولن يفعلوا، وتكمن أهمّيتها بأنها قطعت عليهم الطريق الذي طالما سلكوه في خداعنا وكشفت المسرحية التي طالما كانت تبدو وأنها انطلت علينا بشأن كوننا “مصدر السلطات”، إن المقاطعة تمثل تحرّر الشعب من قيود اللعبة (الدستورية) التي تتحكم السلطة بقواعدها وتحدد دائماً من خلالها من هو الفائز أو الخاسر فيها، وهذا تغيّر نوعي؛ حيث أن خيار الانتخابات كان دائماً الخيار الأخير في ظل أي توجّه معارض لنهج السلطة، ولكن اليوم -بوعي كبير- أدرك الأفراد أنه سلاح لم يعد يجدي أو لم يكن يوماً كذلك، لقد جعلتهم المقاطعة يعيشون في عزلة تامة غير مستوعبين لما يفعلون أو ماذا يريدون، وهذه الصدمة تنعكس من خلال فوضى الحكومة الحالية من تصريحات بلهاء و رعونة قرارات وأخيراً المهزلة التي حصلت إثر شطب كل محاور استجواب رياض العدساني في مجلس هو صنيعتها، وفي هذه التصرّفات هي تخسر آخر حلفائها ومريديها من الذين لا تجمعهم بها مصالح دائمة من المواطنين البسطاء الذين شاركوا في انتخابات مجلس الصوت الواحد؛ تخسر الشرعية الشكلية بعدما فقدت الشرعية الفعلية، ببساطة إنها تخسر المعركة التي لم تبدأ فعلياً بعد. وقد عزلت المقاطعة بدورها المقاطعين أيضاً عن المشهد السياسي الرسمي ولكن بمحض إرادتهم،  وهذه العزلة مهمة حيث يمثل عمر هذه العزلة -مهما طال- الفترة اللازمة لصقل معارضة كفوؤة وصلبة تتمتّع بالتأييد الشعبي والقدرة التنظيمية للوصول للمطالب المعلنة أحداث التغيير المنشود.
هذا كله من الجانب السياسي، ولكن الناس تاريخياً لا تحرّكهم النظريات السياسية بقدر الواقع الإقتصادي-الاجتماعي ، والمجتمع يشق طريقه نحو التغيير عبر الصراع الطبقي الرأسي وليس السياسي بصورته الأفقية، فالأفراد من الممكن أن يصبروا على صفعات السياسة ولكنهم سيتحرّكون وتطأ أقدامهم الشوارع بلمح البصر عندما ينال منهم الجوع، والجوع هنا بمعنى فقدان الإحتياجات اليومية التي من المفترض على أي حكومة نموذجية أن توفرها في متناول الأيدي لمواطنيها كالسلع والخدمات الضرورية المادية منها والمعنوية والحاضرة والمستقبلية والفردية والجماعية في كافة القطاعات، وفوق أننا نشهد تهالك الخدمات في الكويت وصعوبة الحصول عليها قبل ذلك، هناك خطر جدّي يكمن في إمكانية عدم توافرها إطلاقاً في المستقبل، والمتسبّب بهذه المشكلة هو نفسه المكلّف بحلّها وهي الحكومة اللتي هي الإبن المسخ لهذا التحالف بين النهج المشيخي وحليفه الطبقي، فتقدم المؤسسات العامّة -بتعمد أو بجهل- خدمات رديئة متهالكة ثم يروّج بعض الكتّاب “الرسميين” عبارة “الحل في الخصخصة” ثم يتم طرح هذا الأمر في البرلمان (منقوص سلطة المحاسبة) في مسرحية مفضوحة الأدوار؛ والنتيجة جعل مصير المواطن محتكراً في يد جشع واحتكار الطبقة التجارية، الأمور لا يمكن أن تكون أوضح مما هي عليه الآن خاصة في غياب الرقابة البرلمانية حيث لم يعد هنالك داعٍ لإخفاء الممارسات المخالِفة، والهوة الطبقية لم تعد تخفى على أي متابع، ففي الوقت الذي تشتكي الفئات الشعبية من غلاء المعيشة ورداءة السلع والخدمات وعدم توافرها أحياناً يقابل ذلك تبديد الحكومة لثروات البلد بشكل ممنهج منذ عقود تقريباً بشكل صرف مليوني على مشاريع فاشلة ومجالس تنفيعية ومنح مليارية للدول بلا معيار محدّد؛ وانفاق مجنون تارة لأهواء مريضة وتارة من أجل مصالح وأرصدة شخصية، والطامة تكمن في التوجه الحكومي الجديد بتقليل دعم الماء والكهرباء وفرض الضرائب !! ببساطة أكثر إنهم يريدوننا أن نتقشّف من استهلاكنا كي يستطيعوا هم أن يتمتّعوا بالصرف والإنفاق الهائل بدون أن يحدث عجز أو اضطراب بالميزانية، أي بدون ازعاج !!
هذا التناقض الصارخ في المصالح الطبقية بين الكثرة التي تفقد امتيازاتها ضد القلة التي تحتكر هذه الامتيازات يمثّل نواة التغيير التاريخي وفق القانون الديالكتيكي ومنظور المادية الجدلية، فهو صراع متوازن بين الأضداد التي ستنصهر في خضم المعارك لتوّلد تركيباً جديداً وطبقة سائدة جديدة لتوّلد التغيير الجذري، والأفراد حين يرون حقوقهم مسلوبة طوال سنين مضت والآن مصالحهم البسيطة المشتركة في خطر لن يحتملوا مزيداً من الصبر، وستجبر الأوضاع المزرية الأبكم على الكلام، والمواطنون الذين فرّقتهم الطائفية والفئوية ستوّحدهم قسوة المعاناة.
لقد ناضلت الطبقة التجارية قبل ٥٠ سنة في سبيل مصالحها الضيقة وظفرت بالشراكة المالية والسياسية عندما كان هذا الشعب هائماً على وجهه مغيّباً عن الواقع ولكن ليس بعد اليوم، فلقد أفاق الناس من سباتهم الطويل وحطّموا قيود الخوف والجهل، وأصبح أملهم في التغيير ندّاً قوياً لسطوة الواقع.
————————————
*عضو التيار التقدمي الكويتي.
Print Friendly
Share

Previous post:

Next post: