العولمة والهوية الوطنية

by tayar-taqadomi on 13/08/2017

عندما طلبت مني إدارة مؤسسة شومان أن أتكلم عن العولمة والهوية الوطنية، استغربت بعض الشيء من العنوان. فكيف يطرح مثل هذا العنوان بعد تدمير العراق واندلاع أزمة 2008 والثورات العربية وصعود روسيا والصين ودول البريكس؟ لو اقترح هذا العنوان قبل عشرين عاما مثلا، لتفهمت ذلك تماما، إذ كان خطاب العولمة آنذاك صرعة عالمية من الصعب تجاهلها. أما اليوم، فأشعر عند تناول هذا الموضوع أني ديناصور يتكلم عن ديناصور بائد.
ومع ذلك، دعونا نأخذ هذا العنوان البائد ذريعة لكي نتحدث عن الواقع العالمي اليوم.

أريد أن أنطلق من المقولات الجدالية الآتية:

1- العولمة خطاب وليست واقعا.

2- العولمة وصفة آيديولوجية وليست معرفة.

3- العالمية ليست شيئا جديدا.

4- الهوية تنتمي إلى المستقبل وليس إلى الماضي.

5- الهوية مشروع راهن ومستقبلي وليست كينونة موروثة ثابتة.

6- الهوية تعبير عن قوى اجتماعية راهنة. فالقوة الاجتماعية هي التي تولد الهوية، وليس العكس.

7- الدولة، لا الهوية، هي الأساس والمحور.

أريد أولا أن أتكلم عن خطاب العولمة، وهو خطاب آيديولوجي بامتياز لا يضيء الواقع بقدر ما يحجبه ويزوره. وقد نشأ هذا الخطاب عالميا بصورة مفاجئة عقب انهيار المنظومة الاشتراكية الأوروبية عام 1989. وساد قبله خطاب التنمية والاستقلال والتحديث. ولربما كان خطاب العولمة تعبيرا عن شعور الغرب بنشوة الانتصار على المعسكر السوفييتي. لقد كان خطاب نشوة واحتفال أكثر منه خطابا معرفيا واقعيا.

لقد أوحى خطاب العولمة هذا أن الرأسمالية تخطت ذاتها صوب نظام عالمي جديد يتضمن كل حسنات الرأسمالية التي طالما تغنى بها خطاب الحرب الباردة ويتجنب كل سيئاتها ومآىسيها. فأوحى بأن هذا النظام هو نهاية التاريخ بالمعنى الهيغلي، وأنه نظام الرفاه والتقدم التكنولوجي الباهر، وأنه تعبير مباشر عن ثورة المعلومات والاتصالات، وأنه نظام الحرية المطلقة وحقوق الإنسان، وأنه يخلو من أزمات الرأسمالية التقليدية. وبدأ الجميع يرددون هذا الوهم القاتل، بما في ذلك كثير من فصائل اليسار. لذلك، لم نعد آنذاك نسمع بالرأسمالية والإمبريالية وتدهور مستوى المعيشة والخدمات. وشكل هذا الخطاب أساسا واضحا للانقضاض على الدول المستضعفة والجماهير الكادحة ولخوض الحروب الاستعمارية التدميرية الشاملة. ووجد هذا الخطاب الملايين من الأكاديميين والصحافيين والإعلاميين والمفكرين يهللون له ويبشرون بفضائله ويتفننون في إيجاد تعريفات ومعان للفظة العولمة عديمة المعنى. لكن تلك المحولات باءت بالفشل وأبرزت الطابع الكاريكاتوري لهذا الخطاب الضحل.

ولإضاءة الموضوع، علينا أن نؤكد أن النظام الرأسمالي العالمي نشأ عالميا وتطور عالميا وقد يندثر عالميا. الرأسمالية عالمية بطبعها ومنذ نشوئها. وبهذا المعنى، فإن ما يسمى العولمة ليست جديدة البتة. وهذا ما يتبدى بجلاء عند قراءة “ثروة الأمم” لآدم سميث و”البيان الشيوعي” لماركس وإنغلز و”الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية” للينين و”تراكم الرأسمال” لروزا لوكسمنورغ. وقد دخل النظام الرأسمالي العالمي مرحلة الإمبريالية، التي تحدث عنها هوبسون وهلفردنغ ولينين ولوكسمبورغ، منذ 1870. وما زال في هذه المرحلة، وإن تسلسل في سلسلة من الأطوار الإمبريالية مذاك. ولكن علينا أن ننتبه إلى أن عالمية الرأسمالية لا تلغي خضوعها لقوانين الرأسمالية وتناقضاتها وأزماتها، التي سبق أن أوسعها ماركس تحليلا وبحثا، في أي طور من أطوارها.

وينبغي أن نؤكد هنا أن الطابع الإمبريالي العدواني للنظام الرأسمالي العالمي تعمق وتعزز مع تطور الرأسمالية، ولم ينحسر بتاتا، كما روجت أبواق خطاب العولمة عقب إلغاء الاتحاد السوفييتي.

كل ذلك يقودنا إلى أننا لسنا بحاجة إلى مفهوم العولمة بقدر حاجتنا إلى مفهومي الرأسمالية والإمبريالية. فالأخيران يتيحان لنا المجال لإضاءة الواقع ورؤيته بحركيته وتغيره، في حين أن مفهوم العولمة يساهم في حجب الواقع الحي عن ناظرنا وبصيرتنا لصالح رؤية آيديولوجية مسطحة ومرتبة.

ما هي السمات الجوهرية للإمبريالية الرأسمالية؟ لعل أبرز سمة هي الاحتكار والاحتكارات. وقد بدأ الاقتصاد الرأسمالي يتحول من اقتصاد التنافس الحر إلى سيطرة الاحتكارات الكبيرة منذ 1870. ونمت الاحتكارات مذاك من حيث الحجم وتنوع الوظائف والنفوذ، وبدأت منذ عام 1975 تتحكم في كل شاردة وواردة في الاقتصاد العالمي وتلحق بها كل نشاط اقتصادي يمارسه الرأسمال الصغير والمتوسط.. ولم تعد الحدود القومية تحد من حركة الرأسمال بأشكاله النقدية والتجارية والاستثمارية، وإنما أضحى العالم كله ساحة لفعله. وهذه الاحتكارات الكبرى تتحكم اليوم بالتمويل والتكنولوجيا والمعرفة والأسعار والأجور والتسويق والإعلام والسلاح والتعليم والعمل. إنها تتحكم في كل شيء. ولا يختلف الوضع الإمبريالي اليوم عما كان عليه الحال عشية الحرب العالمية الأولى. فهناك إمبرياليات متعددة تتنافس بضراوة معا. لكن، الذي يميز الوضع الحالي هو طغيان القوة الإمبريالية الأميركية، التي تلجم هذا التنافس وتلحق الإمبرياليات الأوروبية باستراتيجياتها وأهدافها إلى حد كبير، فيبدو الأمر وكأنه لدينا اليوم إمبريالية جمعية تخطط للعالم وتوزع الريع الإمبريالي فيما بينها. وهذا هو الوهم الذي ينادي به سمير أمين. لكن هذه الإمبريالية الجمعية مجرد غطاء يخفي وراءه تنافسا إمبرياليا ضاريا، لكن ملجوما بالقوة الطاغية للإمبريالية الأميركية. ومن جهة أخرى، فإن الإمبرياليات الأوروبية والإمبريالية اليابانية شركاء في استراتيجية النهب والاستغلال الأميركية. وتتبدى هذه الشراكة في دورها في الحروب العدوانية الأميركية وفي تواطؤها مع الإمبريالية الأميركية في محاصرة القوى الصاعدة والحريصة على استقلالها.

ويسعى النظام الإمبريالي الغربي إلى السيطرة العالمية وإلى تحويل العالم كله إلى ساحة خالية من المعوقات لحركة الرأسمال العالمي وانتقاله من مكان إلى آخر. الاحتكار والسيطرة وحرية الحركة العالمية إذن هي السمات الأساسية للنظام الإمبريالي الغربي العالمي. والمعوقات الكبرى التي تجابه هذا النظام هي: أولا، الأشكال التنظيمية للطبقات العاملة في الأقطار المختلفة، كالنقابات العمالية، والتي تسعى الإمبريالية إلى تفكيكها والسيطرة عليها. وثانيا، القوى الصاعدة خارج إطار الهيمنة الإمبريالية الغربية، كروسيا والصين وإيران وربما الهند والبرازيل، والتي تخوض صراعا حقيقيا ضد التدخلات الأميركية الوقحة والحصار الغربي الجائر. وثالثا، الدول العالمثالثية التي تدافع عن سيادتها وحقها في تقرير المصير. فالإمبريالية الغربية تعد سيادة دول الجنوب عائقا كبيرا أمام تحكمها بموارد هذه الدول وتطورها وقواها العاملة. وهنا علينا أن نؤكد أن الإمبريالية ليست معنية بالهوية في حد ذاتها، وإنما معنية بالقوى الاجتماعية الفاعلة على الأرض، وفي مقدمتها الدولة السياسية. فهي تسعى إلى تفكيك الدول المستقلة وتقويض سيادتها بما يضمن خضوعها لمشيئتها، ومن ثم خضوع مواردها المادية والبشرية لها تماما. وهي تحارب الهويات التي تعزز من سيادة الدولة المستقلة ووحدتها وقوتها الذاتية وتماسكها، وتدعم الهويات المفوتة التي تقوض أركان الدولة والمؤسسات العمالية التنظيمية. فالإمبريالية تسعى إلى تفتيت دول الجنوب والدول الصاعدة والمؤسسات العمالية باستمرار. وهذا التوجه الإمبريالي ليس بالجديد البتة، وإنما هو قانون أساسي في وجودها، برز بجلاء منذ ولادتها حوالي عام 1870.

وهنا علينا أن نؤكد أن الأساس هو القوة العيانية الموجودة على الأرض، وليس الهوية بوصفها كيانا جوهريا دائما. فالقوة هي التي تصنع الهوية. والهويات هي تعبيرات عن قوى اجتماعية متصارعة. وهي في النهاية مشروعات لقوى ناشئة أو شائخة لا أكثر ولا أقل. وفي مقدمة هذه القوى الدولة السياسية الحريصة على استقلالها وسيادتها. وهذا يفسر السياسة التي تتبعها الإمبريالية الأميركية منذ عقود، والمتمثلة بإطاحة أنماط معينة من الأنظمة السياسية، بحجة الديموقراطية بالطبع. وهو يفسر أيضا ما شهدناه مؤخرا من تضامن وتحالف بين الدول الصاعدة وبعض دول الجنوب الحريصة على استقلالها، من أجل التصدي للغول الإمبريالي الغربي، الذي ما زال يتمتع بتفوق مريع على جميع الصعد، الاقتصادي والعسكري والإعلامي. فالأميركيون تحديدا لا يتورعون عن قتل الملايين وتخريب الأوطان وتدميرها تماما وتدمير تراثها في سبيل سيطرة الشركات والبنوك العملاقة على مواردها وثرواتها، كما حصل في يوغسلافيا والعراق وليبيا وسوريا واليمن. عنوان المرحلة إذن هي الدولة التنموية ذات السيادة في مجابهة الإمبريالية الغربية من جهة، والمنظمات العمالية المتنوعة في مجابهة الرأسمال الإمبريالي من جهة أخرى.

والملاحظ أنه، مع تنامي أزمة الرأسمال الغربي العالمي، تزداد الرأسمالية ضراوة في سعيها إلى التحكم في كل شيء، وتزداد فرص الإفلات من قبضتها في آن واحد. وهذا يفسر ما يحدث في العالم منذ إلغاء الاتحاد السوفييتي، مؤكدين أن مفهومي العولمة والهوية لا يفيدان البتة في فهم ما يجري، وإنما يبدوان مضحكين وكاريكاتوريين في ضوء هول أحداث اليوم.

 

منقول عن صفحة د. هشام الغصيب

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: