الثورة تبدأ من الوطن: رسالة مفتوحة للمشاركة في احتلال وول ستريت

by tayar-taqadomi on 01/10/2011

الكاتب: أرون جوبتا، صحافي وناشط بمدينة نيويورك

 Published on Wednesday, September 28, 2011 by The Indypendent

إنّ ما يحدث في وول ستريت الآن مدهش حقا، بعد ١٠ سنوات وفي عقر دار الرأسمالية العالمية حرر المضطهدون هذه الرقعة الجغرافية من أساطين المال وجيشهم من الشرطة، لقد خلقوا فرصة نادرة لتغيير مسار التاريخ على خطى احتلالات سلمية أخرى من إضرابات الثلاثينات؛ مرورا ً باعتصامات قاعات الطعام في الستينات؛ وحتى الانتفاضات السلمية في العالم العربي وأوروبا اليوم.

على الرغم من أنّ احتلال وول ستريت في تصاعد فإنه يحتاج إلى دعم كامل من كل مَنْ دعم المصريين في ميدان التحرير وكل من قال كلنا “ويسكونسن” وكل مَنْ تضامن مع اليونانيين والإسبان، هذه حركة لكل مَنْ يفتقد الوظيفة أو الرعاية الصحية أو لمَنْ يعتقد بأن لا مستقبل له.

إنّ نظامنا فاشل على كل مستوى، أكثر من ٢٥ مليون أميركي عاطلون عن العمل، وأكثر من ٥٠ مليون يعيشون من غير ضمان صحي، وربما ١٠٠ مليون أميركي الآن يعانون من الفقر إذا استخدمنا مقياساً واقعياً، هذا في الوقت الذي يستمر القطط السمان في الحصول على إعفاءات ضريبية ويحصدون المليارات بينما يتنافس السياسيون للضغط علينا بإجراءات التقشف.

سيأتي الوقت الذي يقوم فيه محتلو وول ستريت – سواء كانوا خمسة آلاف أم عشرة أم خمسين ألفاً – بفرضتنازلات على من بيده القرار، لا يمكن لأحد أن يتكهن بعدد الأشخاص المطلوبين لفرض هذه التنازلات أو أن يتكهن بما سيحدث بالضبط لكن هناك فرصة حقيقية لتجاوز العملية السياسية الفاسدة وللبدء في تحقيق مجتمع مبني على الحاجات الإنسانية وليس أرباح الصناديق الاستثمارية.

   مَنْ كان يا ترى يتصور مند عام بأنّ التونسيين والمصريين سيخلعون دكتاتوريهما؟

في “حديقة ليبرتي” (ساحة الحرية) التي هي عصب الاحتلال يتجمع أكثر من ألف شخص يومياً للنقاش والتنظيم بشأن ما يمكن فعل تجاه نظامنا الفاشل الذي سمح لأغنى ٤٠٠ أميركي أن يجمعوا ثروة تتجاوز ثروة أفقر ١٨٠ مليون أميركي.

إنه لمن المثير أنّ هذا الاحتفال الديمقراطي نبع في باحة “أسياد الكون”، الرجال الذين يعزفون الألحان التي يرقص على وقعها الساسة والإعلام، ومركز شرطة نيويورك الذي نشر مئات الضباط في آن واحد لمحاصرة المتظاهرين وإرهابهم قادر على اعتقال الجميع وإخلاء حديقة ليبرتي في دقائق، لكنه لم يفعل وهذا أيضا أمر مثير.

ذلك لأن مهاجمة تجمع سلمي يطالب بالديمقراطية الحقيقية – الديمقراطية الاقتصادية وليس السياسية فقط –  في ميدان عام سيذكر العالم بالطغاة الهشين الذين فتكوا بشعوبهم المطالبة بالعدالة قبل أن يُجرف هؤلاء الطغاة بالربيع العربي، وعنف الدولة قد بدأ أصلا في تحقيق أهداف عكسية، فبعد مهاجمة الشرطة للمسيرة التي بدأت في حديقة ليبرتي عصر السبت ازدادت الحشود وزاد اهتمام الإعلام.

لقد نجح احتلال وول ستريت في الكشف عن إفلاس القوى المهيمنة – القوى الاقتصادية والسياسية والإعلامية والأمنية، ليس لدى هذه القوى شيء إيجابي تقدمه للإنسانية، ناهيك عن ما لم يقدموه أبداً لدول الجنوب، لكن سعيهم غير المحدود نحو الأرباح الآن يعني تعميق البؤس بألف إجراء تقشفي.

حتى حلولهم هذه أشبه بالمزحة المريرة، يقولون لنا بأن “قاعدة  بوفيت” (نسبة للملياردير الأميركي وارين بوفيت الذي طالب مؤخراً بزيادة الضرائب على أمثاله من الأثرياء) ستخفف عبء الألم عبر مطالبة سكان الشقق المرفهة بالتضحية بعلبة كافيار وهو ما سيكافئ الزيادة المقترحة في الضرائب، في نفس الوقت سيطلب منا أن نضحي برعايتنا الصحية وطعامنا وتعليمنا وسكننا ووظائفنا وربما حتى حياتنا لإشباع شهية رأس المال المتوحشة.

 لهذا تزداد أعداد المنضمين لاحتلال وول ستريت الذين يمكنهم أن يخبروكم عن منازلهم التي تم الحجز عليها والأشهر العصيبة من البطالة أو العمل في وظائف الحد الأدنى للأجور بلا مستقبل وظيفي وأعباء ديون الدراسة الهائلة أو محاولة العيش دون ضمان صحي لائق، إنه جيل كامل من الأميركيين فاقد للأمل لكن يُطلب منه الإيمان بنظام لا يوفر غير الرقص مع النجوم (برنامج تلفيزيوني ترفيهي) وبخاخات مكافحة الشغب.

لكن على العكس من كل وصف لهذا الجيل بأنه نرجسي وغير مبال وفاقد للأمل فإنه يطالب بمستقبل أفضل من أجلنا جميعاً.

لهذا نحتاج جميعاً أن ننضم إليهم، ليس فقط عبر تأييدهم في موقع فيسبوك أو التوقيع على عريضة أو إعادة نشر صورهم في تويتر، لكن عبر النزول والمشاركة في الاحتلال نفسه.

هناك أمل كبير هنا، مؤكد بأنّ العملية ليست مثل ميدان التحرير أو ويسكونسن، لكن هناك نواة لثورة يمكنها أن تهز هيكل القوة الأميركي مثلما تم تغيير العالم العربي.

بدل الألف والألفين الذين ينضمون للاحتلال هناك حاجة لعشرات الآلاف للتظاهر ضد القطط السمان التي تقود سيارات البنتلي وتحتسي زجاجات الشمبانيا التي ثمنها آلاف الدولارات بأموال نهبوها من الأزمة المالية ومن ثم من حملات الإنقاذ الحكومية بينما الأميركيون يموتون على الأرصفة.

للأمانة فإن المشهد في حديقة ليبرتي يبدو فوضوياً، لكنه أيضا مختبر للاحتمالات وهذا جمال الديمقراطية، على عكس حكم الثقافة الواحدة حينما تكون الحياة السياسية مجرد تصويت كل أربع سنوات وحينما تكون الحياة الاجتماعية مقتصرة على الاستهلاك والحياة الاقتصادية مقتصرة على كوننا كلاباً طيعة، على العكس من كل ذلك فإنّ احتلال وول ستريت يقوم بخلق تشكيلة ثقافية من الأفكار والتعبيرات والفنون.

على الرغم من أنّ كثيراً من الناس يؤيدون الاحتلال فإنهم يترددون في الانضمام الكامل ويسارعون بالنقد، من الواضح أنّ أكبر عقبة أمام بناء حركة قوية ليست الشرطة أو رأس المال – إنها تشاؤمنا ويأسنا.

لعل رؤى هؤلاء النقاد قد تلونت بمقالة النيويورك تايمز التي سفهت المتظاهرين لرغبتهم في “تمثيل التقدمية مسرحياً” و”التصويب الخاطئ على وول ستريت”، كثير من الانتقادات تُختصر في “افتقاد رسالة واضحة”.

لكن ما المشكلة في ذلك؟ إنّ حركة كاملة التشكل لن تنبثق من الأرض، يجب أن تُخلق، ومن يستطيع الجزم بما يجب فعله تحديداً؟ نحن لا نتحدث عن خلع ديكتاتور، مع العلم بأنّ بعضنا يطالب بخلع ديكتاتورية رأس المال.

هناك الكثير من الأفكار المتطورة، مثل: إنهاء حق معاملة الشركات كمعاملة البشر، فرض “ضريبة توين” (ضريبة المعاملات المالية قصيرة الأجل بهدف كبح المضاربات) على شراء الأسهم والتجارة بالعملات، تأميم البنوك، تأميم الرعاية الصحية، التمويل الكامل للوظائف الحكومية وتحفيز كينزي حقيقي، رفع القيود عن جهود تنظيم العمال، السماح للمدن بتحويل المنازل المحجوز عليها إلى منازل حكومية، بناء بنية تحتية للطاقة تكون صديقة للبيئة.

لكن كيف يمكن أن نحقق توافقاً عريضاً على هذه المطالب؟ لو أنّ المتظاهرين جاءوا للميدان بمطالب محددة مسبقاً لأضعف ذلك من إمكاناتهم، إما أنه كان سيتم تجاهل مطالبهم التعجيزية مثل تأميم الرعاية الصحية أو البنوك، أو أنه كان سيتم استيعاب جهودهم في النظام السياسي الفاشل لو أنهم تبنوا المطالب الضعيفة مثل “قاعدة بوفيت”، ويتم بذلك إضعاف الحركة.

لهذا يجب أن يسير بناء الحركة جنباً إلى جنب مع النضال العام والنقاش والديمقراطية الراديكالية، إنها الطريقة التي من خلالها سنخلق حلولا حقيقية لها شرعية، وهذا ما يحدث الآن في وول ستريت.

كم مرة في حياتك ستتاح لك الفرصة لتشهد التاريخ يتكشف أمامك ولتشارك فعلياً في بناء مجتمع أفضل ولتجتمع بآلاف الناس حينما تكون الديمقراطية الحقيقية واقعا وليست حلما؟

لقد قُيدت عقولنا لوقت طويل بالخوف والفرقة والعجز الشيء الوحيد الذي تخشاه النخبة أكثر من غيره هو الصحوة العظيمة، لقد حلّ هذا اليوم، ومعاً نستطيع اغتنامه.

Print Friendly
Share

Previous post:

Next post: