التنمية السياسية أولاً!

by altaqadomia on 29/06/2018

استضافتني قناة «الراي» مشكورة قبل يومين للحديث حول المقترحات التنموية التي قدمتها الحركة التقدمية الكويتية للمجلس الأعلى للتخطيط والتنمية، وقد بدأ الحوار بالسؤال عن السبب أو الظروف والمعطيات وراء هذه المقترحات… والإجابة لم تحتج للتفكير؛ فهذا هو الدور الطبيعي لأي جماعة سياسية منظمة ذات اهتمام وطني.
عندما نتحدث عن الجماعات أو التنظيمات أو القوى السياسية في أي من دول العالم المتقدمة ديموقراطياً، فإننا نتحدث عن مجاميع سياسية تمثل مصالح فئة أو طبقة اجتماعية من الشعب، وتحمل رؤى وبرامج تخدم هذه الفئة أو الطبقة أو تلك، فهذا الفصيل يمثل مصالح كبار التجار وذلك الفصيل يمثل مصالح العمال وغيرها من الطبقات الاجتماعية… الخ. ويكون الشعب في النهاية حكماً يختار ما يراه مناسباً لتمثيل مصالحه من بين تلك البرامج والرؤى، بينما في الكويت نجد أن المنظومة السياسية مبنية على العمل الفردي، فالنائب ينتخب كفرد وليس كجماعة تحمل برنامجاً، كذلك الوزراء يأتون فرادى بطريقة من كل بستان زهرة.
وهذا الخلل في منظومتنا السياسية كان سبباً رئيسياً في تراجع الكويت على الأصعدة كافة، فالنائب بدلاً من تمثيله لمصالح طبقة اجتماعية أو قطاع من الشعب، بات يأتي ليخدم مصالحه الشخصية مقابل خدمات بسيطة يقدمها للناخبين، هي بالأساس حق من حقوق هؤلاء المواطنين. فالمعاملة الحكومية يجب أن تنجز من دون واسطة نائب والعلاج بالخارج يجب أن يقدم للمستحق من دون الحاجة لنائب…
وقد أثر ذلك الخلل في المنظومة السياسية على مفاهيم أخرى، كمفهوم المعارضة، فالمعارضة الطبيعية التي يعرفها السياسيون، هي معارضة برنامج وسياسية ونهج الحكومة، بينما بسبب تكريس الطابع الفردي في العملية السياسية، فقد أصبحت المعارضة عندنا معارضة ضد أشخاص، معارضة تتميز بالنقد بل والتجريح، من دون تقديم الحلول والبدائل.
لقد جاءت مذكرة الحركة التقدمية باقتراحاتها ورؤاها وملاحظاتها على خطة التنمية لتصحح المفهوم الخاطئ عن المعارضة، فهي لم تكتف بنقد برنامج وخطة الحكومة كجماعة سياسية معارضة، بل قدمت بدائلها واقتراحاتها، وقد جاءت التنمية السياسية على رأس تلك المقترحات، فأي تنمية في أي مجال في البلد سواء الاقتصاد أو الصحة أو التعليم تتطلب قراراً سياسياً، وهذا القرار السياسي يحتاج كذلك لقبول وتأييد شعبي واسع لا يمكن تحقيقه إلا عبر المشاركة الشعبية الحقيقية والديموقراطية في اتخاذ القرار، أما حالة الفوضى السياسية التي جاءت بسبب تكريس العمل الفردي في الحياة السياسية فتعد عائقاً جدياً أمام أي نوع من أنواع التنمية أو الاصلاح.
لقد غاب مفهوم التنمية السياسية عن جميع المشاريع والرؤى الحكومية، وذلك يعد من أهم أسباب فشل الخطط التنموية السابقة، وآخرها الخطة الانمائية لعام 2010 التي رصدت لها ميزانية بما يزيد على 30 مليار دينار كويتي، فلا يمكن انجاز أي خطة من دون وجود الأدوات اللازمة، وتلك الأدوات تتحقق بوجود مجلس أمة ومجلس وزراء يمثلان الارادة الشعبية، ويملكان رؤية واضحة وتأييداً شعبياً، واستقراراً سياسياً، بينما لدينا مجلس أمة غير منسجم ككتل نيابية واسعة وحكومة أشخاص بلا رؤية.
وفي النهاية، قد لا يؤخذ بتلك المقترحات، ولكن المهم أن تقوم الجماعات السياسية بدورها من خلال طرح البدائل والحلول والرؤى، والعمل على تطوير المنظومة السياسية، ونشر الوعي السياسي بين الناس، وتكريس فكرة العمل الجماعي وترسيخ مفاهيم الديموقراطية… لقد بادرت الحركة التقدمية بطرح تلك المقترحات، وأتمنى أن تحذو بقية الجماعات السياسية حذوها وتقدم بدائلها، لننقل بذلك العمل السياسي إلى مستوى أكثر تقدماً مما نحن عليه الآن ونمهد الطريق نحو اشهار الهيئات السياسية ثم النظام البرلماني الديموقراطي المتكامل.

 

بقلم الدكتور حمد الأنصاري

٢٦ يونيو ٢٠١٨

جريدة الراي الكويتية

Print Friendly, PDF & Email
Share

Previous post:

Next post: