أزمة سقف الديون الأميركية: إذا كان يمكن للرأسمالية أن تفعل كل تلك الأشياء التي كانت معقولة وإنسانية، فهي إذاً لن تكون رأسمالية بتاتاً

by tayar-taqadomi on 24/08/2011

بقلم: الدكتور برابهات باتنايك، أستاذ الاقتصاد الهندي
Prabhat Patnaik
نُشرت في صحيفة “ديمقراطية الشعب” الهندية الأسبوعية بتاريخ 7 أغسطس 2011
ترجمة: راشد سلمان – الكويت
لدى الولايات المتحدة الأميركية قانون تشريعي قديم، صدر في عام 1917، وهو الذي يضع سقفاً على حجم مبلغ ديون حكومتها الفدرالية من حيث القيمة الدولارية المطلقة. (وبما أنه لا يُسمح لحكومات الولايات المختلفة في الولايات المتحدة الأميركية بإدارة العجز المالي، وبالتالي تكبد الديون، لذا تعتبر الديون الفدرالية مرادفة للديون الحكومية للولايات). تحديد سقف الديون بالقيمة الدولارية المطلقة أمر سخيف للغاية لسببين واضحين، هما:
أولا، كلما تكبدت الحكومة الاتحادية عجزاً مالياً “طازجاً” في كل سنة جديدة فإنها تضيفه إلى دينها السابق، و بطبيعة الحال لا مفر من تجاوز هذا السقف الثابت من حيث القيمة الدولارية المطلقة.
ثانيا، كلما زادت الأسعار وزاد الإنتاج، ترتفع أيضا إيرادات الحكومة الاتحادية ونفقاتها، وأيضا يرتفع عجزها المالي من حيث القيمة المطلقة، وبالتالي لا مفر كذلك من تجاوز هذا السقف الثابت من حيث القيمة الدولارية المطلقة، نتيجته كنتيجة السبب الأول.
باختصار، لابد في كثير من الأحيان من إعادة النظر في سقف الديون بالقيمة الدولارية المطلقة ورفعه تصاعدياً. وليس من المستغرب إذاً إجراء التعديلات الكثيرة جداً علي سقف الدين، ورغم ذلك، من الغريب جداً أن لا يستدعي ذلك أحدا سواء لإلغاء هذا القانون التشريعي القديم، أو تعديله بتحويل سقف الديون من القيمة الدولارية المطلقة إلى نسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي (حجم العجز المالي ثابت كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في أوروبا والهند، وهو يعتبر تدفقاً تمييزاً له عن الديون التي هي رصيد)، (الرصيد النقدي يعتبر ثروة أي كمية ثابتة حددت في وقت زمني معين، أما التدفق النقدي فهو دخل أي كمية متغيرة – زيادة أو نقصان – تقاس خلال وقت زمني معين – المترجم).
كانت المراجعة السابقة لسقف الديون في 12 فبراير 2010، وتم حلها بتثبيته عند مبلغ 14.3 تريليون دولار. وكان من المعروف مسبقاً أنه لا بد من مراجعته وتعديل هذا السقف الجديد (القديم) بالاتجاه التصاعدي مرة أخرى، ولكن كان من المتوقع أن يكون أمراً روتينياً لا يستدعي الكثير من الاهتمام. ومنذ أن صادقت السلطة التشريعية بالفعل علي ميزانية الحكومة، وضعت قيود لمعاقبة مختلف بنود النفقات الفدرالية، وكان من المتوقع أن تحدث مراجعة فعلية لسقف الديون لاستيعاب النفقات في مسار تشريعي عادي، ولكنه تحول إلى أزمة في الولايات المتحدة، لأنّ الجمهوريين انتقلوا في الآونة الأخيرة إلى الانغماس أكثر في اليمينية، حيث لا بد من موافقتهم لتمرير التعديل علي سقف الديون، وقد بدؤوا بالمطالبة بنصيبهم من “لحم الفريسة”، وكان لهم ذلك علي شكل تخفيضات في النفقات الفدرالية، ولا سيما على برنامج الضمان الاجتماعي وعلى البرامج التي تعود بالنفع والفائدة على الفقراء، مثل برنامج الرعاية الطبية (ميديكير).

الجانب الطبقي
لا ينبغي تجاهل الإصرار علي هذا الجانب الطبقي. لجأت الإدارة السابقة في عهد جورج بوش الجمهوري (بوش الابن – المترجم) إلى تمرير تخفيضات هائلة في الضرائب على الأغنياء، ما عمق بشدة التفاوت في الدخل المتحقق بعد دفع الضرائب في الولايات المتحدة. في محاولة لاسترضاء الجمهوريين، وافق أوباما في ديسمبر 2010 على الاستمرار في تلك التخفيضات الضريبية، على ما يبدو انطلاقا من الاعتقاد الخاطئ بأنّ ذلك من شأنه أن يدفع الجمهوريين إلى رد الجميل (واحدة بواحدة)، ودونما الكثير من اللغط. ومع ذلك أصر الجمهوريون على تناول حصتهم من الكعكة، وبعد ذلك، المطالبة بالتهام المزيد. فبعد أن حصلوا علي موافقة أوباما على الاستمرار في التخفيضات الضريبية التي سُنت في عهد بوش، رفضوا الموافقة على زيادة سقف الدين إلا مقابل تطبيق تخفيضات حادة على مجموعة من بنود الإنفاق الاتحادية التي كانت ذات فائدة للفقراء. وقَبَلَ أوباما الخضوع لهم، وخضع تحت ظل قانون تشريعي قديم سخيف صدر في عام 1917، وتم إحداث نقلة تراجعية غريبة أخرى في توزيع الدخل من جانب اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الذي يهيمن حاليا على الحزب الجمهوري. هذه العملية زادت من قوة اليمين المتطرف في السياسة الأميركية إلى حد كبير: فهو الآن على ثقة من أنه يمكن دفع الجانب الجبان الرعديد في شخصية أوباما نحو الاتجاه الذي يريده.
والذريعة أنّ حكومة الولايات المتحدة ستتخلف عن السداد في حالة عدم وجود زيادة في سقف الديون، وهو أمر عظيم الإحراج لأية حكومة، والكثيرون في الولايات المتحدة سعداء لأنه تم التوصل إلى حل لمثل هذه الأزمة من خلال الاتفاق المتبادل، بغض النظر عن بنود الاتفاق الذي تم بين أوباما والجمهوريين. ولكن هذا هو الموقف الساذج الذي يتجاهل الضرر الكبير الذي ألحقت هذه التسوية بالمجتمع الأميركي (تتمثل في شكل التراجع الحاد في توزيع الدخل لما فيه صالح الأغنياء)، وللكيان السياسي في الولايات المتحدة (في شكل تحوّل غير عادي إلى اليمين)، وكذلك أدي هذا الموقف الساذج إلى إلحاق الضرر باقتصاد الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي (في شكل استفحال الركود العالمي، الذي ستتأكد حدته في وقت لاحق).
قد يجادل البعض بأنّ أوباما لم يكن لديه خيار في هذه المسألة، والاتفاق الذي تم، ذلك أنه لم يكن لديه مجال إلا الرضوخ للجمهوريين لتفادي الأزمة التي يمكن أن تنشأ، كنتيجة، فيما لو اضطرت الحكومة الأميركية إلى التخلف عن السداد بشأن مدفوعاتها المُستحقة. ولكن هذا ما إلا هو افتراض خاطئ.
بصرف النظر عن حقيقة انه كان جباناً سياسياً علي طول الخط (الطريق السياسي)، ولا سيما في الاستمرار بتمديد سياسة خفض الضرائب علي الأغنياء التي مُررت في عهد بوش (الأبن)، ولكنه أصبح جباناً سياسياً أيضاً حتى عندما حانت لحظة الأزمة لسحقه سياسياً (بجلية). لقد كان أمامه مخرج أخر واضحاً اقترحه كثيرون، لكنه لم يستمع إلى هذه النصيحة.
وكان المخرج المقترح على النحو التالي: في حين يتم حساب السندات الحكومية باعتبارها ديناً حكومياً، إلا أنّ السيولة النقدية التي تصدرها الحكومة تختلف ولا تُعد ديناً حكومياً. يملك المجلس الاحتياطي الاتحادي مبلغ 1.7 تريليون دولار من السندات الحكومية في الوقت الراهن، وهو قيمة ما تم شراؤه ضمن جهوده لخفض معدلات الفائدة طويلة الأجل (لتحفيز الانتعاش الاقتصادي). يتم احتساب هذا المبلغ على أساس أنه دين حكومي (باعتباره سندات حكومية)، من هنا، تثار مسألة حسابية حول ما إذا كانت الديون الحكومية فعلاً ضمن السقف القانوني المُحدد. إذا لجأت الحكومة الأميركية لمجرد استبدال السندات الحكومية التي يملكها المجلس الاحتياطي الاتحادي في محفظته بطبع العملة وتحويلها إلى سيولة نقدية، إذا تم ذلك، حينها سينخفض إجمالي الدين الحكومي ليندرج تماماً ضمن السقف المُحدد (ذلك أنّ الزيادة المُقدرة فوق سقف الدين هي بحدود 1.5 تريليون دولار وهو مبلغ يقل عن 1.7 تريليون دولار من السندات الحكومية التي يملكها المجلس الاحتياطي الاتحادي في محفظته).
إنّ لجوء الحكومة لطبع النقود في الولايات المتحدة الأميركية ليست فكرة جديدة: لجأ الرئيس الأميركي في القرن التاسع عشر إبراهام لينكولن إلى طبع أوراق نقدية سُميت “الأوراق الخضراء” (لا يزال يستخدم هذا المصطلح في لغة مشتركة للإشارة إلى الدولار الأميركي)، ولجأ إليها تحديداً في وضع مماثل، عندما كانت الحكومة الاتحادية قد وصلت إلى أزمة الديون بسبب تمويل نفقات الحرب الأهلية الأميركية. صحيح، أن استبدال السندات الحكومية بالأوراق النقدية يبدو حلاً زائفاً ووهمياً (لا يشكل ذلك أهمية للبنك الاحتياطي الفدرالي لأنّ أسعار الفائدة على السندات الحكومية في حدود الصفر المئوي، وجزء كبير من عائدات الفائدة التي يحققها مجلس الاحتياطي الفدرالي تدخل في خزينة الحكومة على أي حال)، ولكن بما أنّ مشكلة سقف الديون هي مشكلة زائفة ووهمية على أي حال، فإن حلاً زائفاً ووهمياً هو كل ما يتطلبه الوضع، وهذا الحل هو تماماً ما يكفي للتصدي لسياسة ليّ الذراع التي يتبعها الجمهوريون.
الأسباب الهيكلية البنيوية
السبب وراء عدم لجوء أوباما إلى هذا الخيار يرجع لعوامل هيكلية بنيوية، وليس بسبب فشل وخلل في بعض جوانب شخصيته، كما يدًعي الكتاب الليبراليون. الجبن السياسي واضحا في شخصية أوباما، وبكلمات أخرى هو ليس سمة شخصية ولكن نتيجة لركوعه لضغوط رأس المال التمويلي. الجدل الكبير حول حجم العجز المالي في الولايات المتحدة كان مُثاراً منذ فترة. في حين أنّ العديد من الاقتصاديين التقدميين شددوا علي أنّ وجود عجز مالي كبير أمر ضروري لتحفيز الاقتصاد في خضم الركود، وهم مُحقون في ذلك، وأنه لا يمكن لهذا العجز إحداث أي ضرر أو أذى، ليس هناك ضرر حتى على صعيد التضخم (حيث أنّ التضخم في الولايات المتحدة ليس ضمن معدلات الارتفاع المقلق في أي حال، وهو ليس ناتجاً من جراء الزيادة في جانب الطلب).
إلا أنّ أصحاب النفوذ المالي وعبر وسائل الإعلام التي يسيطرون عليها أثاروا دوماً الرغبة في خفض منهجي ومنظم للعجز المالي. هذا الأمر ليس مستغرباً: رأس المال التمويلي يعارض دائماً أي شكل من أشكال النشاط للدولة، إلا ذلك النوع من النشاط الذي يشجع على تحقيق مصالحه الخاصة. إنه يبث وينشر ليس فقط الرأي القائل بأنّ ما هو جيد للتمويل هو جيد بالنسبة للاقتصاد، ولكنه أيضا يبث وينشر نسخة أقوى من ذلك، فحواها: ما هو جيد فقط للتمويل هو جيد بالنسبة للاقتصاد.
من أجل أن يعترف رأس المال التمويلي بأنّ مصالح الاقتصاد يمكن خدمتها وتحقيقها من خلال العمل الحكومي الذي لا يهدف إلى تعزيز مصالحه الخاصة (مصالح أصحاب النفوذ المالي)، ذلك الاعتراف هو تقويض لعلة وجوده الخاص بالذات. وقد استخدمت المشكلة الزائفة والوهمية حول سقف الدين الحكومي لإحداث خفض حقيقي في العجز المالي للدولة. وتم هذا أيضاً من دون التأثير على مصالح الأغنياء، عبر عكس السياسة ووقف الحديث عن إلغاء التخفيضات الضرائبية السابقة (التي ينعم بها الأثرياء)، تلك التي تمت إزالتها بعناية من جدول الأعمال في وقت سابق.
يمكن تقليص العجز المالي إما من خلال جمع وحشد أكبر لعائدات الضرائب أو من خلال إحداث خفض في جانب الإنفاق. كيف يتم تقليص العجز المالي، ومَنْ هم الذين سيتحملون أثر زيادة الضرائب وأثر الخفض في جانب الإنفاق، كل ذلك من القضايا الهامة التي تؤثر على التوزيع الطبقي للدخل.
لا يريد رأس المال التمويلي إحداث خفض في العجز المالي فحسب، ولكنه يريد إحداث خفض ينفذ طبقياً وبشكل صحيح (من وجهة نظره الطبقية). وقد أدى أوباما دوره في كلا الجانبين بارتياح (جانب العائدات وجانب الإنفاق). لا شك في أنّه (أوباما) تم تحفيزه بمهماز اليمين الأميركي، لكنه لم يستطع الوقوف في وجه رأس المال االتمويلي، لأنّ تمويل حملته الانتخابية يعتمد إلى حد كبير على معقل رأس المال التمويلي في وول ستريت (شارع مؤسسات المال). وما يراه الكتاب الليبراليون كامناً في التحول نحو اليمين في السياسة الأميركية لإدارة أوباما (ما يعزونه لشخصية الرئيس وجبنه السياسي)، هو في حقيقته التامة زيادة في نفوذ وقوة رأس المال التمويلي.
ومن المفارقات، أنّ قدراً كبيراً من الزيادة في الدين الحكومي للولايات المتحدة يعود إلى جهود الحكومة لإنقاذ البنوك من الأزمة المالية التي جلبوها على أنفسهم بشكل جماعي، وأيضاً جراء سياسة بوش (الابن) في خفض الضرائب للأثرياء، لا سيما لمكافحة الركود الاقتصادي لأنفسهم، وهي سياسة لا يمكن عكسها، رغم أنّ الحكومة مضطرة إلى العمل الآن على وضع حزمة من الحوافز المالية لمكافحة الركود الاقتصادي العام. ولكن تلك الزيادة في الدين الحكومي التي فرضها الأثرياء وأصحاب النفوذ المالي تم استخدامها استخدمها أصحاب المصالح أنفسهم في إحداث تخفيضات على النفقات الاجتماعية للفقراء.
الحقيقة هي أنّ هذه السياسة ستؤدي إلى تفاقم الركود في الولايات المتحدة، وبالتالي في الاقتصاد الرأسمالي العالمي ككل، وقد جرى التأكيد عليه عن حق من قبل العديد من الكتاب. مكافحة الركود تتطلب زيادة الإنفاق. وبما أنّ الولايات المتحدة الأميركية لا يمكنها زيادة صافي صادراتها بشكل فجائي (وإذا حققت ذلك فعلياً، ستكون له أثار حادة علي ركود بعض البلدان الأخرى نظراً لأنه يجب أن يكون على أساس سياسة “إفقار البلد الجار”)، إذاً يجب أن يزيد الإنفاق المحلي للولايات المتحدة. وبما أنّه لا نفقات الاستهلاك الخاص ولا نفقات الاستثمار الخاص أظهرت أي علامات على حدوث انتعاش اقتصادي (سيتماثلان للشفاء بمجرد أن يبدأ الاقتصاد في الانتعاش)، لابد لزيادة الإنفاق أن تأتي من جانب الحكومة، وفي ظل غياب سياسة فرض الضرائب على الأثرياء، لابد أن يتم تمويله عن طريق العجز المالي (الضرائب على الفقراء تبطل الآثار التوسعية المرجوة من الإنفاق الحكومي).
تقليص العجز المالي، وأيضاً تطبيقه عن طريق خفض النفقات الموجهة نحو الفقراء، سوف يزيد من خطورة تفاقم الركود في الولايات المتحدة، وبالتالي تفاقم الركود في الاقتصاد العالمي.
قد يتساءل الناس: لماذا يصر رأس المال التمويلي علي مثل هذا المسار الذي هو أمر خطير في نهاية المطاف علي النظام ككل، نظراً لأنه يواجه ويتحدي النظام بالعداء الجماهيري المتعاظم وباحتدام أسوأ أزمة اقتصادية.
يكمن السبب في أن الرأسمالية ليست نظاماً مخططاً ولكنها نظام عفوي، هذه العفوية هي التي تجعل مصيرها مشؤوماً، وآيلاً إلى زوال. واقتباسا من لينين، يمكننا القول إنه إذا كان يمكن للرأسمالية أن تفعل كل تلك الأشياء التي كانت معقولة وإنسانية، فإنها إذاً لن تكون رأسمالية بتاتاً.

Print Friendly
Share

Previous post:

Next post: