اقتصادي غير إشتراكي “أشهر من نار على علم” يعري حدة الانقسام الطبقي ويتنبأ بقرب اندلاع الاضطرابات في الولايات المتحدة الأميركية

by tayar-taqadomi on 11/08/2011

بشأن 1 ٪ وبواسطة 1 ٪ ولأجل1٪ 

  جوزيف استيجليتز

ترجمة: راشد سلمان- الكويت

يراقب الأمريكيون الاحتجاجات الشعبية ضد الأنظمة القمعية التي تركز الثروات الهائلة في أيدي نخبة قليلة العدد. مع أنه في ديمقراطيتنا الأمريكية تستحوذ الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط من المجتمع الأمريكي علي ما يقارب 25% من الدخل القومي، وهو تفاوت وظلم سوف يندم له حتى الأثرياء. وهذه الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط من المجتمع لديهم أفضل المنازل، وأفضل تعليم، وأفضل أساليب الحياة، كما يعتقد الكاتب، ولكن “مصيرهم مرتبط مع الوضع المعيشي للشريحة المتبقية الأخرى وهي نسبة 99% من المجتمع”. إن الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط من الأمريكيين يأخذون الآن ما يقرب من ربع الدخل السنوي في البلاد، ولا فائدة من تجاهل الحقائق الواضحة للعيان، وبمعايير الثروة بدلا من الدخل، تسيطر هذه الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% من الناس علي 40% من ثروات البلاد. هذا التغير مُذهل فقبل خمسة وعشرين عاما مضت، كانت الأرقام المقابلة هي 12% من الدخل و 33% من الثروة. وقد تكون استجابة البعض بالاحتفال بهذه الأرقام كدلائل للبراعة والإبداع والحافز الذي جلب الحظ الجيد لهؤلاء الناس القلة، وفي نفس الوقت يؤكدون في احتفاليتهم على أن المد المرتفع يرفع كل القوارب، أي تتحسن معايير الدخل والثروة لعامة الناس. وفي حقيقة الأمر، ما ذلك إلا استجابة مُضللة. في حين أن الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط من المجتمع شهدت ارتفاعا في دخلها يعادل 18% على مدى العقد الماضي، فإن أولئك الذين ينتمون للطبقة الوسطي انخفضت دخولهم. بالنسبة للرجال منهم الذين لا يحملون أكثر من شهادة الثانوية كان الانخفاض حادا، ووصل إلي 12% خلال ربع القرن الماضي وحده. كل النمو الاقتصادي في العقود الزمنية الأخيرة، وما قبلها، ذهب إلى من هم في القمة. وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية متخلفة، من حيث المساواة في الدخل، عن أي بلد في “أوروبا القديمة المتحجرة” كما كان الرئيس جورج دبليو بوش يصفها ساخراً. إلا أننا في أمريكا سمحنا للنمو في التفاوت بين الدخول، وأصبح نظرائنا الأقرب إلينا هما الطغمة الروسية وأيضا الطغمة الإيرانية. في حين أن العديد من المراكز المعهودة قديما بعدم المساواة في أمريكا اللاتينية، مثل البرازيل، تسعى جاهدة في السنوات الأخيرة، وهي نجحت إلى حد ما، لتحسين محنة الفقراء وتقليل الفجوات في الدخل. انعدام العدالة وانتشار التفاوت الشاسع واللامساواة في الدخول بدا مقلقا للغاية منذ منتصف القرن التاسع عشر، وذلك ليس سوي مؤشر باهت قياسا على ما نشهده اليوم في الولايات المتحدة الأمريكية. ومنذ ذلك الوقت حاول الاقتصاديون (منظرو الفكر الاقتصادي الرأسمالي-المترجم) تبرير ذلك التفاوت بابتداعهم ما يسمي “نظرية الإنتاجية الحدية”، وهي باختصار شديد نظرية تربط الدخول العالية مع ارتفاع الإنتاجية وزيادة مساهمة أصحاب الدخول العالية في المجتمع. وهي النظرية التي كانت دائما محل اعتزاز الأغنياء، مع أن البرهان على صحتها لا يزال ضعيفا، فقد حصل المسؤولين التنفيذيين في الشركات على مكافآت كبيرة رغم أن مساهمتهم في مجتمعنا وفي شركاتهم الخاصة كانت سلبية وعلى نطاق كبير وواسع، فقد ساعدوا في حدوث الركود الاقتصادي في السنوات الثلاث الماضية. والدليل أن بعض هذه الشركات كانت محرجة جدا حول تسمية هذه البونصات “مكافآت الأداء” (التسمية الاعتيادية) إلي الدرجة التي شعرت فيها بأنها مضطرة لتغيير الاسم إلى “المكافآت المحفوظة” (حتى لو كان الشيء الوحيد الذي احتفظ به هو سوء الأداء). وفي الواقع، أولئك الذين ساهموا في الابتكارات الايجابية الكبيرة لمجتمعنا، من رواد الإدراك الوراثي إلي رواد عصر المعلومات، لم ينالوا إلا مبلغا زهيدا مقارنة مع أولئك المسؤولين عن الابتكارات والإبداعات المالية التي وضعت اقتصادنا العالمي علي حافة الخراب. ينظر بعض الناس إلى مؤشرات التفاوت في الدخل غير مبالين. فما الغرابة إذا كان هذا الشخص يكسب والشخص الأخر يخسر؟ ما يهم ، كما يقولون، ليس كيفية تقسيم الكعكة لكن حجم الكعكة نفسها. وتلك الحُجة خاطئة من أساسها، فأي اقتصاد تتدهور فيه دخول معظم المواطنين سنة بعد أخري، كالاقتصاد الأمريكي، ليس من المرجح أن يحقق نتائج جيدة على المدى الطويل. وهناك عدة أسباب لذلك. الأول، تزايد عدم المساواة هو الوجه الآخر لشيء آخر هو: تقلص الفرص المتاحة. فكلما قلصنا المساواة والعدالة في الفرص المتاحة هذا يعني أننا لا نستخدم بعض أثمن الأصول، وهو شعبنا، في الطريقة الممكنة الأكثر إنتاجية. ثانيا، هناك الكثير من التشوهات التي أدت إلى مثل هذه اللامساواة تُقوض كفاءة الاقتصاد، مثل أولئك المرتبطين باحتكار السلطة وبالمعاملة الضريبية التفضيلية للمصالح الخاصة،. وهذه اللامساواة الجديدة تؤدي إلى خلق تشوهات جديدة، مما يقوض كفاءة الاقتصاد لدرجات أبعد من ذلك وأعمق. وسنستشهد هنا بمثال واحدا فقط، توجه عدد كبير جدا من شبابنا الموهوبين المبدعين إلي قطاع المال والتمويل بسبب رؤيتهم المكافآت الفلكية وإغراءاتها، وهجروا المجالات التي من شأنها أن تؤدي إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وأكثر معافاة. ثالثا، وربما الأكثر أهمية، إن الاقتصاد الحديث يتطلب “العمل الجماعي”، ويحتاج لحكومة تستثمر في البنية التحتية والتعليم والتكنولوجيا. ولنتذكر أن الولايات المتحدة والعالم استفادوا إلى حد عظيم من البحوث التي رعتها الحكومة والتي أدت إلى نشوء شبكة الإنترنت، وأدت أيضا إلي التقدم في مجالات الصحة العامة، وغيرها من الحقول. ولطالما عانت الولايات المتحدة الأمريكية طويلا من قلة الاستثمار في البنية التحتية (انظر على حالة الطرق السريعة والجسور لدينا، وأيضا خطوط السكك الحديدية والمطارات)، ومن شحة الاستثمار في مجالات البحوث الأساسية، وكذلك في التعليم على جميع المستويات. وللأسف تنتظرنا مستقبلا المزيد من التخفيضات في هذه المجالات. لم تكن أيا من الأسباب السابقة مفاجئة، أنها ببساطة نتائج للتوزيع غير المتوازن لثروة المجتمع. وكلما كان المجتمع أكثر انقساما من حيث الثروة، كلما أصبح الأثرياء أكثر ترددا في إنفاق الأموال على الحاجات المشتركة لهذا المجتمع. وللأسف لا يحتاج الأغنياء إلى الاعتماد على الحكومة للاستفادة من خدمات الحدائق أو التعليم أو الرعاية الطبية أو الأمن الشخصي، فبإمكانهم شراء كل هذه الأشياء لأنفسهم حصرا. وعمليا فإنهم يصبحون أكثر بعدا وعزلة عن الناس العاديين، الأمر الذي يُفقدهم أي شكل من التعاطف الذي كان بعضهم يتسم فيه سابقا تجاه عامة الناس. وهؤلاء الأثرياء قلقون أيضا من حكومة قوية واحدة يمكن أن تستخدم سلطاتها لضبط الخلل وتحقيق بعض التوازن في الثروة، بأن تستقطع جزءا من ثرواتهم واستثماره من أجل الصالح العام. قد تشتكي الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط من المجتمع من نوعية الحكومة التي لدينا في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن هذه الشريحة في الحقيقة تجدها مناسبة وعلى ما يرام: فالحكومة الأمريكية الحالية مختلفة بشدة حول إعادة التوزيع للثروة، وهي منقسمة أيضا في كل شيء إلا خفض الضرائب. وإلي الآن، لم يتمكن الاقتصاديون (منظرو الفكر الاقتصادي الرأسمالي-المترجم) من شرح الكيفية الكاملة للتفاوت المتزايد للدخول في أمريكا. لا شك أن الديناميكية العادية لقانون العرض والطلب قد لعبت دورا مؤكدا في ذلك، من خلال تكنولوجيات ادخار ثمار العمل الذي قلل من الطلب عند الكثير من “الخيّرين” موظفي الطبقة الوسطى ذوي الياقات الزرقاء. وأيضا خلقت العولمة سوقا عالمية النطاق عملت علي المباراة بين العمالة غير الماهرة المُكلفة في الولايات المتحدة الأمريكية ضد العمالة غير الماهرة الرخيصة خارج حدودها. كذلك، لعبت التغيرات الاجتماعية دورها، على سبيل المثال، تراجع التمثيل في النقابات حيث لم تعد تمثل حاليا إلا نحو 12% من العمال، وهي التي كانت في يوم من الأيام تضم ضمن عضويتها ثلث العمال الأمريكيين. ولكن أهم عامل مسبب لهذا القدر من التفاوت في الدخل يكمن في أن الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط من المجتمع يريدونها بهذه الطريقة. المثال الأكثر وضوحا يتعلق بالسياسة الضريبية، وبالذات في خفض معدلات الضرائب على المكاسب الرأسمالية، وهي الكيفية التي يمكن للأثرياء الحصول منها على جزء كبير من دخلهم، والآن منحت الأمريكيين وتمنح الأكثر ثراءاً منهم ما يعادل الرحلات المجانية للمزيد من الثراء. ولا شك أن الاحتكارات وشبه الاحتكارات كانت دائما مصدرا للسلطة الاقتصادية، من جون روكفلر في بداية القرن الماضي إلي بيل غيتس في نهاية مطاف القرن، والتراخي في تطبيق قوانين مكافحة الاحتكار، وخصوصا خلال إدارات الحزب الجمهوري هي هبة من السماء إلى الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط من المجتمع. الكثير من عدم المساواة اليوم هو بسبب التلاعب في النظام المالي، عبر التمكين من التغييرات التي طرأت على القوانين التي تم شراؤها ودفع ثمنها من قبل القطاع المالي، وهي في حد ذاتها واحدة من أفضل استثماراته على الإطلاق. وعملت الحكومة علي إقراض الأموال للمؤسسات المالية بتكلفة تعادل الفائدة الصفرية، وقدمت إعانات مالية سخية بشروط مواتية عندما فشل كل شيء آخر. وغض المُنظمين الحكوميين الطرف عن عدم توفر الشفافية وعن تضارب المصالح. عندما ننظر إلى الحجم الهائل للثروة التي تسيطر عليها الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط في هذا البلد، من المُغري أن نرى تنامي عدم المساواة باعتبارها انجازا أمريكيا مثاليا، فلقد بدأنا الطريق مُتأخرين، ولكننا الآن ننشر التفاوت واللامساواة في الدخول على المستوى العالمي. ويبدو كما لو أننا سنضيف علي بناء هذا الإنجاز لسنوات قادمة، لأن ما جعله من الممكن هو التسلح بالتعزيز الذاتي. فالثروة تُولد السلطة وهذه بدورها تُولد المزيد من الثروة. خلال فضيحة المدخرات والقروض في عام 1980، وهي فضيحة تعد أبعادها غريبة وطريفة حني بمقاييس اليوم، سُئل حينها المصرفي تشارلز كيتنغ من قبل لجنة في الكونغرس ما إذا كان مبلغ 1.5 مليون دولار، الذي كان قد نشره بين كبار المسؤولين من القلة المُنتخبة، يمكنه في الواقع من شراء النفوذ ، وأجاب ’’أتوقع ذلك بالتأكيد‘‘. ولا عجب أن المحكمة العليا كرست في الآونة الأخيرة حق الشركات في شراء الحكومة، من خلال إزالة القيود على حملات الإنفاق الشخصية والسياسية التي تُعد اليوم في محاذاة التماثل الكمالي. عمليا، كل أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي ومُعظم الممثلين في مجلس النواب هم أعضاء في الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط في هذا البلد، عندما يتسنى وصولهم لهذه المراكز يتسن لهم أيضا الاحتفاظ بمناصبهم بأموال الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط في المجتمع، ويعرفون أنهم إذا كانوا يخدمون جيدا الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط في هذا البلد فسوف يكافئون من قبل هذه الشريحة عندما يتركون مناصبهم. إلى حد كبير، الصُناع الرئيسيين للسياسات في مجال التجارة والسياسة الاقتصادية، في السلطة التنفيذية، ينحدرون أيضا من الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط في هذا البلد. ولا غرابة حينها عندما تتلقى شركات الأدوية هدايا بقيمة تريليون دولار من خلال التشريعات التي تحظر على الحكومة، وهي أكبر مشتر للأدوية، من المساومة على أسعار الأدوية. كما لا ينبغي أن نستعجب من استحالة أن يمر مشروع قانون الضريبة من الكونجرس، ما لم يتم وضع تخفيضات ضريبية كبيرة في المشروع لصالح الأثرياء. هذا هو أسلوب العمل لمثل هذا النظام، نظرا للقوة التي تتمتع بها الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط في هذا المجتمع. التفاوت في الدخل يُشوه المجتمع الأمريكي في كل شيء يمكن تصوره. هناك، وقبل كل شيء، تأثير مُوثق جيدا لأسلوب الحياة ومعيشة الناس خارج الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط في هذا المجتمع، هؤلاء أصبحوا يعيشون على نحو متزايد بمستويات أكثر من مداخيلهم. قد تكون اقتصاديات التقتير مجرد وهم، ولكن سلوكيات التقتير هي حقيقة واقعة في معيشة من هم خارج شريحة 1%. عدم المساواة على نطاق واسع يشوه سياستنا الخارجية أيضا. الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط في هذا المجتمع نادرا ما تخدم في الجيش، والواقع هو أن الجيش المكون “جميعه من المتطوعين” لا يدفع ما يكفي لجذب أبنائهم وبناتهم، والوطنية لها حدودها ضمن هذه المعطيات. بالإضافة إلى ذلك، الطبقة الأكثر ثراءاً لا تشعر بوطأة ارتفاع الضرائب عندما تخوض الولايات المتحدة الحرب: فالمال المُقترض سيدفع ثمن كل ذلك. مع أن السياسة الخارجية، بحكم تعريفها، تعني بالتوازن بين المصالح الوطنية والموارد الوطنية. مع سيطرة الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط علي زمام الأمور في هذا المجتمع، وعدم دفعها لأي ثمن، فإن مفهوم التوازن وضبط النفس لا معني له إطلاقا. وليس هناك حد للمغامرات التي تستطيع هذه الشريحة القيام بها، والشركات والمقاولين يعملون ويصمدون فقط لتحقيق المكاسب. كذلك فإن قواعد العولمة الاقتصادية صممت بطريقة مماثلة لما فيه صالح الأغنياء: أنها تشجع المنافسة بين البلدان من أجل الأعمال، والذي بدوره يضغط لتخفيض الضرائب على الشركات، ويضعف الحماية الصحية والبيئية، ويقوض ما كان يمكن اعتباره سابقا الحقوق “الأساسية” للعمل، والتي تشمل الحق في المفاوضة الجماعية. تخيل ما كان سيكون عليه العالم إذا تم تصميم النظام، بدلا من ذلك، لتشجيع المنافسة بين البلدان المختلفة من أجل العمال. حينها سوف تتنافس الحكومات في توفير الأمن الاقتصادي، والضرائب المنخفضة على الأجراء العاديين، والتعليم الجيد، والبيئة النظيفة، وهي جميعها أشياء يهتم بشأنها العمال. ولكن الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط في هذا المجتمع لا يملكون الدافع للاهتمام بهذه القضايا. أو بدقة أكثر، أنهم يعتقدون أنهم غير مهتمين. فجميع التكاليف المفروضة على مجتمعنا تأتي من قبل الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط في هذا المجتمع، وربما الأعظم من ذلك كله هو: تآكل شعورنا بالهوية حيث أن اللعبة العادلة، والمساواة في الفرص ، والإحساس بالانتماء للمجتمع، هم في غاية الأهمية. ولطالما افتخرت الولايات المتحدة الأمريكية بنفسها لزمن طويل على كونها مجتمعا عادلا، حيث لكل فرد فرصة متساوية للوصول والترقي الاجتماعي، إلا أن الإحصاءات تشير إلى خلاف ذلك: إن فرصة إن يحصل المواطن الفقير، أو حتى المواطن من الطبقة المتوسطة، علي مجال للترقي الاجتماعي هي أصغر مما هي عليه في كثير من البلدان الأوروبية. و”الحظ” يعاكس أمريكا علي هذا المنوال. فمن هذا المنطلق، اشتعلت الحرائق في الشرق الأوسط بسبب النظام الظالم الذي لا تتوفر فيه تكافؤ الفرص: ارتفاع أسعار المواد الغذائية وتزايد معدلات البطالة بين الشباب واستمرارها خدم كأسباب تأجيج. مع وجود البطالة بين الشباب في أمريكا بنحو 20% (وفي بعض المواقع، وبين بعض الفئات الاجتماعية والديموغرافية، 40%) ؛ كما أن واحدا من أصل ستة أمريكيين الراغبين على الحصول علي وظيفة بدوام كامل عاجزين عن تحقيق ذلك، وأيضا واحدا من سبعة أمريكيين أصبح يعتمد علي طوابع الغذاء (ونفس العدد تقريبا يعاني من “انعدام الأمن الغذائي”). أخذين في الاعتبار كل هذا، هناك أدلة كثيرة على أن شيئا ما قد اعترض سبيل “سيئ الذكر” ’’النزيف نحو القاعدة‘‘ من الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط في هذا المجتمع إلي الجميع. كل هذا يمكن أن يكون له تأثير يمكن التنبؤ به من ناحية خلق الاغتراب، إقبال الناخبين بين الشباب العشريني في الانتخابات الأخيرة بلغت 21% ، وهي نسبة مقارنة لمعدل البطالة. في الأسابيع الأخيرة راقبت الناس لدينا خروج الجماهير بالملايين إلي الشوارع احتجاجا على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات القمعية التي تسكنها. وقد أطاحت هذه الاحتجاجات بالحكومات في مصر وتونس. واندلعت الاحتجاجات في ليبيا واليمن والبحرين. وتراقب الأنظمة الحاكمة في أماكن أخرى من المنطقة بأعصاب متوترة وعن قُرب، متسائلين ما إذا كانوا هم أنفسهم سيكونون ضحايا المرة القادمة؟ وهم على حق في القلق والتوتر، فتلك هي المجتمعات التي يكون فيها جزء ضئيل جدا من السكان، أي أقل من1%، يُسيطر على نصيب الأسد من الثروة، حيث تعتبر الثروة أحد المحددات الرئيسية للسلطة، وحيث الفساد المستشري بهذا الشكل أو ذاك هو أسلوب في الحياة، وحيث يقف الأكثر ثراءاً، في كثير من الأحيان، حجر عثرة في طريق السياسات التي من شأنها تحسين حياة الناس بشكل عام. وبينما نحن نحدق في بيوتنا بالحماسة الشعبية التي تملأ الشوارع العربية، علينا أن نسأل أنفسنا سؤالا واحدا هو: متى يحين موعد أمريكا؟ لقد أصبحت بلادنا وكأنها واحدة من هذه البلدان البعيدة المُضطربة، بسبب طرقها الخاصة الخطيرة. وصف أليكسيس دو توكفيل، ذات مرة، ما رآه كجزء رئيسي من العبقرية المميزة للمجتمع الأمريكي وسماه “المصلحة الذاتية المفهومة علي النحو الصحيح”، وآخر كلمتين هما المفتاح للفهم. الجميع يمتلك مصلحة ذاتية بالمعنى الضيق: أريد ما هو جيد بالنسبة لي الآن وحالا! المصلحة الذاتية ’’المفهومة علي النحو الصحيح‘‘ مختلفة. فهذا يعني تقدير مراعاة اهتمام المصلحة الذاتية لجميع أفراد المجتمع، وبعبارة أخرى، فإن الرفاهية المشتركة للعامة هي في الواقع شرط مسبق للحصول على أقصي رفاهية للمرء الفرد. ولا توحي كلمات توكفيل بأن هناك شيئا نبيلا أو مثاليا حول هذه النظرة، في الواقع كان يفترض عكس ذلك، وتلك بمثابة إشارة على البراغماتية الأمريكية. أولئك الأمريكيين الحكماء، أمثال أليكسيس دو توكفيل، يدركون حقيقة أساسية هي: البحث عن الرجل الآخر ليس جيدا فقط للروح، انه جيد أيضا للأعمال. الشريحة الأعلى التي تتألف من 1% فقط من المجتمع لديهم أفضل المنازل، وأفضل تعليم، وأفضل الأطباء، وأفضل أساليب الحياة، ولكن هناك شيء واحد لا يبدو أن المال قادر علي شرائه: وهو الفهم والإدراك علي أن مصيرهم مرتبط مع الوضع المعيشي للشريحة المتبقية الأخرى وهي نسبة 99 % من المجتمع. على مر التاريخ، هذا الدرس لا تستوعبه الأقلية الثرية التي تشكل 1% فقط من سكان المجتمع، إلا بعد فوات الأوان.

الترجمة عن – مجلة فانيتي فير، مايو 2011

Print Friendly
Share

Previous post:

Next post: