الخصخصة الشاملة دمار شامل: نتائج دراسة اقتصادية اجتماعية حديثة لتجربة 25 دولة مع الخصخصة

by tayar-taqadomi on 28/08/2012

تقرير مترجم من جامعة كيمبريدج البريطانية

منشور في 13 مارس 2012 على موقع الجامعة http://www.cam.ac.uk/research/news/a-policy-of-mass-destruction/

تمت الترجمة في 17 أغسطس 2012

نشر باحثون نتائج تحليل جديد يوضح كيف ساعدت السياسات المتطرفة التي روجها الاقتصاديون الغربيون في إفلاس روسيا ودول أخرى سوفييتية سابقا بعد الحرب الباردة، والدراسة التي قادها أكاديميون من جامعة كيمبريدج هي أول دراسة تؤسس لعلاقة مباشرة بين الخصخصة الشاملة التي تبنتها عدد من الدول السوفييتية سابقا وبين الفشل الاقتصادي والفساد اللذان نتجا بعد ذلك.

كانت سياسية الخصخصة الشاملة، والتي صاغها بشكل أساسي اقتصاديون غربيون، سياسة متطرفة للخصخصة السريعة لقطاعات واسعة من اقتصادات دول مثل روسيا في بداية التسعينات، ودُعمت هذه السياسة وبشدة من صندوق النقد الدولي (IMF) والبنك الدولي والبنك الدولي والبنك الأوروبي لإعادة التعمير والتنمية (EBRD)، حيث كان الهدف ضمان تحول سريع إلى الرأسمالية قبل أن يتمكن المتعاطفون مع النظام السوفييتي من إعادة السيطرة على زمام السلطة.

لكن بدل الانتعاش الاقتصادي الذي تنبؤوا به نتج ركود اقتصادي حاد في الكثير من الدول الشيوعية سابقا يماثل الكساد العظيم الذي ضرب الولايات المتحدة وأوروبا في ثلاثينات القرن العشرين، إلا أن الانهيار الاقتصادي والفقر الرهيب اللذان نتجا لم يتم آنذاك تفسيرهما بشكل كامل، كذلك لم يتمكن الباحثون من تفسير سبب حدوث تلك المشاكل في بعض الدول مثل روسيا وليس في غيرها مثل أستونيا.

يقول بعض الاقتصاديين بأن الخصخصة الشاملة كانت ستنجح لو أنها طُبقت بشكل أسرع وأوسع حتى مما حصل، من جهة أخرى يقول آخرون أنه على الرغم من كون الخصخصة الواسعة سياسة صحيحة إلا أن الظروف الأولية في دول المعسكر الاشتراكي لم تكن مواتية لنجاح السياسة، ومجموعة أخرى من الباحثين تقول بأن المشكلة الحقيقية كانت متعلقة بالإصلاح السياسي أكثر من تعلقها بالاقتصاد.

نتائج الدراسة

لكن في العدد الجديد، عدد أبريل، من دورية علم الاجتماع الأميركية (American Sociological Review) قام ولأول مرة لورنس كينج وديفيد ستوكلر من جامعة كيمبريدج وباتريك هام من جامعة هارفارد باختبار الفكرة القائلة بأن الخصخصة الشاملة مرتبطة بالتدهور الاقتصادي على مستوى الشركات فُرادى وعلى مستوى الاقتصاد ككل، فاتضح أنه بقدر ما التزمت الدول بسياسية الخصخصة الشاملة فإنها عانت من الجرائم الاقتصادية والفساد والفشل الاقتصادي، وتقول الدراسة بأن ذلك حدث لأن سياسة الخصخصة الشاملة نفسها تعرقل عمل الدولة وتعرض أجزاء من الاقتصاد للفساد.

كما تحمل الدراسة تحذيرا لزمننا المعاصر، فيقول أحد المؤلفين كينج: “يُروّج بعض الاقتصاديين سياسية الخصخصة السريعة والواسعة كحل لأزمات الديون في الغرب وللمساعدة في إصلاح الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وتوضح هذه الدراسة بأن أكثر برنامج للخصخصة تطرفا في التاريخ قد فشل في الدول التي كان من المفترض أن يساعدها، وتشير الدروس التي تعلمناها من الخصخصة الشاملة في روسيا إلى أننا يجب أن نكون حذرين جدا عندما نُقبِل على سياسات اقتصادية غير مُجرّبة.”

وللتوضيح فإنه تم تطبيق الخصخصة الشاملة في ما يقرب من نصف الدول الشيوعية سابقا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وتُعرف أحيانا عملية الخصخصة الشاملة هذه باسم “خصخصة الكوبونات”، لأنها اشتملت على توزيع كوبونات على المواطنين العاديين يمكن استخدامها كوثيقة ملكية في المؤسسات الاقتصادية العامة، لكن في الواقع لم يفهم معظم الناس هذه السياسية وكانوا في فقر مدقع  فباعوا كوبوناتهم ما إن سنحت الفرصة، وهذا ما سمح في دول مثل روسيا للمُتكسّبين بشراء تلك الكوبونات وبالتالي السيطرة على أجزاء كبيرة من القطاع الخاص الجديد.

ويقول الباحثون بأن الخصخصة الشاملة فشلت لسببين، الأول لأنها قوّضت الدولة عبر حرمانها من مصادر دخلها، أي الأرباح التي تدرّها المؤسسات الاقتصادية المملوكة للدولة أيام الحكم السوفييتي، كما قوّضت الخصخصة الشاملة قدرة الدولة على مراقبة وتقييد اقتصاد السوق الناشئ، أما السبب الثاني فهو أن الخصخصة الشاملة خلقت مؤسسات اقتصادية خالية من الملكية الاستراتيجية ومن القيادة وذلك نتيجة فتحها لملاك فاسدين استولوا على أصول المؤسسات وفشلوا في تطويرها، وهنا يعلق كينج: “كانت النتيجة حلقة شيطانية من فشل الدولة والاقتصاد.”

الأدلة التي اعتمدت عليها الدراسة

لاختبار فكرتهم الناقدة للخصخصة الشاملة قارن مؤلفوا الدراسة كينج وستوكلر وهام بين أوضاع 25 دولة شيوعية سابقا بين عامي 1990 و2000، ومن بين الدول من قامت بخصخصة شاملة ومن لم تقم بها، كما تمت الاستعانة بإحصاءات ميدانية من البنك الدولي تتعلق بمدراء من أكثر من 3500 مؤسسة اقتصادية في 24 دولة شيوعية سابقا.

وأوضحت نتائج المقارنة وجود علاقة مباشرة ومستمرة بين الخصخصة الشاملة من جهة وانخفاض دخل الدولة وتدهور النمو الاقتصادي من جهة أخرى، فبين عامي 1990 و2000 كانت مصروفات الحكومة في الدول التي قامت بخصخصة شاملة أقل بـ 20% من الدول التي قامت بإصلاحات أبطأ، ولم تتغير النتائج بعد أن أخذ الباحثون في الحسبان تأثيرات الإصلاح الاقتصادي والإصلاحات الاقتصادية غير المرتبطة بالخصخصة الشاملة وظروف أخرى تميز الدول.

بالمثل فإن الدول التي قامت بخصخصة شاملة شهدت انخفاضا بالمتوسط في نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي (GDP per capita) بأكثر من 16% مقارنة مع الدول التي لم تقم بخصخصة شاملة.

أما النظر إلى الشركات فُرادى فيكشف أن في الدول التي قامت بخصخصة شاملة فإن الشركات التي خُصخصت لمُلاّك محليين صارت معرضة أكثر للفساد الاقتصادي، والشركات الخاصة المحلية في تلك الدول كانت تقوم بالمقايضة بدل استخدام النقد أكثر بـ 78% من الشركات المملوكة للدولة، وثبتت هذه النتائج حتى بعد أن أخذ الباحثون بالاعتبار الخصائص المميِّزة للشركات والأسواق والقطاعات الاقتصادية بعضها عن بعض، كما أنهم أخذوا بالاعتبار احتمال كون أسوء الشركات أداء أصلا هي الشركات التي خُصخصت.

كشفت الدراسة كذلك بأن الشركات التي خُصخصت كانت أقل ميلا لدفع الضرائب، وهذا كان عاملا محوريا في فشل سياسة الخصخصة الشاملة التي توقع الاقتصاديون الغربيون أنها ستُنتج ثروات خاصة يمكن فرض ضرائب عليها لإثراء الدولة، من جانب آخر فإن الشركات التي خُصخصت لصالح مُلاّك أجانب كانت أقل ميلا للاعتماد على المقايضة وأقل ميلا للتهرب من الضرائب.

وأخيرا يختم المؤلفون: “يشير تحليلنا إلى أنه حين تصميم الإصلاحات الاقتصادية، خصوصا الموجهة لتطوير القطاع الخاص، فإنه يجب أن تكون حماية مصادر دخل الدولة وقدراتها الإدارية أولوية، ومن المخاطرة الاعتماد على مقولة أن زيادة الإنتاجية المتحصلة من إعادة هيكلة الاقتصاد الخاص ستعوض مداخيل الدولة والتي ستنخفض جراء فقد الدولة لأرباح المؤسسات الاقتصادية التي تمت خصخصتها”.


Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: