الفقراء لا يأكلون البقلاوة

by altaqadomia on 01/02/2019

أعمق أفكارنا وأصدقها وأكثرها رسوخا، هي تلك التي تنبع من تجاربنا الشخصية، لا من تجارب الآخرين.


لم يكن وضع أسرتي المعيشي، خلال طفولتي وصباي، بائسا، لكنه، بالتأكيد، لم يكن مترفا لأنال كل ما أتمناه.
رغم ذلك كانت أحوالنا المعيشية أفضل بكثير من أحوال معظم جيراننا.
فما زلت أتذكر، حتى اليوم، أننا كنّا نأكل قطع البسكويت المغموسة في الحليب الساخن، بينما كان أبناء جيراننا( آل موسى)، يغمسون الخبز في الماء!
ولا أستطيع الجزم، الآن، ما إذا كان ذلك بسبب الفقر أو بسبب اضطراب” البيكا” الذي يدفع المصاب به للأكل بطريقة غريبة.
في الجهة المقابلة لبيت( آل موسى)كانت تسكن أسرة( بوجابر)الثرية التي كان أبناؤها يأكلون البقلاوة اللبنانية عصر كل يوم تقريبا.
وأتذكر جيدا، الآن، فرحتي باندلاع الحرب الأهلية اللبنانية(1990-1975) لأنها حرمت الجيران من السفر إلى لبنان وجلب البقلاوة عند عودتهم في نهاية الإجازة الصيفية.
كان التباين الطبقي حادا في حيّنا. وكان يسهل التقاط إشاراته وعلاماته من خلال نوعية الأكل والملابس والسيارات وأثاث البيوت.
كانت أسرتي تنتمي لأدنى الطبقة الوسطى بينما يقبع( آل موسى)في قعر طبقة الفقراء، في حين كانت عائلة( بوجابر) البرجوازية تنعم بالحياة المترفة بفضل عوائد شركة الأدوات الكهربائية التي تملكها الأسرة.
لم تدفعني تلك الفروقات الطبقية، رغم حدّتها، للحقد على الأغنياء. وقد يكون مردّ ذلك لبساطة وسذاجة أمنياتي واحتياجاتي آنذاك.
لم يدم ذلك التسامح الفريد طويلا، فقد تغيّر كل شيء بعد أن شاهدت الساعة الجديدة لـ( عبدالرحمن)، الإبن الأصغر لجيراننا الأغنياء.
كانت ساعة يابانية من نوع كاسيو. بسير حديدي وشاشة مربعة تظهر عليها أرقام تُشير إلى الوقت.
كانت ساعة ثوريّة بمعنى الكلمة، فبالإضافة إلى أنها بلا عقارب، كانت تُصدِر تنبيها صوتيا مميزا عند تمام الساعة إيذانا ببدء ساعة جديدة. كان( عبد الرحمن) يتباهى بها أمامنا، فيرفع يده عاليا عندما يقترب وقت صدور التنبيه الصوتي، فتشرئب أعناق الصبيان إليها، وكأنهم مجموعة من السياح ينظرون، بانبهار، إلى ساعة براغ الفلكية الشهيرة.
أشعرتني تلك الساعة بالحقد الطبقي، لأول مرة، تجاه الأغنياء. وأظن أن ميلي نحو الاشتراكية قد وجد طريقه إلى وجداني منذ تلك الساعة.
كان( عبدالرحمن) لا يخلو، كمعظم الأغنياء، من البخل والسماجة، ما حرمه من تكوين الصداقات مع بقية الأولاد.
قررتُ منع( عبدالرحمن)من التباهي بثراء أسرته. شعرت، لأول مرة، أن فقر أهالينا يكاد يكون عارا علينا!
كان شعور مؤلما جدا. ولم يكن التخلص منه ممكنا مادامت الساعة في يد( عبدالرحمن). وجدتُ أن المساواة بين الناس هي السبيل الوحيد لعيش الحياة بطريقة كريمة. وهذا يقتضي سرقة ساعة( عبدالرحمن) التي أصبحت بؤرة الصراع الطبقي حينها.
لم يمكن بإمكاني لبسها بعد سرقتها، كما أنني لم أكن كبيرا بما يكفي لأجد مشتريا لها. لم أهتم بذلك.. كان كل ما يهمني هو اختفاء الساعة.
أخبرت بعض الأصدقاء بخطتي، وطلبت المساعدة من( حمد)، المشهور بدهائه ولؤمه. اتفقنا على إقناع( عبدالرحمن) بنزع ساعته بنفسه، وحينها سيتكفل( حمد) بإخفائها. لم يكن ذلك ممكنا إلّا بالحيلة. ووجدنا أن ضم( عبدالرحمن) لفريق كرة القدم سيسهّل المهمة. كنا، في السابق، نرفض ضمّه لفريقنا لأنه لا يجيد لعب الكرة. فكان يكتفي بالتفرج علينا خلال لعبنا في الساحة الترابية الصغيرة المطلة على شارع ينتهي بمقر شركة أبيه.
كنا، في معظم الأيام، نستغل وجوده فنكلّفه بحراسة ملابسنا التي نضعها بجانب المرمى. ورغم أننا قد لاحظنا اختفاء بعض المتعلقات الشخصية التافهة من ملابسنا أثناء وجودها تحت حماية( عبدالرحمن)إلّا أننا لم نهتم كثيرا للأمر.
شعر( عبدالرحمن)بالدهشة وانعقد لسانه عندما أخبرته، كاذبا، بأننا نحتاج لموهبته الفذة كي يساعد فريقنا في الفوز على فريق منافس آت من حي مجاور. لاحظتُ فرحته الطاغية للإطراء غير المتوقع. لكنه اعتذر لأنه لا يرتدي طقم كرة القدم، فأشرت له نحو فريقنا الذي كان معظم أفراده يستعدون للمباراة وهم حفاة، يرتدون السراويل الداخلية الطويلة والفانيلات البيضاء، بينما كانت ملابسه، الجينز والبلوزة، أكثر ملاءمة للعب. لكنه رفض متحججا بأن أمه ستعاقبه إذا ما علمت بأنه قد لعب حافيا.
اضطررت للتنازل له عن حذائي، وكنت قد تنازلت له، قبل ذلك، عن موقعي في الفريق.
وعندما أراد دخول الملعب، طلبت منه نزع الساعة من يده لأن القوانين تمنع اللاعبين من دخول الملعب بالساعة، وطلبت منه أن يضعها بجانب المرمى مع ثياب اللاعبين، حيث كان( حمد) يتحيّن الفرصة للانقضاض عليها كفهد جائع.
تردّد قليلا، فاضطررت لحثّه مجددا، فالمباراة على وشك الانطلاق، وقد يفقد فرصة اللعب النادرة.
فجأة انطلق ذلك الوغد البرجوازي الصغير، نحو الشارع ولم تمض دقيقة واحدة حتى أوقف سيارة تابعة لشركة أبيه. ويبدو أن السائق قد تعرّف عليه أو أنّ( عبدالرحمن) قد عرّف السائق بنفسه، لأنه أعطاه الساعة وطلب منه إعطائها لأبيه في الشركة، ثم انطلق يعدو بحذائي نحو منتصف الملعب، بينما وقفتُ حافيا أحرس الثياب بجانب المرمى.
عرفت من تلك التجربة أن الصراع الطبقي معقّد جدا ولا يمكن حسمه في( براحة)، كما عرفت أن الله لا يقف مع الفقراء عندما يكذبون.

بقلم عبدالهادي الجميل

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: