الحرية تقود الشعب

by altaqadomia on 24/06/2018

قد تكون هذه اللوحة أعظم لوحة ثوريّة في التاريخ الإنساني.

رسمها الفنان الفرنسي أوجين دي لاكروا تخليدا لثورة عام 1830م.
تُظهِر اللوحة امرأة عارية الصدر، اسمها” ماريان أو ماري آن” ترفع علم فرنسا بيدها اليمنى وتحمل البندقية في يدها اليسرى، وتقف فوق، ما يبدو أنه، كومة من الجثث.
لاكروا جعل “ماريان” تتصدر المشهد، كما رسمها بشكل يجعلها الأعلى قامة بين كل من في اللوحة. ووضع، في يدها، علم ثورة الباستيل بألوانه الثلاثة التي ترمز إلى قيم الحرية والمساواة والإخاء التي قامت عليها الثورة الفرنسية عام 1789م.
أطلق دي لاكروا على اللوحة اسم” الحرية تقود الشعب”. الرمزية في اللوحة واضحة، فالمرأة الفرنسية(ماريان) هي الحرية والثورة والجمهورية والمستقبل. لكن أهم رمز في اللوحة، من وجهة نظري، هو ظهور ماريان كأنثى شبه وحيدة في اللوحة!
ولا أدري هل مغزى ذلك أن المرأة لم تشارك بأعداد كثيرة في الثورة أم أن النساء لم يقفن، كما ينبغي، إلى جانب النسويات القليلات اللاتي طالبن بحقوق المرأة؟!
كان من ثمار نجاح الثورة الفرنسية؛ إقرار ميثاق حقوق الإنسان الذي ينص على” يولد الإنسان حُرا ويظل حُرا ومتمتعا بالمساواة في ظل القانون”.
أضاءت هذه العبارة ظلام باريس وأوربا، لكنها كانت مبهمة وغير كافية في نظر بعض نسويات باريس، فتقدمن بمطالب عاجلة لإقرار قانون واضح وحازم لحماية المرأة ومنحها حقوقها الكاملة. لكن الجمعية الوطنية الثورية رفضت المطالب، واتهمت النسويات بمعاداة الثورة، وحكمت بإعدام بعضهنّ بذات المقصلة التي قطعت رأسي الملك لويس السادس عشر وزوجته ماري أنطوانيت!
ولعل أشهر النسويات اللاتي تم اعدامهن، آنذاك، الكاتبتين أولمب دي غوج ورولان دي لابلاتيـير التي هتفت وهي في طريقها إلى المقصلة: كم من الجرائم تُرتكب باسمك أيتها الحرية.
لم تنل المرأة الفرنسية حقوقها في ثورة 1789م لكن كانت هناك من طالبت بتلك الحقوق ودفعت حياتها ثمنا لذلك.
كما لم تنل حقوقها في” ثورة الأيام الثلاثة” عام 1830م لكنها كانت حاضرة للمطالبة بحقوقها في قلب الحدث.
وقادت لويز ميشيل انتفاضة كميونة باريس 1870م. ونجحت كأول امرأة تقود العمال والجماهير وكتائب الحرس الوطني للتخلص من هيمنة البرجوازية، وضحّت بنفسها من أجل حقوقها وما تؤمن به.
وفي 1880م، أي بعد 91 سنة من الثورة الفرنسية، ارتفع أول صوت نسائي مطالبا بحق المرأة في التصويت بالانتخابات الفرنسية. وكان ذلك عبر مقالات صحفية كتبتها السيدة هوبرتين أكلير أعلنت فيها رفضها القاطع لدفع الضرائب للدولة مالم تحصل على حقها في انتخاب من يمثّلها في الجمعية الوطنية.
كل ما سبق كان يبدو، في حينه، تضحيات عبثية ومواقف لا جدوى منها وليس لها أي تأثير، لكنها في الحقيقة كانت جهود نضالية تراكمية حققت أهدافها عام 1944م عندما أُقِر حق المرأة في التصويت بالانتخابات الفرنسية بعد 155عام من نجاح الثورة الفرنسية.
ولولا تضحيات دي غوج ومدام رولان ولويز ميشيل وغيرهن، ولولا شجاعة هوبرتين وأخريات، لما تمتّع نساء فرنسا والعالم بحقوقهن الحالية.
.
.
الإهداء:
إلى الفتيات والنساء السعوديات اللاتي قمن عام 1990م بقيادة السيارات في شوارع الرياض.
وإلى عزيزة اليوسف وإيمان النفجان ولجين الهذلول والبقية.
وإلى كل فتاة وامرأة حاولت ممارسة حقها في قيادة السيارة قبل 10/10/ 1439هـ ودفعت ثمن ذلك من سمعتها وحريتها ومستقبلها.

 

بقلم: عبدالهادي الجميل

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: