الزميل مرزوق النصف: حكاية النفط والمال والسلطة… قراءة في كتاب The Prize

by tayar-taqadomi on 31/12/2012

كتب الزميل مرزوق النصف:

يحتل النفط موقعا محوريا ليس في الاقتصاد الكويتي فحسب بل في الاقتصاد العالمي بشكل عام، ولا يقتصر اهتمامنا بالنفط على كونه مصدرا أساسيا للطاقة والدخل فقط بل يمتد لتأثير هذا المورد على جوانب أخرى في المجتمع، مثل التطور التكنولوجي والسياسة وأنماط الحياة.

وتأثيرات النفط هذه على المجتمعات محور أساسي في كتاب The Prize: The Epic Quest for Oil, Money, and power ، والذي يمكن ترجمة عنوانه لـ “الجائزة: السعي البطولي من أجل النفط والمال والسلطة”، والكتاب ثقيل يقع في 877 صفحة وأصبح أحد أهم الكتب عن الصناعة النفطية منذ نشره عام 1990 ، وهو من تأليف د. دانييل يورجان المتخصص في العلاقات الدولية والاقتصاد الدولي، وبالتحديد شؤون الطاقة، وهو أستاذ سابق في جامعة هارفارد.

كتاب في 3 محاور

ووفقا للمؤلف فإنه يمكن فهم كتابه على أنه دراسة للنفط من ثلاثة محاور (ص13-14) ، المحور الأول هو علاقة النفط بتطور الرأسمالية، وتحديدا تطور الأشكال الحديثة من الشركات الرأسمالية، حيث لعب النفط ولعبت الشركات النفطية دورا مهما في ابتكار طرق جديدة لتنظيم الشركات والموارد البشرية واستثمار رأس المال.

المحور الثاني الذي يتناوله الكتاب هو أثر النفط على السياسة الدولية، من حيث كونه سببا في الحروب أو التحالفات الدولية. أما المحور الثالث فهو تأثير النفط على المجتمع وسلوكيات الناس حول العالم، وهو ما يشير إليه الكتاب بـ Hydrocarbon Society أو المجتمع الهايدروكربوني، أو النفطي، كناية عن احتلال النفط خلال القرن العشرين جزءا أساسيا ومتزايد من حياتنا نحن الأفراد العاديين، مثل علاقتنا المباشرة بالنفط ومشتقاته في محطات الوقود وعند شراء حاويات الغاز، وكذلك اعتمادنا غير المباشر على النفط في توليد الكهرباء وفي تشغيل المصانع التي تنتج منتجات غير نفطية.

أسلوب الكتابة وتناول التاريخ

وقبل مزيد من التوسع في موضوع الكتاب لعله من المناسب التعليق على أسلوب كتابته وأسلوب تناوله للتاريخ، فبالنسبة لأسلوب الكتابة فهو أقرب للقراءة السلسة التي أشبه ما تكون بقراءة رواية طويلة وممتعة، فالكتاب ليس مكتوبا مثلا بأسلوب أكاديمي مفرط في الدقة واللغة المتخصصة بحيث يبعث على الملل أو يتطلب خلفية واسعة في تخصص معين، علما بأن الكتاب موثق بشكل جيد من حيث الوقائع التي يتناولها، فهو إذن يجمع إيجابيتين: الرصانة والدقة في توثيق المعلومة، مع سلاسة الأسلوب ومتعة القراءة، ولعل ذلك ما جعل الكتاب يفوز بجائز بوليتزر Pulitzer الأميركية والتي تُشرف عليها جامعة كولومبيا بنيويورك، وذلك كأفضل كتاب لمؤلف أميركي عام 1992.

أما بالنسبة لتناول الكتاب للتاريخ فيمكن بشكل عام تصنيفه ضمن تاريخ الشخصيات، بمعنى أنه يتناول الأحداث التاريخية كما رأتها وأثرت فيها الشخصيات القيادية، وفي الكتاب فإن هذه الشخصيات هي في المقام الأول مدراء شركات النفط الكبرى، مثل شخصية عملاق النفط جون دي. روكيفيلير مؤسس شركة Standard Oil الضخمة الأميركية، وفي المقام الثاني تأتي الشخصيات السياسية القيادية، مثل تشيرشل وروزفلت والملك عبدالعزيز بن سعود وغيرهم.

نشير هنا لمقاربة الكتاب للتاريخ ليس لانتقاده بل لتوضيح جانب لا يذكره الكتاب صراحة، فتناول التاريخ من وجهة نظر الشخصيات البارزة ينتمي لمدرسة معينة في فهم التاريخ، وهناك مدارس أخرى، فمثلا يمكن شرح تاريخ تطور الصناعة النفطية من وجهة نظر عمال النفط، أو من وجهة نظر السكان المحليين في الدول التي اكتشف فيها النفط وكيف أثر هذا الاكتشاف على حياتهم في دول مثل الكويت أو فنزويلا أو روسيا أو حتى الولايات المتحدة، وهذه المقاربات كلها متاحة، مجمل القول هو ضرورة الانتباه إلى أن المؤلف اختار طريقة معينة من بين طرق عدة لتوثيق التاريخ، ألا وهي التأريخ من وجهة نظر من هم في قمة الهرم الاقتصادي-الاجتماعي.

بداية الصناعة النفطية

لعل من الحقائق التي تخفى على الكثيرين أن النفط كمادة كان معروفا منذ قرون عديدة، لكنه لم يُستخدم بشكل تجاري موسع ولم يتم إدخاله في الصناعة بشكل كبير إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث تطور استخدام النفط الطافي على سطح الأرض من مستحضر دوائي للسكان المحليين ومادة لتشحيم العجلات إلى أن يكون مصدرا للكيروسين الذي بدوره يستخدم كوقود للإضاءة، وبعدها ببضعة عقود تطورت استخدامات مشتقات النفط لتشمل تسيير السفن ومن ثم السيارات والمصانع ولإنتاج الكهرباء، هذه الاستخدامات الجديدة هي التي حولت النفط من سائل راكد في المستنقعات إلى مصدر عظيم للثروة.
وقد بدأت رحلة اكتشاف النفط بكميات تجارية في أميركا في خمسينات القرن التاسع عشر (1850-1859)، حيث ظهرت أولى الدراسات عن إمكانية استخلاص الكيروسين من النفط لاستخدامه كوقود للإضاءة، مما مثل دافعا اقتصاديا للتنقيب عن النفط بغرض بيعه وتحصيل الربح (ص22)، وفعلا نجحت محاولات التنقيب عن النفط بداية في ولاية بنسلفينيا في شهر أغسطس من عام 1859 (ص29)، واسم أول بئر نفطي هو Drakes Well ، ولا يزال البئر موجودا ومفتوحا لزيارة السيّاح في تلك الولاية.

لاحقا اكتشفت آبار أخرى في ولاية أوكلاهوما وكاليفورنيا وتكساس، معلنة ولادة عصر نفطي جديد سيتكالب فيه المستثمرون، وكثير منهم بعقلية المقامرين، للتنقيب شبه العشوائي عن النفط بأمل تحصيل الثروة السريعة، وهو ما ولّد ظاهرة تشبه السباق لأجل التنقيب عن الذهب في كاليفورنيا قبلها ببضعة سنوات في ما عرف بالـ Gold Rush.

مشكلة اضطراب العرض

هذا التكالب على النفط خلق عدة ظواهر مثيرة في السوق النفطية، أحدها كان فنيا وتمثل في حقيقة أن التنقيب العشوائي عن النفط يضر المخزون النفطي في الأرض ويؤدي لتسربه لأعماق يصبح من الصعب الوصول إليها لاحقا، مما يتطلب تنظيم عمليات التنقيب جيولوجيا، من جانب آخر فإن من ينجح في اكتشاف النفط كان عادة ما يحرص على استخلاص أسرع كمية منه وبيعها بأسرع وقت لتحقيق أسرع الربح، وهو ما يخلق تقلبات شديدة في سعر النفط ننتيجة التذبذب الحاد في الكمية المعروضة من النفط، وبالتالي يصبح من الصعب حساب العائد المتوقع على الاستثمار في النفط، خصوصا الاستثمار طويل الأمد الذي قد يكون ضروريا لتطوير الصناعة النفطية لكنه مكلف ولا يؤتي ثماره إلا بعد سنوات.
اقتصاديا فإن ظاهرة تذبذب العرض هذه تخلق تعقيدا في الصورة التقليدية الموجودة في نظريات كثير من الاقتصاديين، والتي مفادها أنه وبشكل عام كلما كانت قوى السوق من عرض وطلب أكثر مرونة كلما زادت كفاءة توزيع الموارد في الاقتصاد، لكن السوق النفطية برهان على أن تثبيت العرض في حدود مستقرة قد يكون أكثر إفادة من تذبذبها المستمر، وهذا نقد للنظريات الاقتصادية التقليدية مشابه إلى حد ما للنقد النابع من ظاهرة تكون الفقاعات المالية جراء المضاربات، بمعنى أن انفلات قوى العرض والطلب في ظروف وأسواق معينة يمكن أن يكون كارثيا.

بداية الشركات النفطية الضخمة

هذه العشوائية في التنقيب عن النفط وبيعه وأثرهما على السوق النفطية مثّلا حافزا لخلق مزيد من الاستقرار والثبات في السوق، وكانت إحدى وسائل تحقيق الاستقرار هي المركزية، أي تجميع القرارات الأساسية في السوق من إنتاج وبيع في يد سلطة واحدة تستطيع تنسيق القرارت المختلفة للمنتجين الأفراد لضمان استقرار العرض، هذه السلطة لم توكل للحكومة كما قد نتوقع إنما استحوذت عليها شركة Standard Oil لصحابها جون دي. روكيفيلر.

تحتل حكاية روكيفيلر مع شركته الاحتكارية موقعا مهما في كتاب The Prize ، وهي تمثل أهم نموذج على تاثير النفط على الشركات، وتحديدا طريقة تكوين الشركات في ظل الرأسمالية وطريقة عملها، فعملية خلق شركة Standard Oil وتنميتها لتصبح رمزا لأحد اشهر الاحتكارات في تاريخ الرأسمالية المعاصر إنما جاء ردا على الظروف الاقتصادية في السوق النفطية، وهو ما حدا بكتابنا لتسمية ما قامت به الشركة في السوق النفطية بأنها “فرضت النظام مكان الفوضى” (ص35).

مشكلة الاحتكارات

وقد سيطرت Standard Oil في ثمانينات القرن التاسع عشر (1880-1889) على نحو 80% من سوق تكرير النفط وتسويقه (ص51)، ولاحقا توسعت عملياتها لتشمل ما لا يقل عن 90% من الصادرات الأميركية من الكيروسين، واعتبارا من عام 1891 سيطرت على أكثر من ربع إنتاج الولايات المتحدة من النفط الخام (ص53-56)، ولم تكن أساليب الشركة في الاستحواذ على هذه الحصص السوقية متوافقة مع ما قد يعتبره الكثيرون أخلاقيا، فهي كانت تمارس ما يسمى بـحروب الأسعار price wars وبشراسة ضد من يرفض قبول هيمنتها على السوق أو يرفض بيع شركاته لها، حيث تشن عليه Standard Oil حربا تجارية بتخفيض أسعارها في القطاع الذي يعمل فيه المنافس بحيث يُجبر على الإعلان عن إفلاسه أو بيع شركته للمنافس الضخم.

تستطيع Standard Oil تحمل تخفيض الأسعار لحد الخسارة لأنها ترفع الأسعار في قطاعات أخرى تحتكرها بحيث تعوض خسائرها، وهو ما لا يستطيع فعله منافسوها الصغار لأن لا وجود احتكاري لهم في أي سوق، أي أن الاحتكار في قطاع معين يساعد على التوسع في الاحتكار في قطاعات أخرى، لاحقا سينتهي احتكار الشركة بعد أن تحكم المحكمة العليا الأميركية عام 1911 بتفكيك الشركة، والشركات التي نتجت عن هذا التفكيك لا تزال موجود اليوم ومنها أكبر شركة نفط في العالم من حيث القيمة الرأسمالية، أي شركة Exxon-Mobil النفطية (اندماج شركتي Standard Oil of New Jersey وشركة Standard Oil of New York) .
وهنا قد نستفيد درسا آخر من كتاب The Prize في الانتقال من عالم النظريات الاقتصادية التقليدية لعالم الاقتصاد الحقيقي، حيث في الواقع قلما توجد المنافسة منفردة دون قدرات احتكارية، والمنافسة الكاملة perfect competition يكاد لا يكون لها وجود خارج كتب الاقتصاد الأكاديمية، أما الواقع فهو خليط من المنافسة والاحتكار، بل إن المنافسة نفسها يمكن أن تولد الاحتكار، ومن ثم يعتمد الاحتكار في قطاع معين على مميزاته الاحتكارية ليتوسع لقطاعات أخرى، كما فعلت أسطورة الاحتكارات في العصر الحديث شركة Standard Oil ، وقد يكون من الضروري تدخل الحكومة لتفكيك الاحتكارات لأن المنافسة لوحدها قد لا تتمكن من ذلك، وإن كانت المنافسة في ظروف وأسواق معينة قد تكون كفيلة بتفكيك الاحتكارات.

التوسع العالمي

بعد تناول الاحتكارات النفطية في الولايات المتحدة يتوسع الكتاب للحديث عن بروز الشركات النفطية العالمية ومنافستها على الأسواق المتقدمة والنامية، ومنها شركة Shell البريطانية الهولندية التي تمركزت أساسا في شرق آسيا، وكذلك شركة British Petroleum التي اتخذت من الشرق الأوسط ، وإيران تحديدا، مركزا لها، إضافة إلى عدد من الشركات التي برزت مع اكتشاف النفط الروسي، والتي يعود بعضها لملاك مشاهير في التاريخ مثل عائلة نوبل صاحبة جائزة نوبل وعائلة روثتشايلد الغنية تاريخيا.
وتكشف دراسة بروز الشركات النفطية العالمية كما يشرحها الكتاب ومن ثم اضمحلال الكثير منها، تكشف دراسة هذا الموضوع عددا من الملاحظات عن واقع المنافسة في السوق الرأسمالية، فنجاح شركة ما في التغلب على منافسيها لا يعود دائما لكونها أكثر كفاءة من غيرها، بل تتعدد الأسباب، بداية من الصدفة التي تؤدي لاكتشاف بئر نفطية ضخمة وبالتالي ضمان مستقبل الشركة، وهذه ظاهرة بارزة منذ أول اكتشاف تجاري للنفط عام 1859 وحتى اكتشاف النفط في إيران عام 1908 في آخر لحظة بعد سبع سنوات عجاف من التنقيب الفاشل (ص147)، مرورا بالعلاقات الاجتماعية التي تسمح بالحصول على التمويل اللازم للشركة لتدعم مركزها المالي وتواجه المنافسة لوقت أطول، وأخيرا لجوء الشركات لحكوماتها لتدعمها ضد شركات أجنبية أخرى، لا شك أن الكفاءة في الإدارة وتحقيق الأرباح عامل مهم في النجاح في المنافسة في السوق، لكنها ليست العامل الوحيد، وفي السوق النفطية خصوصا تتكاثر العوامل التي قد لا يفطن لها المراقب دون قراءة كتاب مثل الذي بين أيدينا.

صراع القوى الكبرى

وعلاقة النفط بالسياسة الدولية هي كما ذكرنا أحد المحاور الأساسية في الكتاب، ومثال عليها عمليات التنقيب البريطانية عن النفط في إيران والتي ما كانت لتستمر لولا دعم الحكومة البريطانية، حيث اضطرت الحكومة للاستثمار وبشكل مباشر لإنقاذ الشركة المنقبة لدرجة تأميمها نظريا، وكان ذلك قبل الحرب العالمية الأولى، وبدعم قوي من وينستون تشيرتشل الذي كان عضوا في البرلمان البريطاني وقتها ووزيرا للداخلية (ص153)، وكانت لتشيرتشل رؤية ثاقبة بشأن أهمية النفط كوقود للمستقبل، مما جعله يدفع باتجاه تبني البحرية البريطانية للنفط بدل الفحم كوقود في أبريل 1912 (ص156)، مطلقا بذلك عصر الاعتماد على النفط بشكل واسع في الصناعات الثقيلة لهذا لم يكن تشيرتشل ليفوّت فرصة لضمان توريد النفط لبريطانيا مباشرة عبر استحواذ الحكومة على الشركة المنقبة عنه في إيران، وكان ذلك القرار هو ما أنقذ إحدى أكبر الشركات النفطية في العالم اليوم والمعروفة تاريخيا بـ British Petroleum ، كما أدى إلى المساهمة في انتصار بريطانيا في الحرب العالمية الأولى نتيجة تفوق أدء سفنها المسيّرة بالنفط على السفن المسيّرة بالفحم.
ومع دخول النفط في الصناعة العسكرية سرعان ما برزت الأهمية الاستراتيجية له بين الدول، فكما يشرح الكتاب وبسرد مثير فإن النفط كان عاملا أساسيا في إشعال عدد من الصراعات العسكرية العالمية، لعل أبرزها جبهات عدة في الحرب العالمية الثانية، كما أثر النفط بشكل جوهري على مجريات الحرب، فبدء الحرب بين اليابان والولايات المتحدة عام 1941 كان مدفوعا برغبة اليابان في السيطرة على الحقول النفطية في شرق آسيا لتمويل امبراطوريتها المتوسعة (ص322)، والولايات المتحدة لم تكن لتسمح بمثل هذا التحرك الياباني، فما كان من الأخيرة إلا هاجمت الولايات المتحدة لتحييدها عسكريا لتستكمل اليابان توسعها الأساسي في شرق آسيا، أي أن أحد أهم الصراعات العسكرية في التاريخ الحديث كان يدور حول النفط.

كذلك على الجبهة الأفريقية في المواجهات بين القوات الألمانية بقيادة رومل والقوات البريطانية بقيادة مونتغومري، فهزيمة القوات الألمانية في موقعة العلمين كان أحد اسبابها الأساسية نقص واردات النفط والغاز للآليات الألمانية (ص342).

عصر النفط الخليجي

لا يصح الحديث عن كتاب The Prize دون الحديث عن النفط في دول الخليج العربية وإيران، فتلك هي المنطقة التي يستمد الكتاب عنوانه منها، فكما يقول الكتاب فإن نفط الشرق الأوسط كان “أكبر جائزة في العالم the biggest prize in the world ” (ص498)، وكان التنقيب عن النفط قد بدأ في إيران منذ العقد الأول من القرن العشرين، لحقه بعد ذلك اكتشاف النفط في البحرين عام 1932، ثم بداية التنقيب في السعودية بطلب من الملك عبدالعزيز.
والمثير هنا أن اكتشاف النفط في السعودية لم يكن صدفة كما في الكثير من الدول أو بمبادرة من الشركات النفطية كما هي العادة، بل إن الملك هو من طلب من الشركات المجيء للتنقيب في بلده رغبة منه في بيع امتيازات التنقيب لهم للتخفيف من الضوائق المالية المزمنة التي كان يعاني منها، فالملك، وكما كان يُسر لمعاونيه، لم يكن يهتم بالنفط بحد ذاته بقدر اهتمامه ببيع الامتيازات، حتى أنه كان يفضل اكتشاف الماء العذب على اكتشاف النفط، لكن الملك نال الكرامتين، كرامة المدخول من بيع الامتيازات، والتي دُفعت له أول مرة في سبع صناديق من العملات الذهبية المسبوكة في بريطانيا (ص291)، والكرامة الثانية هي اكتشاف النفط بدل الماء وما عاد على المملكة من ثروة جراء ذلك.
وتصدير النفط كان المحفز لاهتمام الدول الكبرى بالدول الخليجية، وهي الدافع للقاء الشهير بين الملك عبدالعزيز والرئيس الأميركي فرانكلين روزيفيلت في البحر الأحمر على متن البارجة USS Murphey عام 1945، حيث تم في اللقاء تحديد معالم العلاقة الاستراتيجية بين السعودية وأميركا، والتي توفر فيها السعودية النفط لأميركا مقابل الدعم السياسي والعسكري الأميركي للملكة والأسرة المالكة.

الفط في الكويت

أما في الكويت فإن حكاية النفط بدأت في ثلاثينات القرن العشرين في المفاوضات بين الأمير أحمد الجابر والحكومة البريطانية من جهة، وشركة Gulf النفطية الأميركية من جهة أخرى، وأحد كبار مساهميها الثري الأميركي أندرو ميلون سفير أميركا في بريطانيا آنذاك (ص296)، ويذكر الكتاب عن أحمد الجابر أنه كان مفاوضا صعبا وليس بجاهل في كيفية تسعير الامتيازات أو متلهف مثل غيره من أمراء المناطق الخليجية على الحصول على النقد.
كما يذكر الكتاب ما كان يُدفع للامتيازات التي تبيعها الكويت للشركات النفطية، والتي شملت يختا بقيمة مليون دولار للأمير أحمد الجابر (ص438)، وقد جاء اكتشاف النفط الكويتي في الثلاثينات متزامنا مع مرحلة كان يعيش فيها المجتمع قحطا متميزا في قسوته، جراء اكتشاف اللؤلؤ الصناعي وكذلك تأثيرات الكساد العظيم، لدرجة أن تجار العبيد كانوا يبيعون عبيدهم بخسارة حتى لا يُضطروا أن يوفروا لهم الغذاء والكساء الشحيحين (ص293).

التحرر الوطني والتأميمات

القسم الأخير من الكتاب يتناول مرحلة صراع الحكومات المصدرة للنفط مع الشركات الأجنبية والتي بلغت ذروتها في حملة تأميمات النفط في الدول النامية في السبعينات وتشكيل”أوبك” عام 1960 كمنظمة تمثل الدول المصدرة للنفط بدل الشركات (ص522)، وكانت أولى موجات التأميمات بدأت مبكرا في المكسيك عام 1938، لتلحقها إيران بقيادة رئيس الوزراء الوطني محمد مصدق عام 1951 ومن ثم فنزويلا والعراق ودول الخليج.
ومن النقاط المثيرة التي يذكرها الكتاب لشرح أسباب التأميمات هو حقيقة أن ما كانت تحصّله الحكومات المستوردة للنفط من ضرائب على شركاتها النفطية كان يتجاوز ما تحصّله الدول المصدرة، فمثلا شركة “أرامكو”، وهي شراكة بين شركات أميركية لإنتاج النفط السعودي، “أرامكو” كانت تدفع في عام 1949 ضرائب دخل للحكومة الأميركية بقيمة 43 مليون دولار أميركي، بينما تدفع 39 مليون دولار أميركي فقط للحكومة السعودية كحصة عن إنتاج النفط (ص446)، أي أن الحكومة الأميركية كانت تستفيد من النفط السعودي أكثر من السعودية، وهو ما حدا بالدول المصدرة لزيادة حصتها من أرباح إنتاج النفط وصولا للتأميم لتضمن الاستفادة القصوى من ثرواتها الوطنية.

نقد للكتاب

في هذا المقام يضطر القارئ أن ينتقد الكتاب لنظرته المتحاملة ضد الدول المصدرة للنفط والمتعاطفة أكثر مع مصالح الدول الكبرى وشركات النفط ، فمثلا حين مناقشة الانقلاب ضد رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق لمعاقبته على تأميم النفط، وهو الانقلاب الذي رتبته وكالة المخابرات المركزية الأميركية CIA وجهاز المخابرات العسكرية البريطاني MI6 كما يُقرّ الكتاب، فإن المؤلف يجاهد لإبراز هذا الانقلاب على أنه يكاد يكون عملا إصلاحيا شعبيا، فلا يستخدم المؤلف كلمة “انقلاب” لوصف العملية إلا مرة واحدة بل ويستخدم كلمة “انقلاب مضاد”، ويقصد بها أن انقلاب المخابرات الأميركية والبريطانية لم يكن إلا ردا على انقلاب كان يدبره مصدق للاستفراد بالحكم في إيران (ص467-470، 534).

هذا التحيز ضد مشاريع التحرر الوطني يستمرعند مناقشة المؤلف لشخصيات مثل جمال عبدالناصر الذي يصفه بالديكتاتور بينما لا يركز على نفس الوصف حين تناول الملك فاروق أو شاه إيران (ص481)، كما يقارن عبدالناصر بهتلر وموسوليني ويصفه بـ “المتآمر الممتاز بالفطرة” (ص577)، والأمر ذاته ينسحب على قادة أميركا اللاتينية الذين تحدوا شركات النفط العالمية والدول الكبرى لاستعادة سيطرتهم على مواردهم الوطنية والذين لا يتعاطف معهم المؤلف، على الأقل ليس كما يتعاطف مع مدراء الشركات الغربية.

الخلاصة

تبقى هناك الكثير من الجوانب المهمة والرائعة في كتاب The Prize والتي لا يتسنى المجال هنا لتناولها بالتفصيل، وبشكل عام فإن الكتاب يمثل جهدا موسوعيا ضخما من طرف المؤلف للإلمام بحكاية النفط على مر أكثر من قرن ونصف، وفي الكتاب دروس غنية للقارئ المهتم بالاقتصاد أو التاريخ أو السياسة.

مرزوق النصف
[email protected]

منقول عن جريدة القبس تاريخ 28\12\2012 العدد:14217.

Print Friendly
Share

Previous post:

Next post: