الربيع العربي بين التأثيرين الخارجي والداخلي و دور اليسار.

by tayar-taqadomi on 10/08/2013

بقلم: د.فواز فرحان*
تنطلق حركات التغيير أو الحركات الثورية عندما لا تعود الشروط والقواعد التي تحكم المجتمعات صالحة بعد لتلبية متطلباتها وعندما تصبح معرقلة لتطورها، و انطلاق هذه الحركات يحدث عندما تعي مجموعات من هذه المجتمعات عدم صلاحية هذه القواعد والشروط وتثبُت عندها عرقلتها لتطور مجتمعاتها، و تمر هذه الحركات بمراحل متعددة منها الانطلاق والتوسّع والانتشار ثم النجاح، ويصاحب هذه المراحل موجات من التقدُّم والتراجع بحسب الظروف المحيطة (الموضوعية) بالمجموعات التي تقود هذه الحركات وكذلك العوامل الداخلية (الذاتية) في هذه المجموعات.
يجب أن ننطلق من هذه المقدمة لفهم الربيع العربي و تشريحه حتى نستطيع توقع ما سيؤول إليه مصير الدول التي اجتاحها أو -كما أحب أن أقول- حررها من واقعها السابق وأدخلها في واقع جديد تكتنفه الكثير من التناقضات، وأريد أن أبيّن بأن جدلاً دار و يدور بين المفكرين السياسيين حول إن كانت موجات الربيع العربي تعتبر ثورات مكتملة أم حراكات ثورية تسعى للتغير وبالتالي للوصول إلى اكتمال الثورات؟ أنا شخصياً أميل للتوصيف الثاني لأن الربيع العربي بدأ ومازال مستمراً ويتطور يومياً في مختلف الدول العربية و درجة هذا التطور تختلف من دولة إلى أخرى.
انطلق الربيع العربي عندما استوعبت المجموعات الواعية (والتي يغلب عليها الطابع الشبابي الرافض للسائد والطامح للتغيير) أن تطور مجتمعاتها متوقف أو ربما ينمو سلباً بسبب الشروط والقواعد (ممثلة بالدساتير والقوانين) التي وضعتها الطبقات المسيطرة على هذه المجتمعات وأن انعدام العدالة الاجتماعية والتقليص من الحرية وغياب الديمقراطية سببه هذه الطبقات وشروطها وقواعدها، وبعد توسع هذا الانطلاق وانتشاره بين الطبقات المُستغَلة خرجت الملايين إما سلمياً أو بشكل عنيف للتمرد على الأوضاع الراهنة ورأينا سقوط أنظمة زين العابدين ومبارك والقذافي والسقوط المهذّب لصالح في اليمن بينما لا زالت بلدان أخرى ترزح تحت نير الآلة العسكرية للأنظمة مثل سوريا، هذا في البلدان التي طالبت فيها الشعوب بسقوط الأنظمة، بينما في البلدان التي تطالب بها الشعوب بتحسين وتعديل وتطوير الشروط والقواعد الحالية من غير المطالبة بسقوط الأنظمة مثل المغرب والأردن والبحرين والكويت فالوضع مختلف ونستطيع أن نسمي الربيع العربي فيها بالحركة الإصلاحية التغييرية والتي بالتأكيد يكون فيها تطوّر الحراك بطيئاً وطويل الأمد.
ولنعترف بأن هذه الانطلاقات للربيع العربي وكذلك انتشارها وتوسعها وتحقيق بعض أهدافها شابها الكثير من الأخطاء والانحرافات بسبب الظروف المحيطة بها مثل التدخل الأميركي لترجيح كفة مصالحه؛ فتارة نجد هذا التدخل يدعم الثورة في دولة ما ويدعم النظام السائد في دولة أخرى تارة أخرى فيتبين لنا انعدام المبدئية في هذا التدخل، وهناك تدخل الأنظمة الخليجية في انطلاقات الربيع العربي إما دعماً أو عرقلةً بحسب فائدة وضرر التغيير الذي قد ينعكس على دولها؛ فنرى مواقفها مختلفة اختلافاً جذرياً بين ثورة ليبيا على القذافي وبين ثورة مصر على مبارك ثم ثورة ٣٠ يونيو على مرسي فيظهر جلياً تلاعبها بنتائج الثورات بفضل مليارات الدولارات لحرفها باتجاه ما يحقق مصالحها وينعكس إيجابياً على تثبيت سلطتها في دولها، وتدخل فلول الأنظمة الساقطة لاسترجاع شيء مما ضاع منها ودخول العسكر على الخط السياسي في بعض الدول تحت حجة حفظ مكتسبات الربيع العربي بغض النظر عن اختلاف الآراء حول توصيف هذا الدخول. وكذلك كان للظروف الداخلية بين صفوف من قادوا هذه الانطلاقات دوراً كبيراً في التأثير عليها وعلى بعض نتائجها المرحلية التي تحققت؛ ومن هذه الظروف صعود الطرح الطائفي والفئوي ومحاولة عرقلة التطور الديمقراطي وتقليص الحريات من قبل جماعات الإسلام السياسي التي وصلت للسلطة في بعض الدول وتبعية بعض الأطراف للمشاريع الرأسمالية العالمية والتي هي جزء من المشكلة أصلاً.
كانت ومازالت أغلب الأحزاب والتيارات اليسارية والتقدمية والاشتراكية والشيوعية في قلب هذه الحركات الثورية في الربيع العربي وساهمت بمختلف المستويات في إنجاح بعضها وتساهم حالياً في المحافظة على الهدف الذي انطلقت من أجله، فلا نستطيع المرور على ثورة ١٤ جانڤي التونسية من غير ذكر حزب العمال وحزب الوطنيين الديمقراطيين الموحد وحزب حركة الشعب، ولا نستطيع تجاهل الاشتراكيين الثوريين والحزب الشيوعي المصري والناصريين في ثورة ٢٥ يناير، وفي سوريا هناك الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي (إسمه حالياً حزب الشعب الديمقراطي) برئاسة رياض الترك والذي ينتهج الكفاح المسلح ضد النظام والذي انتدب جورج صبرا ليكون عضواً في المجلس الوطني السوري المعارض وليترأسه لاحقاً، وفي اليمن والأردن والبحرين والكويت لا تغيب الحركات اليسارية والتقدمية عن الحراك الشعبي وهي دائماً في مقدمة الناشطين بها، ولكن هذا الوجود في قلب الربيع العربي لا يعفي اليسار من دوره التاريخي ومسؤوليته السياسية للحفاظ على الأهداف التي انطلق من أجلها الربيع العربي والمتمثلة في الوصول إلى دول ديمقراطية يتم فيها الحفاظ على الحرية وتقوم على مبدأ العدالة الاجتماعية وكذلك الحفاظ على نقاوة الربيع العربي من التدخل الأميركي الساعي لإيجاد أنظمة جديدة تكمل مشوار الأنظمة السابقة في تحقيق مصالح الشركات الرأسمالية الكبرى ومن تدخل الفلول والعسكر لاسترجاع شيء من المفقود من سلطتهم وكذلك الابتعاد عن شبهة تنفيذ أجندات الأنظمة الخليجية في الدول التي حدث بها تغيير.
رغم كل هذه الظروف الخارجية والداخلية والتي تبطئ من تطور الربيع العربي إلا أن ذلك لا ينفي استحقاقه ولا يسقط وجوبه وكذلك لا يلغي حقيقة أن الربيع العربي يتطور وأن الشعوب في حراك مستمر حتى تصل بلدانهم إلى الهدف المنشود والمتمثل بوجود أنظمة ديمقراطية تدعم الحريات وتقوم على أساس العدالة الاجتماعية ونعوّل على الطلائع السياسية الواعية والمتمثلة بالتيارات اليسارية والتقدمية وكذلك الحركات الشبابية.
——————————
*عضو التيار التقدمي الكويتي.
Print Friendly
Share

Previous post:

Next post: