العولمة : امتداد للحداثة ، أم نقيض لها ؟!

by tayar-taqadomi on 22/01/2013

photo (1)
د. محمد دياب: دكتوراه في العلوم الإقتصادية- استاذ في الجامعة اللبنانية – له مجموعة من الدراسات والأبحاث حول قضايا اقتصادية في عدد من الدوريات اللبنانية والعربية والأجنبية – من مؤلفاته : اقتصاد المؤسسة 2000- “التجارة الدولية في عصر العولمة” 2010 – و”نهاية العصر السعيد ” – “أزمة النموذج الليبرالي للرأسمالية 2011.

شهد العقد الأخير من القرن العشرين بروز ظاهرة “العولمة” كعنوان للحقبة الجديدة نوعياً في تطور المجتمع البشري. ففيها تتجسد غالبية التحولات العلمية والمعرفية والاقتصادية والثقافية والسياسية، المتسارعة بصورة مذهلة، التي لم يعرف لها العالم مثيلاً من قبل.

لقد كُتب الكثير عن هذه الظاهرة، عن جذورها وظروف نشوئها وخصائصها وتجلياتها، وعن مداها وتأثيراتها العميقة على مختلف جوانب حياة الدول والشعوب. ولكن السؤال المطروح بإلحاح هو: هل العولمة ظاهرة جديدة كلياً، أم أنها امتداد لعمليات وتفاعلات وتطورات شهدها العالم خلال حقبات سابقة؟ وما مدى علاقاتها بـ”الحداثة”؟ هل هي وليدتها وأحد تجلياتها، أم أنها نشأت على أساسها ثم تجاوزتها؟ أم أنها مختلفة عنها كلياً وتأتي كنقيض لها؟ أي :هل العولمة هي “نهاية للحداثة”، أو أنها “حداثة جديدة” للقرن الحادي والعشرين، أم أنها تطور نوعي جديد في تاريخ البشرية يختلف كلياً عن كل ما سبقه؟ تلك أسئلة كثيرة تشكل مادة خصبة للنقاش والجدل.

سادت في خمسينات وستينات القرن العشرين النظريات الكلاسيكية للحداثة، التي تقول بشمولية النموذج الغربي للتطور، وترى فيه سبيلاً وحيداً للشعوب الأخرى الراغبة في ولوج رحاب الحضارة المعاصرة. لقد افترضت تلك النظريات أن البرنامج الثقافي للحداثة لا بد من أن يسير على النحو الذي تطورت فيه في أوروبا، وكذلك المشروعات المؤسَساتية الأساسية التي واكبت ذلك التطور (أي اقتصاد السوق الحرة والتجارة الحرة في ما يتعلق بالتتنظيم الاقتصادي، ونظام الدولة – الأمة أو الجمهورية الدستورية في ما يتعلق بالنظام السياسي)، سوف تسود في نهاية المطاف في كل المجتمعات الحديثة والسائرة على طريق التحديث، وهي مع اتساع نطاق الحداثة سوف تعم العالم أجمع.

لقد كانت الحداثة بالنسبة للمجتمعات غيرالغربية نوعاً من التحدي، أو المحفز للسعي إلى الانتقال من المجتمع التقليدي إلى المجتمع الحديث. وأخذت الحداثة بهذا المعنى أشكالاً مختلفة: استعمار، “تغريب”، محاولات تماهي مع النموذج الغربي، نماذج للتنمية بهدف اللحاق بالغرب .. ألخ.

بعد الحرب العالمية الثانية تعاظم تأثير الغرب ونمط الحضارة الغربي. وكان أن التحقت المانيا واليابان، المهزومتان في الحرب، بمسيرة الحداثة، وبدأت عملية إزالة الاستعمار في البلدان المستعمَرة، وما رافقها من حماسة ورهان على قدرة الشعوب المستقلة حديثاً في تطبيق الحداثة وفق النموذج الغربي. ولم تشذ عن هذه القاعدة سوى دول قليلة، اختارت طريق التطور الاشتراكي، لاعتقادها بأن طريق الحداثة يمر عبره.

لقد افترضت نظريات الحداثة وجود مسار عام، سوف تضطر المجتمعات كافة لسلوكه، ولو في أوقات مختلفة. بيد أن الواقع أظهر، خصوصاً ابتداء من سبعينات القرن العشرين، عدم صواب هذه الافتراضات. إذ أن التطورات الفعلية للمجتمعات التي سلكت طريق التحديث، كانت في حالات عديدة بمثابة نفي لهذا “التنميط”، ورفض لهيمنة برنامج الحداثة الغربية. فقد انتهت مسيرة التحديث في معظم بلدان العالم الثالث في تلك الفترة بالفشل، بحيث بات حجم تدمير ثقافاتها التقليدية أكبر من مدى اكتسابها أسس المجتمع الحديث حسب المفهوم الغربي .

إن إخفاقات بلدان العالم الثالث، سواء على طريق الحداثة الغربي، أم على طريق “الخيار الاشتراكي”، بددت بسرعة أوهام وأحلام مرحلة الاستقلال. فتصاعدت في تلك البلدان موجة العداء للحداثة. وظهرت نظريات “ما بعد الحداثة” أو “تعددية الثقافات”، تعبيراً عن سياسات تؤكد خصوصية الهوية والانتماء الثقافي، وتتجه نحو فضاءات اجتماعية وسياسية وثقافية جديدة مستقلة ذاتياً.

لقد كان هدف حركة “ما بعد الحداثة” التي برزت في سبعينات وثمانينات القرن المنصرم، استيعاب مسيرة الحضارة الغربية التي تأسست منذ عصر التنوير، والعمل على تجاوزها من خلال إجراء مراجعة نقدية لها، والتأسيس لوعي حضاري جديد، أساسه التنوع الحضاري، أو “تعدد الحداثات”، ونسبية المعرفة واحترام الفوارق بين الثقافات، والتعددية السياسية والثقافية.

إذاً، رغم أن الحداثة هي في الأساس ثمرة التطور الغربي، فقد تكونت مع الوقت “حداثات”، إذا جاز التعبير، متنوعة. وقد اكتمل تنوع الحداثات قبل كل شيء من خلال الاستعمار والهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية للغرب، والتي تحققت بفضل تفوقه التكنولوجي والاقتصادي والعسكري. “لقد خرجت الحداثة ،أولاً، متجهة من الغرب إلى مختلف المجتمعات الأسيوية … ثم إلى بلدان الشرق الأوسط، فأفريقيا في نهاية المطاف. ومع نهاية القرن العشرين، حاوطت العالم بكامله تقريباً، مُشَكِّلة “الموجة الحقيقية الأولى للعولمة”، على حد قول عالم الاجتماع س. ن. إيزنشتات S.N. Eisenstadt. ففي تلك المجتمعات تم تبني النموذج الأساسي للدولة – الاقليمية، ثم الدولة – الأمة، مثلما تم تبني الرموز والمبادئ الأساسية للحداثة الغربية. وكذلك الأمر أيضاً بالنسبة لمؤسسات الغرب الحديثة: النيابية، والقانونية والإدارية. لكن التلاقي بين الحداثة وبين المجتمعات غير الغربية أدى في الوقت نفسه، إلى تحولات بعيدة المدى في مبادئ ورموز ومؤسسات الحداثة، وأدى بالتالي إلى ظهور مشكلات جديدة (1).

.. من الحداثة إلى العولمة

العولمة بحد ذاتها ليست بالظاهرة الجديدة (أوهكذا يرى البعض على الأقل)، إنما الجديد هو تلك الأبعاد والأشكال التي تتخذها اليوم، وتأثيراتها الجذرية على الاقتصاد العالمي، وكذلك على مختلف جوانب حياة المجتمعات والدول، وعلى مستقبل المجتمع الدولي.

لقد ظهر مصطلح “العولمة” (نقصد هنا تحديداً العولمة الاقتصادية) للدلالة على دخول الرأسمالية طور الرأسمالية فوق القومية. ويمكن تعريف ظاهرة العولمة بشكل عام، على أنها “اندماج أسواق العالم في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة، ضمن إطار رأسمالية حرية الأسواق، على نحو يقود إلى اختراق الحدود القومية وانحسار سيادة الدولة إلى حد بعيد. وتلعب الشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقوميات الدور الرئيسي في هذه الظاهرة”. من هذا التعريف يتبين أن النشاط الإقتصادي يُمارَس اليوم على مستوى فوق قومي، عابر للحدود والمجتمعات، بحيث غدت الدولة – الأمة “شفافة” أمام النظم المالية والمعلوماتية، الأمر الذي أمن التفوق لمن نجح قبل غيره في ولوج الثورة التكنولوجية والمعلوماتية، ومن ثم المعرفية. وللعولمة ثلاثة أبعاد : بُعْد اقتصادي، وآخر ثقافي، وثالث سياسي، تترابط في ما بينها وتتكامل.
العولمة الإقتصادية، تؤكد على عالم بلا حدود اقتصادية، حيث النشاطات الاقتصادية تتم على الصعيد الدولي بواسطة الشركات متعددة الجنسية والعابرة للقوميات. والعولمة الثقافية، تؤكد على وجود عالم بلا حدود ثقافية، حيث تنتقل الأفكار والمعلومات والأخبار بحرية كاملة ضمن المجال الدولي، وبأقل قدر ممكن من تدخل الدول والحكومات. والعولمة السياسية، التي تؤكد على تراجع أهمية الدولة، وبروز مراكز جديدة للقرارات السياسية الدولية، في الوقت الذي تتجه فيه الدول للتخلي الطوعي أو الإجباري عن مظاهر السيادة التقليدية . والعولمة تعني إلى حد كبير، أولوية حرية حركة رأس المال والحرية الإعلامية على المصالح القومية. لقد تصدع نظام الدولة – الأمة (أحد المشروعات المؤسساتية الأساسية للحداثة) الذي ظل يشكَّل أساس النظام العالمي على أمتداد 350 عاماً، وطرأ تبدل جوهري على مفهوم الديمقراطية (وهو أيضاً أحد المكونات الأساسية للحداثة) كمؤسسة عالمية.

إن المرتكزات الرئيسية للعولمة تتلخص في العوامل الثلاثة التالية: العامل المعلوماتي، والعامل التكنولوجي، والعامل الاقتصادي. ويمكن اختصارها أيضاً بالعامل المعلوماتي – الاقتصادي، والعامل المعلوماتي – التكنولوجي. في ثمانينات القرن المنصرم عدَّد جون نيسبيت John Naisbitt في كتابه “معضلة العولمة” (2)، عشرة اتجاهات عالمية جديدة، هي: الانتقال من المجتمع الصناعي إلى المجتمع المعلوماتي، ومن التقنية المتطورة إلى التكنولوجيا الراقية، ومن الاقتصاد القومي إلى الاقتصاد العالمي، ومن المهمات القصيرة المدى إلى المهمات البعيدة المدى، ومن المركزية إلى اللامركزية، ومن المساعدة المؤسساتية إلى المساعدة الذاتية، ومن التراتبية إلى الشبكات، ومن الشمال إلى الجنوب، ومن إمكانية الخيار بين بديلين إلى تعددية الخيارات. لقد شكل هذا التوصيف استشرافاً مبكراً للعولمة. ومع اختراع الكمبيوتر، ومن ثم شبكة الإنترنت، وإدخالهما في النشاط الاقتصادي وفي مجمل جوانب حياة المجتمع، تسارعت كل هذه العمليات على نحو لا مثيل له، وتبدلت بصورة نوعية. وحدث الانفتاح في تكنولوجيا المعلوماتية التي حققت اختراقاً هائلاً، فصار بالإمكان بواسطة شبكة الانترنت الاطلاع على الكثير من الاختراعات والابتكارات التكنولوجية، باستثناء تلك التي تبقيها الجهات المبتكرة سرية للحفاظ على مزاياها النسبية ولضمان تفوقها التكنولوجي والمعرفي. وأصبحت الفرص التكنولوجية، عموماً، في متناول كل من هو مؤهل للإستفادة منها.

فضلاً عما له علاقة بثورة المعلوماتية، يشكَل خْفض الحواجز الجمركية، وصولاً إلى إزالتها إلى حد كبير، إحدى أهم سمات العولمة. وقد ساهم انخفاض التعرفات الجمركية في تسارع انتقال التدفقات السلعية ورؤوس الأموال عبر الحدود. فضلاً عن ذلك، حصل ما يشبه فقدان النقود وظيفتها القومية. ففي بداية تسعينات القرن المنصرم كان رجال الأعمال يحتاجون إلى موافقة حكومات بلدانهم للحصول على طلبيات كبيرة من الخارج، أو لإبرام صفقات كبيرة في بلد آخر. أما اليوم، فقد زال هذا العائق . إذ أصبحت السوق المالية والتجارية، فوق القومية أمراً واقعاً. ولم يعد بإمكان الحكومات إقفال حدودها في وجه التدفقات المالية (والسلعية بصورة نسبية)، وصارت عاجزة عن التحكم خصوصاً بحركة الأسواق المالية العالمية، التي تجاوزت عاملي الزمان والمكان.

وتتمثل إحدى السمات الرئيسة للعولمة، في هيمنة السوق المالية على سوق السلع، وفي تمركز الاقتصاد العالمي حول الأسواق المالية. إن التطور الهائل في وسائل الاتصالات، المقترن بثورة المعلوماتية، سهَل ووسع مجالات انسياب رؤوس الأموال عبر العالم على نحو لم يسبق له مثيل، مما ساهم في نشوء النظام المالي العالمي الراهن. في ظل هذا النظام المالي العالمي الجديد نمت الأسواق المالية بصورة مستقلة عن حاجات التمويل الفعلية، وانتقلت قيادة الاقتصاد العالمي من أيدي المستثمرين ورجال الأعمال العاملين في ميدان الاقتصاد الحقيقي، والمرتبطين مباشرة بالعملية الإنتاجية والمؤهلين بالتالي لاحتساب المخاطر المرتبطة بعوامل العرض والطلب الحقيقية، إلى عهدة المدراء الماليين ورجال المصارف وخبراء الأسواق المالية والمضاربين، الذين يتعاملون مع اقتصاد افتراضي بعيد عن أرض الواقع.

لقد صارت النقود تخلق نقوداً بصورة “شرعية”، بعيداً عن عالم الإنتاج. ولكن الأهم من النقود إنما هي التكنولوجيا التي، باندماجها بالمعلوماتية، يمكن أن تؤمن إنتاج سلع وخدمات معرفية جديدة بكلفة أقل، وأن تمد السوق العالمية بمنتجات جديدة لا مثيل لها. وتلك هي إحدى أهم سمات الاقتصادات المعولمة، بالمرتبطة باقتصاد المعرفة. وقد تطورت تكنولوجيا التأثير في الوعي الاستهلاكي الجماهيري. فنشأت صناعة كاملة لتصميم صور السلع والتخطيط لبيعها، وصار الإعلان وسيطاً أساسياً بين الثقافة الاستهلاكية والإنتاج. فبواسطة سياسة الإعلان واستراتيجيات الترويج التي تؤمنها التكنولوجيا الإعلامية المتطورة، صار بالإمكان ليس التأثير في مستوى الطلب فحسب، بل وخلق هذا الطلب، وتأمين النجاح للسلعة التي يمتلك أصحابها القدرة على الاستخدام الأفضل للتكنولوجيا الإعلامية والترويجية المتطورة. لقد أصبح إنتاج المزيد من شتى أنواع الخدمات والسلع الإستهلاكية الجديدة والمتجددة باستمرار، وإغراق الأسواق بها في أوقات قياسية، السمة الرئيسية للاقتصادات ما بعد الصناعية، والعامل الرئيسي لتسارع عملية الاستهلاك.

في ظل العولمة، صار العالم بلا حدود اقتصادية، أو هكذا يبدو على الأقل. فقد غدت النظم الاقتصادية، خصوصاً بعد انهيار النموذج الاشتراكي، متقاربة ومتداخلة. ولم يعد بوسع بلد ما الانغلاق على نفسه، والبقاء في منأى عن تأثيرات العمليات الجارية على صعيد الاقتصاد العالمي. فالنظام الاقتصادي العالمي اليوم، نظام واحد تحكمه آليات وقوانين عالمية مشتركة، وتديره وتتحكم به مؤسسات دولية وشركات عملاقة عابرة للقوميات والحدود، بصورة مستقلة عن الحكومات وعلى حساب الاقتصادات القومية في كثير من الأحيان. وصارت الأسواق المالية والتجارية العالمية موحدة، غير خاضعة في الغالب لإرادات الدول وحكوماتها. وهكذا، فإن تقلص دور ونفوذ وسيادة الدولة القومية، أي الدولة – الأمة، التي هي أحد أهم إنجازات مرحلة الحداثة، أصبح إحدى أهم سمات العولمة.

إن العولمة هي الرأسمالية في أعلى وأرقى مراحل تطورها. إنها الشكل المتقدم لـ”رسملة” العالم، وهي تعميم لخصائص هذه الرأسمالية، السلبية والإيجابية على حد سواء. فالدول الغنية تزداد غنى، والفقيرة تزداد فقراً. وتتسع”الهوة المعرفية” بين الدول. وتضع تحديات العولمة موضع الشك إمكانية بناء “دولة الرعاية الاجتماعية” في معظم الدول، خصوصاً النامية. ولذا، فإن قضية الدخول في العالم المعولم، تضفي منحى جديداً على مسألة التقدم. إذ إن العولمة تخلق ما يمكن تسميته “نادي النخبة” الذي يضم حفنة من الدول الأكثر تطوراً، التي تتوفر فيها الشروط الملائمة لمتطلبات العولمة. فالخامات والسلع التقليدية لا تضمن وحدها للبلد المالك لها موقعاً في هذا النادي، أو دوراً كشريك فاعل في الاقتصاد المعولم. لأن هذه الشراكة تؤمنها فقط السلع المعرفية، التكنولوجية والمعلوماتية الراقية، التي تضمن لصناعها الميزات النسبية التنافسية الحقيقية في عصر اقتصاد المعرفة المعولم. ويشير تقرير الأمم المتحدة لعام 1999، وهو بعنوان: “العولمة بوجه إنساني”، إلى تعاظم التناقض الصارخ بين مستويات المعيشة في البلدان المتطورة والنامية، واتساع حدود ما يسمى “العالم الرابع”، أي البلدان الأكثر فقراً.

ما الذي جعل هذه الهوة تتعاظم مع بداية العولمة؟ لقد وفرت الاقتصادات المتطورة على المستوى المعرفي للبلدان المتفوقة أفضليات ومزايا لا مثيل لها. وقد جعل ذلك التبعيةَ الكاملة من جانب الدول الموجودة خارج “نادي النخبة”، أشد ضراوة وخطراً. إنها اليوم تبعية “مركبة”، اقتصادية ومالية وتكنولوجية ومعلوماتية ومعرفية. وهذا من شأنه أن يقضي على الآمال بظهور ما يسمى “حداثة لاحقة”، أي التحديث الذي يتيح اللحاق بالبلدان المتطورة التي قطعت شوطاً هائلاً على درب الحداثة، وتجاوزتها إلى العولمة الراهنة.

امتداد أم نقيض ؟

ونصل هنا إلى السؤال الأساسي: هل العولمة هي امتداد للحداثة، أم أنها تجسيد لحالة “ما بعد الحداثة”؟ أم أنها ظاهرة جديدة كلياً لا علاقة لها بهما؟
لعله من المفيد في معرض تناول هذه الإشكالية العودة إلى ما ما جاء في مقالة بعنوان “العولمة. جذورها وفروعها وكيفية التعامل معها”، للدكتور عبد الخالق عبد الله في مجلة عالم “عالم الفكر”، المجلد 28، 1999. إذ يقول في هذا الصدد: ” … من المشروع الاعتقاد بأنها (أي العولمة) قد برزت مع بروز موجة الحداثة، وتطورت مع تطور الرأسمالية الحديثة على الصعيد العالمي. لقد أعادت الحداثة ترتيب النظام العالمي، وأسست بعد ذلك لحركة دمجه وصهره في اقتصاد عالمي واحد. لذا، فإن من المشروع الاعتقاد بأن العولمة أطلت على العالم من أوروبا في بدايات القرن الثامن عشر وأخذت تمتد اقتصادياً وثقافياً في كل الاتجاهات وأثرت تأثيرات بليغة وعميقة على المجتمعات غير الأوروبية … وبرزت على أثر ذلك فكرة النظام العالمي الواحد، والذي كان في جوهره نظاماً اقتصادياً قائماً على أسس رأسمالية، مركزه الدول الصناعية وهامشه الدول النامية والمصدرة للمواد الأولية. كانت هي تلك البدايات الأولى للعولمة، أي توحيد العالم على أسس إنتاجية واحدة، وبناء سوق عالمية واحدة، تدار عملياتها من قبل شركات متعددة الجنسيات … إن العولمة في صيغتها الراهنة، أي كل المحاولات التي تدفع في اتجاه تكثيف العلاقات الاجتماعية على الصعيد العالمي، وتعميق ربط الدول بروابط اقتصادية وثقافية وسياسية، هي محصلة طبيعية للحداثة ولحركة رسملة العالم. إن الذي يقود حركة العولمة، على حد قول جوناثان فريدمان، هو قوانين وآليات رأس المال وليس الثورة العلمية التكنولوجية ..”(3).
العولمة، إذاً، تمثل امتداداً طبيعياً للحداثة. ولكنها في الوقت نفسه تشكل تجاوزاً لها. بل لعلها أقرب إلى مرحلة “ما بعد الحداثة”، التي قامت فكرتها على الانطلاق من تجربة الحضارة الغربية، ومن ثم إجراء مراجعة نقدية لها وتجاوزها، والتأسيس لوعي حضاري جديد أساسه تنوع الثقافات والتعددية السياسية والحضارية. وقد تزامن بروز اتجاه “ما بعد الحداثة”، مع صعود ظاهرات جديدة تمثلت في انتقال الرأسمالية إلى طور الرأسمالية العابرة للقوميات، وظهور وتطور مراكز رأسمالية عالمية جديدة ومتنافسة، وانتشار النتائج العظيمة للثورة العلمية التكنولوجية الثالثة، وبروز طبقات اجتماعية جديدة .
وبما أن العولمة هي تجسيد لكل هذه التطورات، فإنها ترتبط بمرحلة “ما بعد الحداثة”، أكثر من ارتباطها بمرحلة “الحداثة”. فخلافاً للحداثة، تفترض العولمة القفز فوق الحدود الجغرافية التي شيدتها الحداثة، وجعلت منها مسلمات لا يمكن المساس بها. كما أنها، أي العولمة، تهز أحد أسس مفهوم الحداثة المتمثل بالدولة – الأمة، وتجعل مسألة السيادة الوطنية مسألة نسبية. لذلك لا يمكن وضع علامة مساواة بين العولمة والحداثة. إذ أن للعولمة سمات تجعلها مختلفة عن الحداثة، ولها شروطها ومكوناتها. وهي تستند إلى كون العالم أصبح أكثر ترابطاً وتشابكاً واندماجاً، من أي وقت مضى. إن عالم العولمة يختلف عن عالم الحداثة، في كونه عالماً أصبحت فيه حركة الأفراد والسلع والخدمات والمعلومات ورؤوس الأموال، أسهل وأسرع بما لايقاس. أنه عالم تقلصت فيه المسافات، وصار عالماً بلا حدود، على عكس عالم الحداثة الذي يقدس هذه الحدود .

د. محمد الدياب

منقول عن مجلة الطريق.

Print Friendly
Share

Previous post:

Next post: